بختام عامه الأول بالرئاسة.. كيف أصبح الانسحاب من أفغانستان خطيئة بايدن الكبرى؟

اعتبر الكثير من قادة الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن الانسحاب الفوضوي والمهين لأميركا من أفغانستان سوف يتردد صداه لسنوات، إلا أن تطورات الأوضاع في الساحتين الأوروبية والآسيوية تؤكد أن تحالفات واشنطن العسكرية صلبة ولا يمكن استغناء حلفاء أميركا التقليديين عنها بسبب ما جرى في أفغانستان.

طائرة تابعة للقوات الجوية الأميركية أثناء عملية إجلاء في مطار حامد كرزاي الدولي 23 أغسطس/آب 2021 (الأوروبية)

واشنطن – مثل استكمال الانسحاب الأميركي من أفغانستان الحدث الأبرز خارجيا خلال العام الأول من حكم الرئيس جو بايدن. ووصف معلقون "سقوط كابل" بأنه لحظة تاريخية تشبه "لحظة سايغون" والانسحاب المهين من فيتنام بالنسبة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، كذلك رآها البعض بأنها تماثل "لحظة تأميم قناة السويس" عام 1956، وهي الأزمة التي ارتبطت ببداية انحدار قوة بريطانيا العالمية، ومقارنتها بما يمكن أن تؤول إليه علاقة واشنطن بحلفائها في غرب أوروبا وشرق آسيا.

وآمن بايدن خلال السنوات الأخيرة، وبعد زيارات كثيرة إلى أفغانستان كعضو في مجلس الشيوخ، ونائب للرئيس لمدة 8 سنوات، أن لا مصلحة لبلاده من الوجود العسكري في أفغانستان بعد تحقيق أهدافها المتعلقة بالإرهاب، وأنه لا يمكن القيام بأي شيء لبناء ديمقراطية مستقرة في أفغانستان.

بايدن أكد أنه يرفض الاستمرار في حرب لا تخدم مصالح الشعب الأميركي (الأوروبية)

مسؤولية بايدن

بعد مغادرة آخر طائرة عسكرية أميركية مطار كابل يوم 30 أغسطس/آب 2021، قال بايدن في كلمة وجهها للشعب الأميركي "اتخذت قرارا بوضع حد للحرب في أفغانستان"، مشيرا إلى أنه لا يؤمن بأن أمن وسلامة الولايات المتحدة يمكن أن يتعززا من خلال نشر آلاف الجنود في أفغانستان.

وأكد بايدن أنه يرفض الاستمرار في حرب "لا تخدم مصالح الشعب الأميركي"، وأن الولايات المتحدة لم تكن بسلام منذ بدأت الحرب بأفغانستان قبل 20 عاما، داعيا بلاده إلى تعلم الدروس من تلك التجربة.

وأوضح الرئيس الأميركي أن الحرب في أفغانستان كلفت بلاده نحو 300 مليون دولار يوميا على مدى عقدين من الزمن، أي ما يقرب من أجمالي 2.2 تريليون دولار. ويكرر بايدن أنه وحده يتحمل المسؤول عن قرار الانسحاب من أفغانستان بعد البقاء هناك 20 عاما.

حان الوقت

ورث بايدن اتفاقا بالانسحاب توصل إليه الرئيس السابق دونالد ترامب مع طالبان، وأعلن بايدن التزامه بسحب قواته المتبقية البالغ عددها 2500 جندي وعودتها إلى الأراضي الأميركية بحلول 31 أغسطس/آب 2021، بعد موافقة طالبان على تمديد موعد الانسحاب.

وكرر بايدن أنه يرفض توريث الحرب في أفغانستان إلى رئيس خامس، وعبر عن إيمانه بأنه لم يكن ينبغي للحرب أن تنتقل إليه بعد ما يقرب من 20 عاما على بدايتها.

وعلى مدار 20 عاما الماضية، ساهم كل رئيس أميركي، بداية بالجمهوري جورج بوش، والديمقراطي باراك أوباما، والجمهوري دونالد ترامب، وانتهاء بالديمقراطي بايدن، في حرب أفغانستان التي أدت لمقتل عشرات الآلاف من الأفغان والأميركيين، إضافة لإنفاق ما يزيد على تريليوني دولار على محاولات فاشلة لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، وانتهت المغامرة الأميركية بعودة حركة طالبان لتسيطر مرة أخرى على أفغانستان.

