تداعيات كبيرة لقرار الحريري تعليق عمله السياسي.. ما الأسباب؟ وما الارتدادات على التوازنات الطائفية اللبنانية؟

يستبعد مراقبون العثور على بديل عن الحريري في المرحلة الحالية لقيادة الطائفة السنّية، ويرون أن تداعيات انسحابه لا تقتصر على المكون السنّي بل تتعداه إلى السؤال عن هوية البرلمان ورئاسة الجمهورية.

تعليق سعد الحريري عمله السياسي سيُدخل السياسة اللبنانية في مرحلة جديدة (رويترز)

بيروت – خلّف تعليق رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عمله السياسي اهتزازا كبيرا في المشهد اللبناني. ويرجح مراقبون أن يعيد الحلفاء والخصوم ترتيب أوراقهم على مسافة أشهر قليلة من الانتخابات، خصوصا أن اعتكاف الزعيم الأول بالطائفة السنّية، وصاحب أكبر تكتل برلماني لها، قد يولد ارتدادات خطيرة، في بلد يحكمه منطق التوازنات، على الساحة السياسية والطائفية والإقليمية.

انتكاسات الحريري

أعلن الحريري اليوم الاثنين موقفه المنتظر على مستويين: أولا، تعليق عمله وعمل تياره (المستقبل) في الحياة السياسية. وثانيا، عدم الترشح للانتخابات النيابية وعدم التقدم بترشيحات من تياره أو باسمه.

وهكذا، ينسحب سعد الحريري (51 عاما) من الانتخابات لأول مرة بعد دخوله المعترك السياسي وريثا إثر اغتيال والده رفيق الحريري في 2005.

وبينما غلبت ملامح الحزن والخيبة عليه أثناء ظهوره اليوم الاثنين، ربط تعليق عمله السياسي بجملة أسباب؛ لعل أهمها قوله إن كل تسوياته السياسية جاءت على حسابه، وتسببت في خسارة ثروته وأصدقائه الخارجيين والتحالفات الوطنية وحتى الإخوة، مضيفا "أن لا فرصة أمام لبنان بظل نفوذ إيران".

الخلافات بين الرئيس ميشال عون (يسار)  وسعد الحريري حالت دون تشكيل الحكومة لمدة طويلة (رويترز)

وقد عاش الرجل سيرة ممتلئة بالاضطرابات والتناقضات، واكتسب شعبيته من التعاطف الكبير معه بعد اغتيال والده، وما تلاه من انقسام حاد بين قوى "14 آذار" و"8 آذار" وانسحاب للجيش السوري عام 2005.

وتولى الحريري رئاسة الحكومة 3 مرات: الأولى بين 2009 و2011 قبل أن يسقطها حزب الله وحلفاؤه، وزار في بدايتها دمشق تحت ضغط سياسي للقاء الرئيس السوري بشار الأسد، ما أثار جدلا واسعا ضده.

والثانية عام 2016 إثر عقده تسوية رئاسية جاءت بميشال عون رئيسا للجمهورية بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي، واستقال 2017 من الرياض وسط ظروف غامضة.
والثالثة بعد انتخابات 2018 التي قلصت عدد مقاعد تياره البرلمانية، ثم أعلن استقالة حكومته بعد الحراك الشعبي في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

ومنذ ذلك الحين، بقي الحريري من نجوم الأحداث السياسية، خصوصا بعد سقوط تسويته مع عون وصهره النائب جبران باسيل، وبلوغ خلافاتهما ذورة غير معهودة، وعجزه عن تأليف الحكومة على مدى أكثر من 9 أشهر بعد استقالة حكومة حساب دياب في أغسطس/آب 2020 عقب انفجار المرفأ.

كيف سيتأثر المشهد الانتخابي للطائفة السنية؟

امتاز "المستقبل" على مدار سنوات كتيار عابر لمناطق السنّة. وبالمقابل، بزرت زعامات وقوى سنّية لها تاريخ في الحياة السياسية، واستمدت نفوذها من حضورها المناطقي والإسلامي أو من تحالفاتها مع حزب الله لتعرف بـ"سنّة 8 آذار".

وكانت جميع هذه القوى تنتظر قرار الحريري بشأن انتخابات مايو/أيار المقبل، لأن عزوفه سيرتب عليهم جملة من الحسابات.

ومن بين هذه القوى نجيب ميقاتي رئيس الحكومة وزعيم "تيار العزم" في طرابلس شمالي لبنان (ذات الغالبية السنّية) وحظي بانتخابات 2018 بنسبة عالية من الأصوات التفضيلية بلغت 21 صوتا.

وتفيد المعطيات بأن ميقاتي قد يتجه لعدم الترشح، لكن نائب كتلته علي درويش يشير -للجزيرة نت- إلى أن ميقاتي سيشارك في الانتخابات، وإذا لم يترشح سيعلن قائمة يدعمها، في طرابلس وعكار. وقال إن الرؤية الانتخابية ليست واضحة، وميقاتي يتريث في إعلان موقفه النهائي منها.

نجيب ميقاتي قد لا يترشح في الانتخابات القادمة لكنه سيعلن عن قائمة يدعمها (الجزيرة)

من جانبه، يرى النائب عدنان طرابلسي، وكان من أعضاء اللقاء التشاوري السنّي الحليف لحزب الله، أن قرار الحريري شخصي ويعني تياره. ويقول للجزيرة نت إن معظم القوى السنّية ستتريث قبل إعلان موقفها وتوجهاتها الانتخابية، "لأننا نترقب من سيترشح بعد فراغ الحريري".

