من مهندس المصالحة في إثيوبيا وما موقف تيغراي منها؟

على الرغم من الرفض المشدد لحكومة آبي أحمد للوساطات حتى من قبل الاتحاد الأفريقي؛ فإنها قبلت وساطة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي والتي اصطدمت بشروط كل من أديس أبابا وجبهة تيغراي للجلوس على طاولة المفاوضات.

جبهة تحرير تيغراي لم تعلن حتى الآن موقفا رسميا من دعوة آبي أحمد للمصالحة (الفرنسية)

بالتزامن مع دعوة رئيس الوزراء الإثيوبي للمصالحة الوطنية؛ أعلنت السلطات العفو عن مجموعة من كبار السياسيين السجناء في البلاد تم اعتقالهم على خلفية الحرب في إقليم تيغراي وقضايا سابقة، لكن عدة أسئلة تثور عن هذه الخطوة؛ هل ستنجح في إعادة الاستقرار إلى إثيوبيا ووقف تدحرجها نحو أتون حرب أهلية؟ وهل يمكن لهذه المصالحة أن تتسع لجميع الإثيوبيين؟

ومن الذين شملهم قرار العفو -والذي تزامن مع احتفال البلاد بأعياد الميلاد- "سبحت نغا" الأب الروحي لجبهة تحرير تيغراي، و"أبادي زمو" أحد مقاتلي تيغراي أثناء حربهم ضد نظام منغستو (1975- 1991).

كما شمل قرارات العفو جوهر محمد أحد قادة المؤتمر الفدرالي للأورومو والذي كان له تأثير كبير فيما عرف بانتفاضة الأورومو خلال أعوام 2015 و2016 و2017 والتي لعبت دورا كبيرا في إنهاء سيطرة جبهة تحرير شعب تيغراي على البلاد والتي امتدت من عام 1991 إلى 2018 .

كما أعلن حزب بالديراس المعارض عن إطلاق سراح مؤسسه إسكندر نيغا والذي اعتقل في يوليو/تموز 2020 مع شخصيات معارضة أخرى بعد أعمال عنف اندلعت إثر مقتل المغني الشهير هاشالو هونديسا المدافع عن إثنية الأورومو، بالرصاص في أديس أبابا، ويحظى نغا بشعبية كبيرة وسط الشباب، وفق مؤيديه.

Rally In Support Of Ethiopian Government At Meskel Squareمظاهرة في أديس أبابا مؤيدة للحكومة الإثيوبية بعد إعلانها الانتصار على جبهة تحرير تيغراي (غيتي)

وجاءت هذه الإجراءات استمرارا للمصالحة الوطنية التي أعلن عنها آبي أحمد نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي وعضضها البرلمان بتكوين لجنة لها من عضويته، وتزامنت مع وجود المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي جيفري فليتمان بأديس أبابا في آخر زياراته إلى المنطقة قبل انتهاء مهمته.

لكن مراقبين تساءلوا عن مآلات هذه الخطوة وهل ستنجح في تجنيب البلاد الحرب ووقف الصراع بين قوات تحرير شعب تيغراي والقوات الإثيوبية والذي راح ضحيته الآلاف وأجبر أكثر من مليوني شخص على الفرار من منازلهم وفق الأمم المتحدة، وهل يمكن لهذه المصالحة أن تتسع لجميع الاثيوبيين؟ وما موقف جبهة تحرير تيغراي منها باعتبارها أقوى المجموعات المعارضة لحكومة آبي أحمد؟ وهل لعبت واشنطن دورا في هذه المصالحة؟

هل تسع المصالحة الجميع؟

يقول هايلي غبريال -وهو اسم مستعار للدواعي الأمنية البالغ من العمر 29 عاما ويعيش في العاصمة أديس أبابا- للجزيرة نت إن "إسكندر نيغا والذي شملته قرارات العفو-من القادة الذين يمكن أن يعطونا الأمل بأن بلادنا ستكون بلدا ديمقراطيا".

