تزايد الأصوات المعارضة للتورط الأميركي في الأزمة الأوكرانية

U.S. Secretary of State Antony Blinken and Russian Foreign Minister Sergei Lavrov move to their seats before their meeting, in Geneva, Switzerland, January 21, 2022. Russian Foreign Ministry/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY. NO RESALES. NO ARCHIVES. MANDATORY CREDIT.
خلافات عميقة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن الملف الأوكراني (الأوروبية)

واشنطن- في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات الداعية لتقديم المزيد من الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا، والتبكير بفرض عقوبات شديدة على روسيا بين كبار مسؤولي إدارة الرئيس جو بايدن، تزداد الأصوات المعارضة للدور الأميركي في الأزمة الأوكرانية في الوقت ذاته.

ويطالب عدد من الخبراء والمعلقين إدارة بايدن بالابتعاد عن التورط في نزاع لا يخدم المصالح القومية الأميركية، ويشتت جهود احتواء ومواجهة الصعود الصيني المستمر، وجهود مواجهة تداعيات انتشار وباء كوفيد-19، إضافة إلى عدم رغبة أغلبية الأميركيين في التورط في نزاع بعيد عن المصالح الأميركية المباشرة.

وامتد نطاق التحفظ على دور واشنطن في أزمة أوكرانيا ليشمل الكثير من المعلقين المحافظين أنصار النظريات الانعزالية في السياسة الخارجية الأميركية، وصولا لعدد من أهم الخبراء الليبراليين والأكاديميين ممن يتفهمون البعد التاريخي المصاحب لفكرة توسيع حلف الناتو وتأثيره على روسيا.

جنود أوكرانيون في منطقة لوهانسك (رويترز)

تورط ورفض

لا يؤيد أغلب الأميركيين من مختلف التيارات السياسية قيام بلادهم بالدفاع عن أوكرانيا ضد عدوان روسي منتظر، طبقا لاستطلاع جديد للرأي أجرته مجموعة ترافلغار (Trafalgar Group) البحثية على 1081 ناخبا أميركيا في الفترة من 12 وحتى 14 من الشهر الجاري. وأظهر الاستطلاع أن واحدا من كل 6 أميركيين يدعم إرسال واشنطن قوات لدعم أوكرانيا.

وفي حال إقدام روسيا على غزو الأراضي الأوكرانية، وجد الاستطلاع أن 31.1% من الأميركيين يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن توفر الإمدادات والأسلحة العسكرية فقط، في حين دعم 30.5% منهم العمل الدبلوماسي كوسيلة ضغط على روسيا.

في الوقت ذاته يعتقد 23.2% أن واشنطن يجب أن توفر مستشارين عسكريين أميركيين للجيش الأوكراني، في حين طالب 15.3% فقط بضرورة أن ترسل واشنطن قواتها المسلحة لدعم الأوكرانيين في حال غزو روسيا لأوكرانيا.

قوات أوكرانية تسعد لهجوم روسي محتمل (غيتي)

جهود وأخطاء

وعبرت المعلقة كاترينا فاندون هيوفيل عن قلقها من التصعيد الأميركي تجاه أزمة أوكرانيا، وأشارت تقارير إلى مطالبة واشنطن بعض أعضاء بعثتها الدبلوماسية في كييف بمغادرتها، في وقت أعلنت فيه واشنطن وصول 90 طنا من الأسلحة الأميركية للجيش الأوكراني، للمساعدة في تعزيز دفاعاته في مواجهة العدوان الروسي المتوقع.

وقالت هيوفيل في مقالة نشرتها صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) "إن الولايات المتحدة في أمس الحاجة إلى تركيز اهتمامها ومواردها على التحديات التي يفرضها وباء كوفيد-19، والأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والانقسامات الداخلية الحادة، وتغير المناخ الكارثي. وبينما تؤكد واشنطن تصميمها على مواجهة الصعود الصيني، فإن آخر ما نحتاجه هو الحرب بالوكالة، أو أن تتدهور الأوضاع لتقع مواجهة مباشرة مع الروس بشأن أوكرانيا".

واستغربت هيوفيل "رفض واشنطن الموافقة على عدم جعل أوكرانيا أو جورجيا عضوتين في حلف الناتو، على الرغم من تأكيد آخر 3 رؤساء أميركيين -باراك أوباما، ودونالد ترامب، وحتى جو بايدن- عدم وجود نية لضم الدولتين إلى الناتو، مع التأكيد كذلك على عدم وجود مصلحة وطنية كافية لتدافع القوات الأميركية عن أوكرانيا أو جورجيا ضد أي غزو روسي".

