بعد انتقادات كبيرة للعجز.. الحكومة المصرية تدرس سد نقص المعلمين للمرة الأولى

من مدرسة السيدة خديجة بمنطقة عين شمس شرق القاهرة
مصر تعاني عجزا كبيرا في المدرسين منذ سنوات رغم أن الجامعات تخرج آلاف المتخصصين كل عام (الجزيرة)

القاهرة- لأول مرة وبعد سنوات طويلة من أزمة نقص المعلمين التي تعد واحدة من أكثر الأزمات المستعصية وتثير انتقادات مستمرة للدولة، قررت الحكومة المصرية وضع خطة "خمسية" لسد العجز الهائل الذي يقدر بنحو 30%، وهو قرار يمثل خرقا لتوجهات صارمة من السلطة بمنع التوظيف الحكومي منذ سنوات.

وجاء ذلك عقب اجتماع للحكومة عقد بحضور رئيس الوزراء ووزراء التربية والتعليم والتخطيط والمالية، إضافة إلى رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، حيث تقرر وفقا لما نشره الإعلام المحلي، وضع خطة تنفيذية يتم تطبيقها على مدار 5 سنوات؛ لسد العجز في أعداد المعلمين.

وبحسب بيان حكومي، تم استعراض الوضع الحالي فيما يتعلق بالعجز في أعداد المعلمين، والاحتياجات الفعلية المطلوبة لسد هذا العجز، موزعة على مراحل التعليم المختلفة، أخذاً في الاعتبار أيضاً الزيادة المتوقعة في أعداد الطلبة على مدار السنوات الخمس المقبلة، وتعويض أعداد المعلمين الذين يُحالون إلى المعاش.

ورغم الإشادة بالقرار الذي حدد آلية اختيار المعلمين من خلال اختبارات ومعايير محددة، فإنه لقي أيضا انتقادات لأنه لم يوضح ما إذا سيكون التعيين بعقود دائمة تشمل أجرا شهريا مع علاوات وحوافز مثل بقية موظفي الدولة، أم بعقود مؤقتة أو بنظام المكافأة وهو ما يطلق عليه محليا "التدريس بالحصة" حيث يحصل المدرس على مقابل زهيد يرتبط بعدد الحصص التي يقوم بتدريسها دون وجود أي نوع من الأمان الوظيفي.

كما أن القرار -بحسب متابعين ومتخصصين في الشأن التعليمي- لم يتناول أزمة نقص الفصول التعليمية التي باتت مكتظة بالتلاميذ، والتي أثارت صور افتراش بعضهم الأرض في العديد من المدارس الحكومية انتقادات حادة في الشارع المصري مطلع العام الدراسي الحالي.

 

نقد برلماني للوزير

جاء الاجتماع والقرار الحكومي غير المتوقع، بعد أيام من هجوم نادر لنواب الأغلبية وغيرهم بالبرلمان على وزير التعليم طارق شوقي الذي حضر إحدى الجلسات المخصصة لمناقشته في أزمات التعليم، وشكاوى أولياء الأمور والمدرسين، حيث حوصر بعشرات الأسئلة، لكنه رد متذرعا بوجود قرار صارم بعدم تعيين موظفين جدد في الجهاز الإداري للدولة نظرا لعدم توفر أموال لهذا البند، حسب قوله.

وتطرقت طلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية إلى أزمات عدة يشهدها التعليم المصري، مثل صعوبة المناهج الدراسية، والكثافة الطلابية داخل الفصول، والعجز في أعداد المدرسين، وإلغاء تشعيب الثانوية العامة، إضافة إلى تسمم تلاميذ بسبب الوجبات المدرسية.

ولبيان الحال المزري الذي وصلت إليه المدارس بسبب عدم تعيين مدرسين أو حتى عاملي نظافة، قال النائب سامح حبيب إن هناك معلمين يضطرون إلى تولي مهمة تنظيف الفصول وحتى دورات المياه بسبب عجز العمالة المعاونة بالمدارس، وطالب بسد العجز الصارخ في المدرسين عن طريق عمل عقود رسمية لخريجي كليات التربية.

وانتقد النائب محمد الصمودي توجه وزارة التعليم لفتح الباب أمام التطوع للتدريس بالمدارس مقابل 20 جنيها (أي نحو دولار وربع)، لافتا إلى مشكلة 36 ألف معلم نجحوا في اختبارات التعيين التي عقدتها الوزارة قبل 3 أعوام ووقعوا عقود عمل مؤقتة، ثم مارسوا العمل لمدة شهرين، ليتم بعد ذلك إنهاء تعاقداتهم بشكل مفاجئ.

 

حل الأزمة مرهون بهذا التوجه

تعود أزمة نقص المعلمين في مصر، بحسب تصريحات مساعد وزير التربية والتعليم سابقا، رضا مسعد للجزيرة نت إلى نحو أكثر من ربع قرن، بعد قرار الحكومة وقف تكليف خريجي كليات التربية التي تؤهل الخريجين للعمل كمعلمين في المدارس، وما زاد من تفاقم أزمة العجز هو وصول آلاف المعلمين إلى سن التقاعد، وزيادة عدد الطلاب سنويا.

