2021 كان مثقلا بالتضحيات والانتصارات.. ما ملامح 2022 في فلسطين؟

يرى الفلسطينيون أن العودة للمسار السياسي مع الاحتلال نسفته الهبّة الجماهيرية في حي الشيخ جراح والقدس ومناطق الضفة الغربية وغزة والداخل، فيما عرف بـ"هبّة أيار"، حيث ثار الكل الفلسطيني ضد الاحتلال ورفضا للتهجير القسري، وتوّج ذلك بمعركة "سيف القدس" بين المقاومة وإسرائيل.

فنان فلسطيني فقد ساقه بعدوان إسرائيلي سابق حفر رقم العام الجديد على رمال شاطئ غزة (الأناضول)

نابلس- "بُرقة جمهورية حرة مستقلة، تحكمها القوى الوطنية، ويمنع جيش الاحتلال الإسرائيلي دخولها"، بهذا النص ألقى سامي دغلس، ابن القرية القريبة من نابلس شمال الضفة الغربية، متوسطا رفاقه في المقاومة، ما عُرف بـ"خطاب النصر على الاحتلال" إبان اشتعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1988.

كان بيانا حماسيا وثوريا، لكنّه بعث الأمل في نفوس جماهير القرية الذين انتفضوا ضد جنود الاحتلال وخلَّصوا المعتقلين منهم ودحروهم خارجها. فتداعى الخبر إلى وسائل الإعلام الأجنبية والعربية، وعنونت بعض صحفها صفحتها الأولى ببيان النصر ذاك، وبعث لهم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات تحاياه حين ذاك.

قبل أيام من نهاية عام 2021، عاد المشهد ذاته إلى بُرقة، وهتف دغلس من جديد: "على الأرض مرابطين.. شوكة بحلق المحتلين"، وردد خلفه رفاق النضال، بعد أن تحولت القرية إلى جبهة مقاومة لهجمات المستوطنين، بعد أيام من مقتل أحدهم وإصابة آخرين قرب مستوطنة "حومش" الجاثمة فوق أراضي المواطنين هناك.

وبتصدي أبناء برقة لهجمات المستوطنين ومخططاتهم لإعادة بناء المستوطنة المخلاة "حومش"، انضمت إليهم أبرز نقاط المقاومة الشعبية المستمرة في الضفة الغربية: ككفر قدوم وبيتا وبيت دجن وغيرها.

الاحتلال يغرق المتظاهرين الفلسطينيين في قرية برقة بالغاز والرصاص خلال تصديهم لاعتداءات المستوطنين (الجزيرة)

عنف واستيطان.. قتل وأسر مستمران

مع هجماتهم التي تصاعدت بنهاية العام، تضاعف عنف المستوطنين لأكثر من 120% في 2021 عن سابقه، وتضاعف الاستيطان نحو 3 مرات بعد مناقصات إسرائيلية جديدة لبناء 3984 وحدة استيطانية في العام المنصرم، مقابل 1367 وحدة في 2020، وبذلك مصادرة آلاف الدونمات (الدونم= ألف متر مربع) من أراضي الفلسطينيين.

وعلى صعيد آخر، هدمت إسرائيل أكثر من 900 منشأة فلسطينية بينها أكثر من 320 منزلا في 2021، وأخطرت أكثر من 700 منشأة أخرى بالهدم بحجة البناء دون ترخيص في المناطق "ج" (التي يسيطر عليها الاحتلال وفق اتفاق أوسلو).

وخلال العام المنصرم، قتل الاحتلال الإسرائيلي 357 فلسطينيا، بحسب بيانات التجمع الوطني لأهالي الشهداء، منهم 257 استشهدوا في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو/أيار الماضي، و100 شهيد موزعين على باقي المناطق الفلسطينية. آخرهم الشهيد أمير ريَّان الذي قُتل في اليوم الأخير من 2021، بحجة محاولته تنفيذ عملية طعن قرب قرية حارس شمالي الضفة الغربية.

القمع يترصد بحرية الأسرى

زاد قمع الاحتلال للأسرى الفلسطينيين في سجونه، وخاصة بعد نجاح 6 منهم في الهروب من سجن جلبوع الأشد تحصينا مطلع سبتمبر/أيلول الماضي، إضافة لتصاعد الإضراب الفردي عن الطعام رفضا للاعتقال الإداري، وقد قضى الأسير هشام أبو هواش 141 يوما مضربا عن الطعام، إلى أن رضخ الاحتلال وأعلن أنه سيفرج عنه في 26 فبراير/شباط القادم، وحقق أبو هواش انتصارا مدويا على سجانه.

ولم يفقد الأسرى -ولا سيما "أسرى "نفق الحرية" الذين أعيد اعتقالهم- أملهم في الإفراج عنهم، وردوا على القاضي الإسرائيلي أثناء محاكمتهم أن المقاومة لن تنساهم، ولا سيما بعد أن تعهّد الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، بعدم تمرير أية صفقة تبادل لا تشمل الإفراج عنهم.

وسجّلت المؤسسات الحقوقية أكثر من 8 آلاف حالة اعتقال لفلسطينيين في 2021 من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بينهم 1300 من القاصرين، و184 من النساء، وهؤلاء تعرضوا لقمع ممنهج من سلطات السجون تمثل بعزلهم واقتحام زنازينهم وضربهم وحرمان عدد كبير منهم من زيارة ذويهم لفترات طويلة.

