برقة وجاراتها.. صور من معاناة سكانها من إغلاقها وعزل الاحتلال الإسرائيلي لها

يسعى الاحتلال بإغلاقه الشارع الحيوي بين منطقتي جنين ونابلس، شمالي الضفة، وعزل أحياء ومناطق في بُرقة والقرى المحيطة، لفرض مرحلة وسياسة جديدة على الأرض بإحياء مستوطنة حومش المخلاة، ومدّ الاستيطان إلى مناطق وطرق جديدة.

نابلس- لا تستقرّ حياة المعلمة الفلسطينية رُبا سيف هذه الأيام، فبعد أن أعدّت نفسها وأولادها وانطلقت إلى مدرستها مستغلة ثغرة بالطريق بين منزلها في حي المسعودية المحاصر بقرية برقة قرب نابلس شمالي الضفة الغربية، اتصل بها زوجها محذرا من أن جيش الاحتلال الإسرائيلي عاد وأغلق الطريق ثانية.

وبوصقه واحدا من أحياء برقة، يعيش سكان "المسعودية" عقابا جماعيا، وتتفاقم معاناتهم منذ 40 يوما بفعل إغلاق الاحتلال طرقها الرئيسية والفرعية، بعد مقتل مستوطن إسرائيلي بعملية فدائية منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي قرب مدخل مستوطنة "حومش" الجاثمة على أراضي القرية.

عاطف دغلس-حوصر سكان حي المسعودية بعد اغلاق الطريق وسارو على الاقدام وصولا لمنازلهم - الضفة الغربية- نابلس- برقة- الجزيرة نت4
حوصر سكان حي المسعودية بعد إغلاق الطريق فساروا على الأقدام إلى منازلهم (الجزيرة)

تزامن وصولنا إلى مدخل المسعودية مع عودة المعلمة سيف من المدرسة، إذ ترجَّلت وأطفالها من المركبة لتصطدم بساتر حجري بارتفاع مترين أغلق الطريق وحال دون وصولهم إلى المنزل على بعد أمتار.

وبعد تفكير قررت الأم ركن سيارتها وقطع الطريق مشيا، وقالت سيف للجزيرة نت، وهي تجتاز الحاجز العسكري ممسكة بيد طفها الصغير حمزة خشية سقوطه، إن الجنود الإسرائيليين وبعد اكتشافهم تغرة جانبية أحدثها الأهالي لتسهيل مرورهم جاؤوا وأغلقوا الطريق بمكعبات إسمنتية، وقبل ذلك نصبوا بوابة حديدية.

وتضيف "هذا الإغلاق الخامس لطريق المسعودية منذ شهر، وهذا فاقم معاناتنا، وصرنا نشعر بالعزلة، فالحياة تسير في الخارج ونحن محاصرون".

جانب من قرية برقة ويظهر خلفها جبل الظهور الذي يريد المستوطنون ترسيخ الاستيطان فيه (الجزيرة)

البحث عن طريق

حاولت سيف أن تجد حلا مؤقتا لأبنائها ليواصلوا دراستهم سواء بالمبيت عند أقاربهم داخل القرية أو بنقلهم من مركبة لأخرى أو بالسير على الأقدام، رغم الظروف الجوية الصعبة وخطر المستوطنين. وتقول إنه لا يمكنها الانقطاع عن عملها في التدريس، وكذلك أبناؤها لا سيما "يافا" الطالبة بالثانوية العامة، وهي حال طلاب كثيرين في الحي.

سألنا يافا وحمزة، ابنا المعلمة عن معاناتهما، فقالا إنهما يعيشان قلقا وخوفا ليس من إغلاق الطريق فحسب، وإنما من هجوم المستوطنين على منازلهم وعلى الطرق الالتفافية التي يسلكونها.

وفي حي المسعودية، تعيش 12 عائلة تَعُد أكثر من 60 نفرا، لا يكترث الاحتلال لمعاناتهم ومعاناة عشرات المزارعين حولهم. ويقول جنوده "إنهم ينفذون أوامر عليا".

عاطف دغلس- المعلمة ربا سيف تمرر أولادها فوق الساتر الحجري المغطى بالتراب الذي اغلق الاحتلال به حي المسعودية- الضفة الغربية- نابلس- برقة- الجزيرة نت7
المعلمة ربا سيف تمر بأولادها من على الساتر الحجري المغطى بالتراب الذي اغلق الاحتلال به حي المسعودية (الجزيرة)

ولوهلة ظننا أن المواطن موسى ادعيس (41 عاما)، أحد سكان المسعودية، أوفر حظا من عائلة المعلمة سيف، فهو يملك جرارا زراعيا يسلك به طرقا وعرة ويشكّل طوق نجاة للسكان ولأطفاله بنقلهم للمدرسة، لكن تبيّن أن الأمر غير ذلك عندما أخبرنا أن الاحتلال لم يترك متنفسا، بل حفر خنادق ليقطع كل الطرق. وبالقرب من الحاجز الترابي، ركن ادعيس جراره، "قبل أن تتوتر الأحداث جرَّاء تنقل الجنود والمستوطنين عبر الشارع العام".

يقول ادعيس إن الإغلاق منعه من تسويق منتجاته من الألبان والأجبان، أو جلب الطعام لأغنامه. وبينما كنا نتحدث مع ادعيس داهمنا جنود الاحتلال وسألوا عن سبب وجودنا. وقال لهم ادعيس إن إغلاق المنطقة يضر بهم، فرد الجنود بأن ذلك لمنع تسلل المستوطنين إلى "حومش".