وبشأن حجم العجز في عدد المعلمين، أوضح مسعد، وهو رئيس قطاع التعليم السابق بوزارة التربية والتعليم، أنه يبلغ نحو 324 ألف معلم رغم أن الجامعات استمرت على مدى السنوات الماضية في تخريج الآلاف من الطلاب الذين تم إعدادهم للعمل بالتدريس، لكنهم انضموا بدلا من ذلك إلى طابور البطالة، مشيرا إلى أن وزارة التعليم حاولت معالجة الأزمة من خلال ما يسمى بالمسابقات (تعيينات بعقود مؤقتة) ولكنها لم تكن مجدية أو تفي بالغرض، وبقيت الأزمة على حالها بل وفي تزايد.

ووصف مسعد توجه الدولة بإعداد خطة لسد النقص بالجيد، ولكنه رهن نجاح هذا الأمر بعدم اللجوء إلى الحلول المؤقتة، مثل نظام التعيينات بعقود فصلية، ورأى أن أفضل طريقة لمعالجة النقص هو إعادة فتح باب التكليف لخريجي كليات التربية لعدد من السنوات بشكل تدريجي حتى يختفي العجز تماما؛ لأن من شأن ذلك أن يحل مشكلة كبيرة في التعليم المصري.

أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة في تعيين المعلمين هو عدم وجود مخصصات مالية لتعيينهم ووقف التعيينات في الجهاز الإداري للحكومة، بحسب تصريحات وزير التعليم المتكررة عن أزمة نقص المعلمين والفصول والأجور، فكيف ستتغلب عليها الدولة؟

في اعتقاده يقول مساعد الوزير سابقا إن الحكومة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية حققت نموا اقتصاديا كبيرا، ونجحت في إقامة الكثير من المشروعات العملاقة مثل العاصمة الإدارية وغيرها من المشروعات القومية التي تؤكد أن الحكومة إذا أرادت فإنها قادرة على توفير الغطاء المالي لتكليف هذا العدد من المعلمين.

بين الغموض والترقب

القرار الحكومي الجديد اعتبره مدير مركز الحق في التعليم (مستقل) عبد الحفيظ طايل، مبهما وغير مكتمل، قائلا "لم يصاحب القرار أي تفاصيل تتعلق بحجم المخصصات المالية لسد هذا العجز، ورؤية الحكومة لتعيين آلاف المعلمين، للأسف الحكومة تتعامل مع قراراتها في الفترة الأخيرة بوصفها أسرارا وليس من حق المجتمع الاطلاع عليها".

واستطرد في تصريحات للجزيرة نت، "وبالتالي لا يمكن الحكم على القرار بالنوايا، ولكن إثارته والإقرار بوجود عجز والرغبة في معالجته أمر محمود حتى يتضح لنا كيفية تعامل الحكومة مع الأزمة التي كبرت وتضخمت على مدار سنين طويلة"، لافتا إلى أن الاستشفاف الوحيد من القرار أن الوزير مطمئن لبقائه في موقعه لسنوات أخرى، على حد قوله.

ونوه طايل إلى أن أزمة التعليم في مصر تمتد لتشمل نقص الفصول وزيادة الكثافة وضعف أجور المعلمين وافتقار المناهج للتطبيق العملي ومدى ملاءمتها لمستوى واحتياجات طلاب في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، ولذلك فإن محاولة إقامة ضلع واحد من أضلاع العملية التعليمية الثلاثة، وهي المعلم والمدرسة والمناهج، لن يحل الأزمة، فالحلول الجزئية غير مجدية ولا فعالة على المدى الطويل، مؤكدا أنه يجب إعادة النظر في موازنة التعليم وزيادتها بما يتماشى مع الاستحقاقات الدستورية.

كم تبلغ تكلفة سد عجز المعلمين؟

ووفق تصريحات وزير التعليم فإن تكلفة سد النقص لا تتجاوز 9 مليارات جنيه (نحو 600 مليون دولار فقط)؛ فإذا كان حجم العجز 323 ألف معلم، وتكلفة تعيين 36 ألف معلم مليار جنيه (في إشارة إلى أزمة تعيين آلاف المعلمين الذين أجريت لهم مسابقة ونجحوا ولم يعينوا قبل عدة سنوات)، لكن المشكلة أنه لم يتم رصد ميزانية لذلك.

وفق تقرير الإحصاء الصادر عن وزارة التربية والتعليم للعام 2021/ 2022 بلغ عدد المعلمين 991 ألفا و969 معلما بالمدارس الحكومية والرسمية والخاصة، حيث بلغ عدد المعلمين بالمدارس الحكومية 878 ألف معلم، في حين بلغ عدد المعلمين بالمدارس الخاصة 113 ألف معلم.

ويترقب مئات الآلاف من خريجي كليات التربية الصيغة النهائية لآلية اختيار المعلمين الجدد بناء على القرار الحكومي الأخير، حيث تعكف الأجهزة المعنية وعلى رأسها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة المالية التي تتعلل دائما بعدم وجود ميزانية، إضافة إلى وزارة التربية والتعليم والتخطيط، وسط تساؤلات عن مصير 36 ألف معلم قامت الوزارة باختبارهم واستوفوا شروط العمل ولكنها لم تقم بتعيينهم إلا لبضعة أشهر.

 

 

المصدر : الجزيرة