روسيا والغرب.. هل تكون زيارة المستشار الألماني إلى موسكو آخر فرص الحل الدبلوماسي للأزمة الأوكرانية؟

يقلل الروس من فعالية أي رسالة يحملها المستشار الألماني في زيارته لهم اليوم الثلاثاء، ويقولون إنهم لن يقبلوا أي مقترحات مطوّرة إذا لم تتضمن قبولا مناسبا للمقترحات الروسية التي تتضمن عدم قيام أوكرانيا بعمل عسكري ضد الدونباس

Olaf Scholz - Volodymyr Zelensky meeting in Kiev
المستشار الألماني أولاف شولتز (يسار) يلتقي الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، خلال زيارته العاصمة كييف الاثنين (الأوروبية)

موسكو- من العاصمة الأوكرانية كييف يتّجه المستشار الألماني أولاف شولتز إلى موسكو مباشرة، في واحدة من المحاولات الدبلوماسية الحثيثة لتخفيف التوتر بين روسيا والغرب.

فرغم حديثه عن أيام قليلة باتت تفصل العالم عن بدء هجوم عسكري روسي ضد أوكرانيا، فإن الغرب يواصل حراكه الدبلوماسي مع موسكو، لكن دون نتائج تذكر حتى الآن.

وتأتي لقاءات شولتز، بعد زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى موسكو، ثم زيارة وزير الخارجية البريطانية، ليز تروس، وما تبعها من محادثات الرئيسين بوتين-بايدن الهاتفية.

لقاء ماكرون (يسار) بوتين في موسكو كشف عن هوة واسعة بين روسيا والغرب (رويترز)

حلقة مفرغة

وحتى اللحظة، لم تفلح كل هذه التحركات المكوكية في إحداث أي اختراق في الجدار الصلب للتباين الروسي الغربي، سوى أنها كررت المواقف ذاتها لكلا الطرفين.

وحتى ظروف وملابسات اللقاءات نفسها كشفت عن وجود هوة واسعة بين زوار موسكو الغربيين والكرملين.

فقد ذكرت مجلة الإيكونوميست الأميركية أن زيارة وزيرة الخارجية البريطانية إلى موسكو تخللتها إهانات من قبل نظيرها الروسي سيرغي لافروف، بدءا من وصفه للمباحثات بينهما بـ"حوار الطرشان"، وانتهاءً بمغادرته الاجتماع معها وتركها وحيدة أمام الميكروفون، حسبما قالت المجلة.

ولم تخلُ زيارة الرئيس الفرنسي، أيضا، من محاولات وضعها في سياق المماحكات البروتوكولية، بعد رفض ماكرون إجراء فحص فيروس كورونا أثناء زيارته الأخيرة لموسكو لمنع الروس من وضع أيديهم على الحمض النووي له، حسب ما نقلت وسائل إعلامية فرنسية عن مرافقين للرئيس.

بينما أكد الكرملين أن ماكرون أُبقي بعيدا عن بوتين خلال المحادثات، للحفاظ على مسافة صحية بعد رفض سيد الإليزيه الخضوع لاختبار فيروس كورونا في روسيا قبل اجتماعهما.

مفاوضات وسط التصعيد

بين هذا وذاك، جاءت مكالمة السبت بين بوتين وبايدن. ووفقًا للبيت الأبيض، فإن بايدن "أبلغ بوتين بوضوح عن العواقب التي قد تترتب على روسيا في حالة حدوث تصعيد حول أوكرانيا".

أما بيان الكرملين، فقال إن "بايدن ناقش مع بوتين مخاوف موسكو، لكن تلك التي لا تتعلق بالمقترحات الروسية الرئيسية للضمانات الأمنية. وكما كان متوقعا أيضا، فقد ذكّر بايدن بالعقوبات المناهضة لروسيا بسبب الوضع في أوكرانيا، لكن لم يكن هناك تأكيد على هذه المسألة".

وعززت تصريحات مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، من عدم فعالية التحركات الدبلوماسية، بقوله إن المحادثة بين قادة البلدين جرت في جو من الهستيريا غير المسبوقة من قبل المسؤولين الأميركيين بشأن الغزو الروسي الوشيك المزعوم لأوكرانيا.

ولهذا، قال أوشاكوف إن الجانب الأميركي طلب إجراء محادثة يوم السبت، على الرغم من أن موسكو كانت تخطط لإجرائها الاثنين.