وأدت سياسة الإهمال الطبي في سجون الاحتلال إلى ارتفاع عدد الأسرى المرضى إلى 700، واستشهاد 3 منهم آخرهم الأسير سامي العمور من قطاع غزة، بعد أن حُرم من زيارة عائلته 13 عاما.

وقد اختتم الاحتلال العام بإقرار قانون عنصري جديد يزيد، وحداته داخل السجون بحجة ضبط الأمن.

فشل الانتخابات وقمع المعارضة

وداخليا، لم يكن الشأن الفلسطيني أحسن حالا، إذ استيقظ الفلسطينيون على تأجيل الرئيس الفلسطيني للانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 22 مايو/أيار حتى إشعار آخر، "بسبب إعاقة إسرائيل إجراءها بالقدس". وانسحب هذا على الانتخابات الرئاسية والمجلس الوطني التي كانت مقررة في شهور الصيف، بينما نُظمت انتخابات الهيئات المحلية بشكل جزئي في بعض مناطق الضفة الغربية.

وفاقم ذلك من حالة الرفض الشعبي والفصائلي لتفرد قيادة السلطة بالقرار، وأدى إلى نشوب أزمة سياسية كان من مظاهرها اغتيال المعارض للسلطة "نزار بنات" في مدينة الخليل، وارتفاع ظاهرة الاعتقالات السياسية.

ورافق الأزمة السياسية استمرار مظاهر الفساد والمحسوبية في القطاعات العامة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية بحيث تجاوزت البطالة حاجز 30%.

لا دولة

سياسيا، لم يحقق الفلسطينيون إنجازات تُذكر، إذ خلا الحديث عن الأرض والحدود واللاجئين إلا من استجداء إسرائيلي لإحياء عملية السلام والعودة إلى المفاوضات المتوقفة أصلا منذ 10 سنوات، وهو ما يرفضه الإسرائيليون علنا.

وجاء اللقاء الأخير -وهو الثاني خلال العام- بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس في منزل الأخير، ليؤكد التراجع الفلسطيني، حسبما وصفه المحللون.

وبينما اعتبر المسؤولون في السلطة اللقاء اختراقا سياسيا، أكدت إسرائيل -عبر وسائل إعلامها- أن لا سلام ولا دولة للفلسطينيين، وأن اللقاء كان بغرض أمني وآخر اقتصادي فقط.

ورأى الفلسطينيون أن العودة للمسار السياسي مع الاحتلال قد نسفته الهبّة الجماهيرية في حي الشيخ جراح والقدس ومناطق الضفة الغربية وغزة والداخل، فيما عرف بـ"هبّة أيار"، حيث ثار الكل الفلسطيني ضد الاحتلال ورفضا للتهجير القسري، وتوّج ذلك بمعركة "سيف القدس" بين المقاومة بغزة والاحتلال.

ولهذا تميز 2021 "بعنفوان الشعب الفلسطيني وإرادته على المقاومة"، كما يقول أمين عام المبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي، رغم أنه بدأ بتطبيق صفقة القرن بكل مخاطرها وخاصة التطبيع والتوسيع الاستيطاني والحرب الرابعة على غزة.

ويضيف البرغوثي للجزيرة نت أنه مع رفض إسرائيل لأي عملية سلام وأي حل مع الفلسطينيين، وسعيها لضم جميع الأراضي المحتلة، يكون 2021 "أكثر عام برز فيه فشل اتفاق أوسلو والمراهنة على التفاوض مع الاحتلال".

ووصفه بـ"عام سقوط حل الدولتين"، وزيادة القناعة عند الفلسطينيين، ليس بمحاربة إسرائيل كنظام عنصري فقط، بل بإسقاط الاحتلال بكل فلسطين التاريخية.

وتوقع البرغوثي تصاعد المقاومة الشعبية خلال 2022، بل الدخول في شكل من "الحرب الشاملة"، ولهذا دعا إلى مخرج للأزمة الداخلية الفلسطينية عبر شروط ثلاثة: أولها إعلان فشل أوسلو والتحلل من الاتفاقيات مع إسرائيل ووقف التنسيق الأمني.

إضافة للقبول بمبدأ "الشراكة الديمقراطية" وعدم تفرد أي فصيل بالقرار الفلسطيني، وثالثا إعادة الحق للشعب الفلسطيني بانتخاب قياداته، لأن إلغاء الانتخابات التشريعية "خطأ"، على حد قول البرغوثي.

التفكجي: القنصلية الأميركية مرشحة للتحول إلى سفارة
التفكجي: إسرائيل تطبق صفقة القرن دون إعلان (الجزيرة)

تطبيق صفقة القرن دون إعلان

وفي المسار السياسي أيضا، يقول مدير دائرة الخرائط بجمعية الدراسات العربية بالقدس خليل التفكجي، إنه "لا دولة للفلسطينيين بالرؤية الإسرائيلية ولا اكتراث إسرائيليا بهم أصلا، وحكومة الاحتلال المتطرفة تطبق صفقة القرن دون الإعلان عنها".

ويدلل التفكجي للجزيرة نت على ذلك بتصاعد عنف المستوطنين وزيادة أعدادهم لنحو 500 ألف بالضفة الغربية فقط، وتنوع الاستيطان بين الزراعي والصناعي ومدّ شبكات الطرق والسكك الحديدية والانفاق، وسيطرة الاحتلال على 83% من مياه الفلسطينيين.

ودولة الفلسطينيين لا يراها الاحتلال -بحسب التفكجي- إلا "كإدارة بلديات" من الحكومة الفلسطينية التي تجبي الأموال فقط.

المصدر : الجزيرة