وهو ما ينفيه ادعيس والسكان، ويقولون إن المستوطنين يسلكون كل الطرق الجبلية والالتفافية وعبر الشارع العام وبحماية من الجيش أيضا، وإن الاغلاق هدفه عقابهم والتضييق عليهم لكونهم فلسطينيين.

موسى ادعيس مزارع وساكن بحي المسعودية ببرقة يقول ان الاحتلال اغلق حتى الطرق الزراعية الفرعية التي كان يمر منها بالجرار الزراعي بعد اغلاق المدخل الرئيس للمسعودية- الضفة الغربية- نابلس- برقة- الجزيرة نت8
موسى ادعيس: الاحتلال أغلق حتى الطرق الزراعية الفرعية التي كان يمر منها بالجرار الزراعي (الجزيرة)

ثكنة عسكرية

وتحوّلت برقة منذ مقتل المستوطن قبل أكثر من شهر إلى ثكنة عسكرية لجيش الاحتلال، وإلى هدف لمستوطنيه الذين هاجموا أكثر من 30 منزلا في اعتداءات متكررة. في حين واصل جنود الاحتلال اقتحام القرية وشن حملات الاعتقال فيها وإغلاق طرقها الفرعية بين الأحياء أو التي تصلها بالقرى المجاورة.

وفي الحي الغربي لبرقة، يواجه ابن القرية فادي حجّة ومواطنون آخرون، باستمرار، عنف جيش الاحتلال والمستوطنين معا. لم نستطع الترجُّل من المركبة للقاء حجّة أمام منزله، فالجنود ينتشرون بكثافة وينصبون حواجز عسكرية، فاتصلنا به وأخبرنا أنهم يعيشون الخوف والقلق دائما. كما أن إجراءات الاحتلال حدت من تحركهم، وصاروا يسلكون طرقا التفافية غير معبدة للتنقل، وقال "أحطت منزلي بسياج حديدي لدرء هجمات المستوطنين".

وليس ببعيد عن الحي، تقف 3 من مدارس قرية برقة متحدّية إجراءات الاحتلال ومستوطنيه، ويحاول حجة -الذي يعمل مديرا لإحداها- الحفاظ على أمن التلاميذ بكل الطرق، "فأكثر من 700 طالب وطالبة في حلقة الاستهداف الدائم للجنود خلال المواجهات"، يقول حجة.

شباب من برقة في مواجهات دائمة مع جنود الاحتلال (الجزيرة)

داخل القرية ايضا

أما المواطنون داخل القرية فليسوا أوفر حظا، فبعضهم ترك منزله القريب من مستوطنة حومش وانتقل للسكن عند أقاربه كأحمد أبو عمر، الذي غادر ورشته لتصليح المركبات بعد إغلاق الطريق الواصل إليها. ويقول للجزيرة نت إن جيش الاحتلال أغلق الطرق بمحيط ورشته وأعلنها "منطقة عسكرية".

في هذه الأثناء، تعيش أيضا القرى المجاورة، لا سيّما بزّاريا وسبسطية والناقورة، معاناة مضاعفة؛ فالشارع الرابط بين مدن نابلس وجنين شمالي الضفة الغربية يمر بالقرب منها، وخاصة المنطقة الواصلة بين مستوطنتي حومش وشافي شمرون، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات وتشتعل بها الأحداث جراء إغلاقات جيش الاحتلال وممارساته العنصرية ضد المواطنين.

وبعينه يرصد المواطن الستيني بلال كايد، من بلدة سبسطية، استفزازات جنود الاحتلال وعربدة المستوطنين، فمنزله يحاذي مستوطنة شافي شمرون والشارع العام، وهناك يبيع "أكواز" الذرة في محل بسيط من الصفيح.

ويقول للجزيرة نت إنه بات يواجه قلة في المارة الفلسطينيين بسبب إغلاق الطريق، كما أن المستوطنين هاجموا منزله واعتدوا عليه وعائلته، وهدم جيش منشأته 5 مرات.

عاطف دغلس- الحاج بلال كايد من بلدة سبسطية هدم الاحتلال منشأته 5 مرات واعتدى عليه المستوطنون وعلى منزله - الضفة الغربية- نابلس- برقة- الجزيرة نت15
الحاج بلال كايد من بلدة سبسطية هدم الاحتلال منشأته 5 مرات واعتدى عليه المستوطنون وعلى منزله (الجزيرة)

مرحلة جديدة

وأمام هذه الإجراءات، يؤكد ذياب مسعود الناشط ضد الاستيطان في قرية برقة أن الاحتلال بإغلاقه شارعا حيويا ومهما (شارع جنين نابلس) وعزله أحياء ومناطق في برقة والقرى المحيطة، يسعى لفرض مرحلة وسياسة جديدة على الأرض، عنوانها إحياء مستوطنة حومش، لكنّها تمتد لمناطق أخرى كانت هدفا للاستيطان دائما.

ويقول مسعود للجزيرة نت إن الاحتلال حاول في أعوام 1975 و1998 و2010 الاستيطان في حي المسعودية وفشل، وهو الآن يعاود الكرة بمنحه تسهيلات للمستوطنين ويحوّل الشارع العام الذي يشكل شريان الحياة للفلسطينيين إلى "شارع الموت".

المصدر : الجزيرة