ويتساءل كثيرون عن دور القوى والتيارات الإسلامية بعد قرار الحريري، خصوصا أن تياره كان يوصف بـ"الاعتدال السنّي". وهنا، يشير الكاتب الصحفي وائل نجم إلى أن انسحاب الحريري من الندوة البرلمانية سيترك فجوة كبيرة على الساحة السنّية. ويقول -للجزيرة نت- إن القوى السنية الموجودة تعاني لكونها قوى مناطقية أكثر مما هي وطنية على مساحة الوطن.

ويعتقد نجم أن ميزة الامتداد الحضوري وطنيا تتمتع بها التيارات الإسلامية السنية بمن فيها الجماعة الإسلامية، "لكن هذه التيارات لا تقدم نفسها بديلا بالساحة السنية، وإن كانت تطمح إلى أداء دور سياسي، حفاظا على مكتسبات المسلمين السنة وعلى دورهم في لبنان".

ويجد أن غياب "المستقبل" قد يعطي فرصة للزعامات المناطقية والتيارات الإسلامية أن تكون بديلا للناخبين، "لأن مقاطعة الانتخابات خطيرة ويجب ألا يكرر سنّة لبنان تجربة المسيحيين حين قاطعوا الانتخابات في 1992 ونتائجها الكارثية على المشهد السياسي".

ويوضح أن هذه التيارات لا تنقصها الخبرة، "فالجماعة الإسلامية موجودة بالبرلمان من 1992 حتى 2000، ومن عام 2009 حتى 2018، لكن تيارات الإسلام السياسي في المنطقة، خاصة بعد ثورات الربيع العربي، باتت في دائرة الاستهداف، وتفتقر إلى الدعم المادي والعمق الإقليمي لمساندتها".

دوافع الانسحاب

تكثر التكهنات حول دوافع الحريري لتعليق عمله السياسي، ويرى محللون خطوته ردا مضادا غير متوقع لخصومه وحتى بعض حلفائه.

وهنا، يقول رئيس تحرير جريدة "اللواء" اللبنانية صلاح سلام إن الحريري أخذ خطوة استباقية نظرا لظروفه الشخصية ولظروف تياره، والاضطراب الكبير في علاقاته الداخلية والخارجية.

ويضيف -للجزيرة نت- أن المتضرر الأكبر من انسحابه هي الطائفة السنّية، إذ تعاني من إحباط فزاد قرار الحريري إرباكها، خاصة أن رؤساء حكومة سابقين قد يجارون الحريري في خطوته، إذ أعلن رئيس الحكومة السابق تمام سلام عزوفه عن الترشح، وهكذا قد يفعل للمرة الثانية زميله فؤاد السنيورة وكذلك الرئيس ميقاتي.

ويضيف سلام أن الفراغ على مستوى القيادة مقلق، وليس سهلا تركيب قيادة جديدة ضمن منطق التوازنات الطائفية في لبنان. ويتوقع أن تستفيد من غياب الحريري قوى عدة تسعى للاستحواذ على مقاعده البرلمانية، سواء من القوى المسيحية أو من الحلفاء السنة لحزب الله.

ما بعد الانسحاب

يستبعد الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب أن يكون خيار الحريري تتويجا لاختتام حياته السياسية وحياة تياره، وقال للجزيرة نت إن الحريري يدشن مرحلة جديدة مجهولة المعالم والنتائج، وبلا أفق داخلي، أي إن ما يشكو الحريري منه سيبقى قائما.

ووفق أيوب، "تنتهي ولاية ميشال عون لكن ولاية حزب الله مستمرة، وذلك يُبقي الأفق السعودي أمامه غامضا، وقد تفتح هذه الاستراحة الأبواب أمامه وتدفعه إلى البحث عن حماية من نوع آخر أو عن علاقات إقليمية جديدة".

ويرى أن الحريري دفع أثمان خياراته على الساحة اللبنانية والعربية والدولية، إذ أقدم على تسويات عدة وربط النزاع مع حزب الله بموضوع المحكمة الدولية، وكلها أعطته نتائج صفرية، في حين "شكل في مرحلة معينة صمام أمان مسيحي إسلامي، وسنّي شيعي".

ويصف أيوب قرار الحريري بـ"الزلزال الوطني" الذي سيترك -في رأيه- تداعيات على الشارع السنّي وتوازنات الشارع اللبناني، "لأن الفراغ السني سيطرح أسئلة يصعب التكهن بإجاباتها".

ويستبعد العثور على بديل عن الحريري في المرحلة الحالية، ويعتقد أن "تداعيات انسحابه لا تقتصر على المكون السني، بل تتعداه إلى السؤال عن هوية البرلمان ورئاسة الجمهورية".

هل يهدد قرار الحريري إمكانية إجراء الانتخابات؟

يجيب أيوب "إذا كانت عناصر اللعبة الانتخابية محلية، فإن قراره سيؤدي إلى إرجائها. وإذا دخل العامل الخارجي وتحديدا الأميركي باتجاه إجراء الانتخابات بمعزل عن قرار الحريري، فذلك يطرح أسئلة كبرى عما إن كان المطلوب أخذ لبنان إلى مواجهة، ربما أراد الحريري ألا يزجّ نفسه وجمهوره فيها".

المصدر : الجزيرة