10th Mountain Troops Return To Fort Drum As Part Of US Drawdown From Afghanistan
جنود أميركيون يصلون إلى بلادهم بعد الانسحاب من أفغانستان (الفرنسية)

صعوبات تنفيذ الانسحاب

لم يتنبأ أحد في واشنطن بالانهيار السريع الصادم للدولة والجيش الأفغانيين، رغم تلقي بايدن خلال الأيام الأولى من حكمه، تقديرات من فريق الأمن القومي تؤكد أن سحب جميع القوات قد يؤدي إلى انهيار الحكومة الأفغانية في نهاية المطاف، واستيلاء طالبان على السلطة.

وعمل البنتاغون على سحب القوات بشكل سريع، وفي الثاني من يوليو/تموز سلم مطار باغرام (رمز القوة العسكرية الأميركية) إلى القوات الحكومية، في الوقت ذاته استمرت طالبان في كسب المزيد من الولايات والمناطق على حساب الجيش الحكومي.

وفي 15 أغسطس/آب 2021 عادت طالبان إلى السلطة في كابل بعد فرار الرئيس خارج البلاد، وهو انهيار قال بايدن بصراحة إنه حدث بسرعة أكبر بكثير مما كان يتوقعه. ورفضت الحركة أي تمديد للموعد النهائي لانسحاب قوات الولايات المتحدة التي بدأت وحلفاؤها مهمة سريعة لإجلاء مواطنيها والمتعاونين الأفغان الذين ساعدوا خلال المجهود الحربي ويخشون الانتقام من قبل طالبان.

مستقبل التحالفات

تخوف الكثير من زعماء الجمهوريين والديمقراطيين من تأثير صورة الانسحاب السلبية من أفغانستان على تحالفات واشنطن العسكرية في شرق آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان)، وأوروبا الغربية (دول حلف شمال الأطلسي).

واعتبر الكثير من قادة الحزبين أن الانسحاب الفوضوي والمهين لأميركا من أفغانستان سوف يتردد صداه لسنوات، إلا أن تطورات الأوضاع في الساحتين الأوروبية والآسيوية، سواء ما يتعلق بالأزمة الأوكرانية أو بجهود واشنطن لاحتواء الصعود الصيني، تؤكد أن تحالفات واشنطن العسكرية صلبة، ولا يمكن استغناء حلفاء أميركا التقليديين عنها بسبب ما جرى في أفغانستان.

من ناحية أخرى، مثل الانسحاب من أفغانستان خبرا سارا لحلفاء واشنطن الآسيويين الذين يريدون من واشنطن الانتباه والتركيز على التهديدات الواسعة التي تمثلها الصين، ويتماثل ذلك مع ما عبر عنه بعض القادة الأوروبيين ممن دفعتهم سياسيات ترامب في التشكيك في الالتزام الأميركي بالأمن الأوروبي، وهو ما يتضح بجلاء حاليا فيما يتعلق بأزمة أوكرانيا.

مظاهرة في واشنطن تحتج على سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان (الأوروبية)

مُحاسبة مؤجلة

مثلت صور الانسحاب من داخل مطار كابل صدمة واسعة، وتركت بالفعل أثرا عميقا على رئاسة بايدن. وطالب مشرعون ومعلقون جمهوريون بعزل بايدن أو استقالته بسبب طريقة الانسحاب من أفغانستان، وما تبعه من استيلاء قوات طالبان على المعدات والأسلحة الأميركية هناك، كما هاجم البعض عدم مبالاة بايدن بمحنة الأفغان، خاصة النساء منهم، تحت حكم طالبان.

وبعد مرور عام على حكم بايدن، ومرور أكثر من 4 أشهر على الانسحاب من أفغانستان، لم يقدم البيت الأبيض إجابة على سؤال رئيسي، وهو لماذا فشل بايدن ومساعدوه بشكل مذهل في تقدير هشاشة الحكومة والجيش الأفغانيين؟

ومن حُسن حظ بايدن على المدى القصير أن مجلسي الكونغرس يسيطر عليهما الديمقراطيون حاليا، في حين يتعهد الجمهوريون بمساءلته حال تمتعهم بالأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس كما هو متوقع على نطاق واسع عقب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2022 القادمة.

المصدر : الجزيرة