كما أن الخارجية الروسية صعّدت من لهجتها في الآونة الأخيرة بشكل غير معهود. واتهم بيان جديد لها دولا غربية ووسائل إعلام أجنبية بـ"التواطؤ لخلق تصعيد مصطنع حول أوكرانيا، من خلال حشو هائل ومنسّق للمعلومات الخاطئة". وأن "الهستيريا في البيت الأبيض كشفت أكثر من أي وقت مضى حاجة الأنجلوساكسونيين إلى الحرب".

وحتى حلول العشرين من الشهر الجاري، سيُترك الهامش مفتوحا أمام الوسائل الدبلوماسية لحلحلة الأزمة المتصاعدة بين روسيا والغرب، إذا صدقت توقعات البيت الأبيض بهجوم روسي على أوكرانيا في هذا التاريخ.

GENEVA, SWITZERLAND - JUNE 16: U.S. president Joe Biden (L) and Russian President Vladimir Putin meet during the U.S.-Russia summit at Villa La Grange on June 16, 2021 in Geneva, Switzerland. Biden is meeting his Russian counterpart, Putin, for the first time as president in Geneva, Switzerland. (Photo by Peter Klaunzer - Pool/Keystone via Getty Images)
لقاء سابق جمع بوتين (يمين) وبايدن، ويقول محللون روس إن اتصالهما الأخير جاء للضغط على روسيا (غيتي)

الضغوط متواصلة

ويرى الخبير في معهد الدراسات الأميركية، يوري روغيلوف، أن المكالمة الهاتفية بين الرئيسين بوتين وبايدن لم تأتِ كخطوة تصالحية، بل للضغط على موسكو، وفي الوقت نفسه، محاولة لتقييم استعداد روسيا لبدء مفاوضات "حسن النية" بشأن أوكرانيا.

وتابع روغيلوف أن فرص الحوار والتفاهمات كانت متوفرة قبل ذهاب الأمور إلى ما هي عليه الآن، ولو أن الغرب تفهّم المخاوف الروسية حيال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، أو تضمنت ردوده على المقترحات الروسية بشأن الضمانات الأمنية، شيئا جديدا يمكن البناء عليه.

رغم ذلك، يؤكد الخبير الروسي أن موسكو لن تكون الطرف الذي سيطلق الرصاصة الأولى، معربا عن اعتقاده بأن الغرب يراهن على أعلى مستويات الضغط لكي تسلّم روسيا بالأمر الواقع، وتقبل بالمعطيات الجيوسياسية الجديدة، التي تعني القبول بتمدد الناتو نحو الشرق، واستخدام أوكرانيا كفزاعة للأمن القومي الروسي.

بموازاة ذلك، يقول روغيلوف إن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي حيال عمل عسكري ضد الدونباس، مؤكدا أنّ كييف نفسها أصبحت في ورطة نصبها لها الغرب، بحيث لا تستطيع التقدم مخافة رد فعل روسي عنيف، ولا التراجع أمام الرأي العام بعد الحملة الإعلامية التي مارستها خلال الأعوام الأخيرة تحت شعار وحدة الأراضي الأوكرانية.

كل الاحتمالات واردة

من جانبه، أوضح الباحث في الشؤون الدولية، دميتري كيم، أن زيارة المستشار الألماني أولاف شولتز إلى موسكو ستحمل مقترحات مطوّرة من أوكرانيا والغرب، وبصورة أدق- من الغرب بشأن أوكرانيا.

لكن يبدو من رد فعل الكرملين على مقترحات ماكرون والرد الجماعي للغرب، والذي رفضته الخارجية الروسية، فإن موسكو لن تقبل برسالة المستشار الألماني إذا لم تتضمن قبولا مناسبا للمقترحات الروسية التي تتضمن عدم قيام أوكرانيا بعمل عسكري ضد الدونباس، حسب تقديرات كيم؟

وتابع الباحث للجزيرة نت، أن ذلك يعني الدخول في مرحلة تصعيد جذرية بدءًا من 16 فبراير/شباط الجاري، سينتهي معها الصبر الروسي، وستنتقل موسكو إلى مبدأ التعامل بالمثل على أي خطوات تصعيدية مهما كان شكلها، ولا سيما بعد أن اجتازت مرحلة التداعيات الخطيرة للعقوبات الغربية، وأمّنت بدائل للتخفيف من آثارها.

المصدر : الجزيرة