تحولت لسجال سياسي بين البلدية والحزب الحاكم.. هكذا أشعلت العاصفة الثلجية الصراع على إسطنبول

ليست المرة الأولى التي يواجه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو حملة واسعة من النقد في تعامله مع الأزمات، حيث ظهر في صور يمارس رياضة التزلج مع عائلته في ولاية أرضروم بعد أيام من مقتل أكثر من 40 تركيا في زلزال عنيف ضرب ولاية إيلازيغ شرق البلاد.

People walk by stopped cars amid heavy snowfall in Istanbul, Turkey, January 24, 2022 in this still image obtained from a social media video taken on January 24, 2022. Okan Tanis/via REUTERS THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. MANDATORY CREDIT. NO RESALES. NO ARCHIVES.
تحولت العاصفة الثلجية التي ضربت إسطنبول إلى ساحة سجال سياسي بين الحكومة وبلدية إسطنبول (رويترز)

إسطنبول – انتهت العاصفة الثلجية الكبيرة التي ضربت مدينة إسطنبول وأجزاء واسعة من تركيا مخلفة وراءها الكثير من الأضرار وجدلا -قد لا يخفت في قادم الأيام على الأقل- حول أداء بلدية المدينة الكبرى وكفاءة عمدتها أكرم إمام أوغلو الذي ينتمي لحزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.

فقد وضعت العاصفة التي بدأت مع مساء الأحد الماضي أداء البلدية على المحك مع إغلاق الطرقات، وتعطل السيارات، وحوادث السير المتسلسلة في الشوارع، واضطرار أعداد كبيرة من المواطنين إلى قضاء الليلة الأولى من العاصفة في الجوامع والمكتبات العامة والمراكز الخدمية ومؤسسات البلديات الفرعية المختلفة، التي تحولت إلى مراكز إيواء.

وبقدر تراكم الثلوج التي عطلت الحياة في المدينة رسميا لـ3 أيام، تعالت الأصوات في تقييم أداء البلدية وفعاليتها في التعامل مع الأزمة على المستويين السياسي والشعبي، حيث تبادلت أحزاب الحكومة والمعارضة في تركيا الاتهامات حول مسؤولية تأثيرات العاصفة الثلجية على المدينة الكبرى، التي يقطنها أكثر من 16 مليون نسمة.

وتجلى الجدل في ملاسنات بالتصريحات، أو من خلال مواقف عملية للفريقين بدت جلية مع توجيه الرئيس رجب طيب أردوغان لوزير الداخلية سليمان صويلو، ووزير المواصلات والبنى التحتية عادل قرا إسماعيل أوغلو، ورئيس مجلس إدارة الكوارث "آفاد" يونس سيزر، إلى إسطنبول، في خطوة أظهرها أنصار الحكومة كمحاولة لإنقاذ المدينة من العجز الذي أبدته البلدية في التعامل مع الأزمة.

وعلقت صحيفة يني شفق المقربة من الحكومة على صورة لصويلو بين المواطنين بالقول إنه حضر إلى إسطنبول بعد إخفاق البلدية في مكافحة الثلوج التي تسببت في معاناة آلاف المواطنين، وعاد إلى أنقرة بعد أن عمل على فتح الطرق الرئيسية من دون أن ينام.

وعززت قرارات والي إسطنبول علي يرلي  كايا -من حزب العدالة والتنمية الحاكم- المتعلقة بتعليق الدوام وحظر تنقل المركبات الخاصة وفتح دور الإيواء ومنع مركبات خدمة التوصيل من العمل وحظر التنقل بالدراجات النارية والهوائية والسكوتر؛ من صورة إمساك الدولة بهيئتها الحكومية بشؤون المواطنين الذين افتقدوا كاسحات الثلوج وآليات البلدية في يوم العاصفة الأول.

سمك مع السفير

وتعرض رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو لموجة انتقادات حادة من الأهالي على منصات التواصل الاجتماعي بعد انتشار صورة له وهو يستقبل السفير البريطاني لدى أنقرة في مطعم شهير للأسماك في مدينة إسطنبول خلال ساعات العاصفة التي غطت المدينة.

وظهرت فيديوهات لمواطنين علقوا في الشوارع في نفس الوقت، وهم يصرخون موجهين النقد لإمام أوغلو، وقال أحدهم صارخا "تركت السيارة معطلة في الشارع، علي أن أمشي في هذا الثلج 12 كيلومترا، مشيت حتى الآن 5 كيلومترات في الثلج، شكرا سيدي الرئيس أكرم إمام أوغلو، كل شيء أصبح جميلا"، في تعليق على شعار حملة إمام أوغلو لانتخابات البلدية التي كانت تحت عنوان "كل شيء سيصبح جميلا".

وعلق أنصار لرئيس البلدية على الصورة بتكذيبها أول الأمر، ثم انبرى إمام أوغلو للتعليق على الصورة بالقول إنه أخذ ساعة استراحة لتناول الغداء بعد 19 ساعة من العمل في الميدان، وإن استضافة السفير الذي حضر بطبيعة الحال من أنقرة كانت مجدولة على برنامجه منذ 25 يوما.

