بعد أن أصبحت بلا "ضمانات أمنية".. كيف سترد روسيا على تجاهل مخاوفها؟

تضع روسيا العمل العسكري ضمن خياراتها للرد على رفض حلف الناتو الضمانات الأمنية التي طلبتها (رويترز)

موسكو – عكست نبرة تصريحات المسؤولين الروس شكوكهم المبكرة في الحصول على رد مقبول من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي "ناتو" (NATO) بشأن الضمانات الأمنية، وكأن هذا الرد كان متوقعا.

وكانت الولايات المتحدة وحلف الناتو قدما مساء 26 يناير/كانون الثاني الجاري لروسيا ردودا مكتوبة على مطالبها بضمانات أمنية في أوروبا. وتم إحضار الوثيقة التي أعدت في واشنطن إلى وزارة الخارجية الروسية من قبل السفير الأميركي في موسكو جون سوليفان.

وفي مكالمة هاتفية عقب ذلك، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أن مخاوف موسكو الأساسية مثل منع توسّع الناتو ورفض نشر أنظمة صاروخية بالقرب من الحدود الروسية، لم تؤخذ في الاعتبار، ولم تتلق موسكو أي رد مرض على الاقتراح بعودة حلف الناتو في أوروبا إلى مواقع عام 1997.

سر معلن

رغم الاتفاق على أن يبقى مضمون الوثيقة سريا، فإنه جرى الإفصاح عما تضمنه من إشارة إلى "المخاوف الروسية" و"إمكانية الاتفاق على أشياء من الممكن أن تؤدي لزيادة مستوى الأمان للجميع، بما في ذلك روسيا".

ومع ذلك، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن اعتقاده بأن الرد الأميركي على مقترحات روسيا سيصبح معروفا للجمهور. وحسب كلامه، فإنه رغم رغبة الجانب الأميركي في أن تبقى الوثيقة محصورة في حوار دبلوماسي سري، كما اتفقت واشنطن على ذلك مع جميع حلفائها ومع الجانب الأوكراني، فإنه ليس لديه أدنى شك في أنه في المستقبل القريب جدا سوف "يتم تسريبه".

وعلى حد قوله، فإن الرد الأميركي يسمح بالاعتماد على بداية محادثات جادة ولكن على قضايا ثانوية، معترفا بعدم وجود رد فعل إيجابي على القضية الرئيسية في هذه الوثيقة، وهي عدم توسع الناتو شرقا، والامتناع عن نشر أنظمة صاروخية في المناطق التي يمكن أن تشكل تهديدا لروسيا.

وأضاف أن الردود الواردة من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سيتم النظر فيها ككل، وبعد التنسيق بين الوزارات، سيتم إبلاغها إلى الرئيس بوتين، الذي سوف يقرر الخطوات التالية.

ويأتي هذا التطور في ظل أعقد أزمة بين الجانبين منذ نهاية الحرب البادرة، تميزت هذه المرة بتطورات خطيرة في الملف الأوكراني، ودخول الغرب مباشرة على خط الدعم السياسي والعسكري للجمهورية السوفياتية السابقة، وحشود روسية غير مسبوقة على الحدود معها.

"حمائم الحرب" والتنازلات المنخفضة

يعتقد المحلل السياسي ألكسندر باونوف أن روسيا لا تتفاوض كدولة ستشن حربا، ولكن كدولة يمكنها في هذه الحالة تحمل تكاليفها. فبعد أن أرسل الغرب إلى موسكو ردا مكتوبا، حسب الطلب، متضمنا رفض النقاط الرئيسية، أعطى في المقابل الأمل في النقاط الثانوية.

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن الأمر أصبح يعتمد الآن على روسيا في تقييم تلك التنازلات البسيطة والمنخفضة ولكن ذات مغزى، أو رفضها واستعدادها للحرب على أوكرانيا.

شيء أفضل من لا شيء

في حين يعتقد المدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسي أندريه كورتونوف أن هناك سيناريوهين مختلفان تماما لتطور الأحداث. فيمكن لموسكو أن تقول إنه نظرا لعدم تلبية مطالبها فلا يوجد ما يمكن الحديث عنه، لأنه من دون حل المشكلات الرئيسية لا يمكن تحسين الوضع الأمني ​​الروسي، وبالتالي سيجري التعامل عبر الإجراءات العسكرية والتقنية ردا على التهديدات التي تراها روسيا في تصرفات الناتو.

أما الخيار الثاني، يتابع كورتونوف في تصريح له لموقع "فونتانكا رو"، فهو التعامل بمبدأ أن شيئا أفضل من لا شيء، وذلك بالتفاوض حول الملفات التي يظهر فيها التفاهم المتبادل، بما في ذلك الوقف الاختياري لنشر الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، وأمن روسيا والناتو، وإجراءات خفض التصعيد، ومفاوضات بشأن الحد من التسلح.

الكرة في ملعب بوتين

أما محلل الشؤون الدولية فلاديسلاف إيزيف، فيرى أن ما عبّر عنه ممثلو الناتو والبيت الأبيض في إحاطتهم الإعلامية، يظهر أن الغرب ليس مستعدا لتلبية أي من مطالب الجانب الروسي.

ويؤكد، متحدثا للجزيرة نت، أنه "لا ضمانات بأن الناتو لن يتوسع إلى الحدود الروسية، ولا عدم نصب أسلحة هجومية جديدة قرب الحدود"، معربا عن اعتقاده بأن الكرملين لم يتوقع غير ذلك.

ويتابع إيزيف، أنه حتى الآن، لا يوجد فهم واضح للإجراءات التي سترد بها موسكو على هذا الرفض. فالشيء الوحيد من المتطلبات الروسية التي تم الإيفاء بها هو تلقي إجابات مكتوبة، مما يعني أن هذه الجولة -على ما يبدو- "انتهت بالضبط بما كان الجانب الروسي يتوقعه، وبالتالي فقد أصبحت الكرة الآن في ملعب الرئيس فلاديمير بوتين".

المصدر : الجزيرة