NATO Secretary General Jens Stoltenberg holds press conference in Brussels
دعم أميركي وغربي لانضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الأناضول)

أزمة ومواقف

ومن الشائع في واشنطن الدفاع عن فكرة توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وإلقاء اللوم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية. وعلى الرغم من أن الخبراء والمعلقين يؤمنون أن بوتين لا يستحق أي تعاطف بسبب سياساته الداخلية القمعية، وحملاته ضد المعارضين السياسيين الذين لا يشكلون أي خطر على نظامه، فإن أزمة أوكرانيا لا ترجع إلى مواقف بوتين فقط.

ويستعرض كثيرون من معارضي توجه إدارة بايدن تجاه أزمة أوكرانيا، مقالا نشرته صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) عام 1997، وصف فيه عميد الخبراء الأميركيين في الشؤون الروسية جورج كينان فكرة توسيع حلف الناتو إلى دول أوروبا الوسطى والشرقية، بأنه "الخطأ المصيري الأكبر في السياسة الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة بأكملها".

وآمن كينان -وهو مهندس إستراتيجية احتواء الاتحاد السوفياتي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية- بأن توسيع حلف الناتو من شأنه أن يلحق الضرر بجهود واشنطن الرامية إلى تحويل روسيا من عدو إلى شريك.

وتوقع كينان أن "تؤجج فكرة توسيع الناتو الاتجاهات القومية المعادية للغرب والنزعات العسكرية بين الروس، وأن ذلك سيكون له تأثير سلبي على تطور الديمقراطية الروسية"، و"يعيد أجواء الحرب الباردة إلى العلاقات بين الشرق والغرب".

U.S. President Joe Biden holds a formal news conference at the White House
إدارة الرئيس بايدن تتلقى الانتقادات بسبب ملف أوكرانيا (رويترز)

أزمة وإقناع

من جانبه، أشار البروفيسور ستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، إلى أن هذه الأزمة كان من الممكن تجنبها بأكملها لو لم تستسلم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون للغطرسة والتمني والمثالية الليبرالية، واعتمدوا بدلا من ذلك على الرؤى الأساسية للواقعية. والواقع أن روسيا ربما لم تكن لتستولي على شبه جزيرة القرم، وأن أوكرانيا سوف تكون أكثر أمانا اليوم، لو اتبعت واشنطن سياسات مغايرة في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

وأشار والت إلى أن "من اعتقد أن من الممكن إقناع روسيا بنوايا حلف الناتو الحميدة، وأن من السهل إقناع موسكو بعدم القلق من تسلل الحلف إلى الحدود الروسية، كان ساذجا إلى أقصى حد".

وأشار إلى أنه لو كان صناع السياسة الأميركيون قد فكروا في تاريخ بلادهم وحساسياتها الجغرافية، لكانوا فهموا كيف بدا توسيع حلف شمال الأطلسي لنظرائهم الروس.

حظر وتهديد

وتعلن الولايات المتحدة مرارا وتكرارا أن نصف الكرة الغربي محظور على القوى العظمى الأخرى، وقد هددت أو استخدمت القوة في مناسبات عديدة لجعل هذا الإعلان واقعا. ففي أثناء الحرب الباردة -على سبيل المثال- كانت إدارة الرئيس رونالد ريغان منزعجة للغاية من الثورة في نيكاراغوا إلى الحد الذي جعله يشكل ويدعم حركة متمردة للإطاحة بحركة الساندينستا الاشتراكية الحاكمة.

ويقول البروفيسور والت إنه إذا كان بوسع الأميركيين أن يقلقوا كثيرا بشأن دولة صغيرة مثل نيكاراغوا، فلماذا من الصعب أن نفهم ما يساور روسيا من شكوك خطيرة بشأن اقتراب أقوى حلف عسكري في العالم من حدودها.

وفي الوقت الذي يلقي فيه أغلب الخبراء في واشنطن باللوم على الرئيس بوتين، يعتقد والت أن بوتين ليس مسؤولا وحده عن الأزمة، وأن الغضب الأخلاقي على أفعاله أو شخصيته ليس إستراتيجية صحيحة، كما أن من غير المرجح أن يتسبب المزيد من العقوبات في استسلام بوتين للمطالب الغربية.

وينصح والت إدارة بايدن وحلفائها بإدراك أن أوكرانيا تمثل مصلحة حيوية لروسيا، مصلحة يمكن أن تستخدم القوة للدفاع عنها، وهذا ليس لأن بوتين حاكم مستبد لا يرحم وله حنين إلى الماضي السوفياتي القديم، بل لأن موقفه يعكس موقف روسيا حتى لو كان يحكمها شخص آخر.

المصدر : الجزيرة