رسالة أخرى بعث بها قرار العفو عن الزعيم الشعبي جوهر محمد أيقونة الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في إثيوبيا عام 2015 تمثل رسالة إيجابية للأورومو -أكبر القوميات الإثيوبية- وخاصة الشباب، فجوهر يمثل أيقونة لهم كما أنهم يحفظون له حملته التي قادها بعد اغتيال المغني هونديسا" كما يقول راشد أحمد المدون الذي يقيم في القاهرة للجزيرة نت.

ما موقف تيغراي؟

وبالنسبة لتيغراي فقد كان لافتا الإفراج عن أبيها الروحي سبحت نغا والذي كان اعتقاله وهو مقيد بالسلاسل -وهو الرجل ذو الـ80 عاما- محفورا في ذاكرة الكثير من الإثيوبيين.

ورغم أنه لم يصدر تعليق رسمي من جبهة تحرير تيغراي على هذه القرارات إلا أن الناطق باسمها غيتاشو رضا قال -في تغريدة على حسابه في تويتر أمس السبت- "رسالة آبي أحمد في عيد الكريسماس لا تتسق مع سلوكه اليومي بمنع المساعدات الطبية عن الأطفال وإرسال الطائرات المسيرة لاستهدافهم".

لكن مصدرا قريبا من جبهة تحرير تيغراي قال للجزيرة نت إن قيادة الجبهة تبلور موقفا من هذه المصالحة وتنتظر خطوة أخرى من أديس أبابا بألا تقتصر على العفو وإطلاق سراح قيادات فقط؛ وإنما (يجب أن تشمل) آلاف التيغراي الموجودين في سجون أديس أبابا".

وإن كانت رسائل جاءت من أكبر مجموعتين معارضتين من حيث السكان فإن المجموعات الأخرى لم تعلق بعد على الدعوة للحوار، بيد أن مصدرا إثيوبيا يعلل ذلك بأن هذه المجموعات ليس لديها معتقلون ويمكن دعوتها لجلسات الحوار حال انطلاقها.

من مهندس المصالحة؟

على الرغم من الرفض المشدد لحكومة آبي أحمد للوساطات حتى من قبل الاتحاد الأفريقي؛ فإنها قبلت وساطة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي والتي اصطدمت بشروط كل من أديس أبابا وجبهة تيغراي للجلوس على طاولة المفاوضات.

دفع ذلك مراقبين للتساؤل عن الذي حرك المصالحة الآن على الرغم من أن مسؤولا حكوميا إثيوبيا صرح -عند إطلاقها في ديسمبر/كانون الأول الماضي- بأنها لن تشمل المجموعات المصنفة إرهابية من قبل البرلمان، وكان يشير إلى جبهة تحرير أروما وقواتها المعروفة باسم شن قبي وجبهة تحرير تيغراي.

وقد قال دبلوماسي يقيم في أديس أبابا للجزيرة نت إن "الولايات المتحدة لعبت دورا رئيسيا في تقريب وجهات النظر في إطار مفاوضات تمت بعيدا عن الإعلام، وذلك لمخاوفها من التمدد الروسي بعد أن وقع رئيس الوزراء آبي أحمد العام الماضي اتفاقية دفاعية مع موسكو في ظل التوجه الروسي الجديد نحو أفريقيا عبر بوابات مختلفة تتمثل في الاستثمار والتسليح والتدريب".

ونقلت وكالة "بلومبيرغ" (Bloomberg) الأميركية في مارس/آذار الماضي استنادا إلى مصادر لم تسمها أن مرتزقة فاغنر الروسية يتمركزون حاليا في 10 دول أفريقية هي السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، ليبيا، زيمبابوي، أنغولا، مدغشقر، غينيا، غينيا بيساو، موزمبيق، وربما في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

أما الخبير العسكري السوداني أحمد عبد الكريم فيشير إلى أن التطورات التي حدثت على الأرض في ديسمبر/كانون الأول الماضي -بدءا من انسحاب سريع لقوات تيغراي من إقليمي أمهرة وعفر واستعادة الحكومة لهذه المنطقة" دون أن تلاحق قوات تيغراي إلى داخل حدود إقليمهم- تشير إلى أن تسوية جرى إعدادها بواسطة جهة لديها أدوات ضغط على كل من الطرفين".

المصدر : الجزيرة