ورد إمام أوغلو بهجوم معاكس على أنصار حزب العدالة والتنمية في تغريدة له على تويتر قال فيها "لم يستطيعوا هضم الخسارة التي تكبدوها قبل 3 أعوام"، في إشارة لفوزه على مرشح الحزب بن علي يلدرم في انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019.

اعتذار وجدل

وظهر إمام أوغلو في حديث تلفزيوني لاحق مقدما اعتذاره لأهالي إسطنبول عن أداء البلدية وقال "لقد كان الثلج كثيفا بشكل نادر الحدوث على مدى أعوام". مضيفا "أعتذر للمواطنين الذين علقوا في الطريق وتأذوا، لكننا قللنا من الازدحام وقضينا على المشكلة خلال وقت قصير".

ونشر ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي أردوغان صورة لوزير الصناعة التركي مصطفى فارناك يتناول شطيرة وهو جالس مع مساعديه على أحد الأدراج وكتب عليها "هكذا تكون استراحة الطعام وقت الأزمات للمسؤول الذي عينه على خدمة الناس"، في لمز واضح لقصة إمام أوغلو مع مطعم السمك.

وخلال أيام العاصفة تصدرت وسوم متعلقة بأداء الحكومة التركية وبلدية إسطنبول تجاه العاصفة في موقع تويتر، فقد توجه أنصار أكرم إمام أوغلو للدفاع عن أداء البلدية عبر هاشتاغات تبرز الشدة الاستثنائية للعاصفة مثل وسم (Boylesini Hic Gormemistik) والذي يعني "لم نر من قبل مثل هذا"، ووسم "فندق" (Otel) الذي انتشرت عليه صور للعالقين في مطار إسطنبول، وقد افترشوا أرضه وممراته بعد تعليق الرحلات الجوية بسبب العاصفة الثلجية.

أين الملح؟

أما خصوم رئيس البلدية فأطلقوا هاشتاغ "إمام أوغلو" (imamoglu) الذي عبروا فيه عن غضبهم من إدارة بلدية إسطنبول للأزمة، ونشروا عليه صورا لكاسحة ثلوج وسيارة ترش الملح في طريق رئيس البلدية أثناء توجهه لمطعم السمك ومغادرته إياه.

كما نشر معارضو أكرم إمام أوغلو وسوما أخرى تصدرت الترند في تركيا منها "سمك" (Balik) ووسم "لا يوجد ملح" (Tuzyoktuz) الذي سخروا فيه من تصريحات لأكرم إمام أوغلو قال فيها إن البلدية لا تواجه مشكلة في مخزون الملح الذي يرش على الشوارع ليزيد من خشونتها ويقلل من الانزلاقات التي تنجم عن تراكم الثلوج.

وفي رد ساخر على تصريحات أكرم إمام أوغلو، قال وزير الصناعة التركي مصطفى فارناك إن رئيس البلدية قام بتمليح السمك في المطعم الذي زاره خلال العاصفة الثلجية بدلا من تمليح الشوارع، فيما علق مراد أونغو الناطق باسم البلدية على قضية الملح بالقول إن بلدية إسطنبول استخدمت 41 ألفا و680 طنا من الملح وإن مخازن البلدية تحتوي على 150 ألف طن للاستخدام.

وقارن الأتراك بين أداء إمام أوغلو وأداء رئيس بلدية إسطنبول السابق قادر طوباش، الذي أدار أزمة الثلوج الكثيفة في عام 2017، مطالبين رئيس البلدية بالاستقالة، بعد ما وصفوا أداءه بـ"الفشل الذريع".

وقال عدد من المغردين إن طوباش كان يعمد لتوزيع كاسحات الثلوج في شوارع المدينة قبل العاصفة وإقامة مراكز طوارئ ميدانية للتدخل في أحيائها، ويعمد إلى رش الملح في الشوارع في وقت مبكر من العاصفة الثلجية، وينسق مع الدوائر الحكومية لتعليق العمل والدوام قبل العاصفة، لتقليل الضغط على الشوارع وتسهيل العمل على فرق البلدية.

وفي ظل حالة الهرج تلك، خرج كمال كليجدار أوغلو -وهو رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي ينتمي إليه إمام أوغلو- عن صمته، مدافعا عن رئيس البلدية، وقائلا "أنت ما زلت رئيس بلدية، والباقي كلام فارغ".

وتأتي تصريحات كليجدار أوغلو في وقت تتناقل فيه أنباء عن احتدام النزاع بينه وبين رئيس البلدية حول أحقية كل منهما بالترشح عن قوى المعارضة لمنصب رئاسة الجمهورية في مواجهة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان.

وسبق أن واجه أكرم إمام أوغلو مواقف مشابهة من النقد في تعامله مع الأزمات، حيث ظهر في صور يمارس رياضة التزلج مع عائلته في ولاية أرضروم بعد أيام من مقتل أكثر من 40 تركيا في زلزال عنيف ضرب ولاية إيلازيغ شرق البلاد في يناير/كانون أول عام 2020.

المصدر : الجزيرة