المعارضة والمخدرات ركنا الزاوية.. 6 أسئلة تحدد مستقبل العلاقة بين إيران وطالبان

يعتقد الباحثون أن طهران ستستمر في تعاملها البنّاء مع طالبان لخفض التوتر والتهديد على حدودها الشرقية، لكنها لن تثق بها ثقة عمياء، ولن يصل التعامل الثنائي بينهما إلى مستوى العلاقات الإستراتيجية.

Iran hosts Afghan Taliban leader as peace talks stalled
اجتماع بطهران لقيادات طالبان في فبراير/شباط 2021 أي قبل سيطرة الحركة على أفغانستان في أغسطس/آب 2021 (رويترز)

طهران – بعد 5 أشهر من فرض حركة طالبان سيطرتها على العاصمة الأفغانية كابل، عرضت طهران وساطتها بين الحكومة الجديدة في أفغانستان والمعارضة، واستضافت، مؤخرا، جولة لقاءات لحلحلة القضايا العالقة بينهما عبر الحوار.

وفي هذا التقرير، تطرح الجزيرة نت 6 أسئلة على خبراء وباحثين إيرانيين وأفغان، لتسليط الضوء على العوامل المؤثرة في مستقبل العلاقات بين طهران وحكم طالبان:

أنباء أشارت لمشاركة أحمد مسعود في اللقاء الذي جمع ممثلي المعارضة الأفغانية بمسؤولي طالبان وهو ما نفته طهران (رويترز)

جاءت جولة المحادثات بين "جبهة المقاومة الأفغانية" وحركة طالبان في طهران لتضع، نوعا ما، حدا للشائعات عن حضور أحمد مسعود في إيران.. فهل تتبنى إيران المعارضة الأفغانية؟

يقول الباحث الإستراتيجي بير محمد ملازهي إن بعض وسائل الإعلام تناولت منذ فترة شائعات عن حضور أحمد مسعود في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، لكن الخارجية الإيرانية نفت ذلك، والأقرب للحقيقة أن تكون نقلته مؤخرا من طاجيكستان إلى طهران للقاء وزير الخارجية الأفغاني بالوكالة أمير خان متقي، وربما غادر إيران عقب الاجتماعات.

المهم في هذه اللقاءات أنها جاءت بناء على دعوة الخارجية الإيرانية التي تسعى لحلحلة الخلافات بينهما عبر الحوار دون الانحياز لأي منهما، ولهذا يمكن القول إنها تقف على مسافة واحدة من الجانبين رغم التقارب الروحي بين الثقافة الإيرانية وقبائل الطاجيك والهزارة في أفغانستان.

كيف ستتعامل حكومة طالبان مع حلفاء إيران في الداخل الأفغاني؟

يقول ملازهي: لا يمكن التنبؤ في الوقت الراهن بسلوك طالبان مع الشيعة في المستقبل. و"المتطرفون" القريبون من طالبان مثل "تنظيم القاعدة" و"شبكة حقاني" يتبنون اتجاها مناهضا للشيعة ولا ينسجم مع الرؤية الإيرانية وسياساتها، ما قد يثير خلافات بين حكومتي طهران وطالبان مستقبلا. ولهذا، يطالب فريق في إيران بضرورة دعم الانتفاضة الشعبية والمكونات الأفغانية الموجودة في الجمهورية الإسلامية.

وهنا، بحسب الباحث، لا بد من التذكير بوجود شرخ بين الرأي العام والسلطة في إيران فيما يتعلق بالعلاقة مع طالبان؛ فالشعب الإيراني يرغب بالعلاقة مع قبائل غير البشتون منها الطاجيك والهزارة، والمعروف أن هناك خلافات بينها مع طالبان على السلطة؛ إذ تريد الأخيرة الانفراد بها وبالمقابل تريد القبائل القريبة من إيران المشاركة في الحكم. وهذا ما قد يؤثر على العلاقة بين إيران وطالبان مستقبلا، فضلا عن ملفات وقضايا عالقة أخرى مثل مياه نهر هيرمند.

epa03244364 Afghan Police destroy poppy (raw material to be used in making Heroin) feilds in Deshala district and Pol-e-Hisar district of Baghlan province, Afghanistan, 01 June 2012. According to media reports, less than two per cent of Afghanistan's illegal opiate production is seized by security forces, the United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC) said on 28 May, as it announced that it would be spending 117 million dollars over the next three years on its counter narcotics program in the war-torn country. EPA/NAQEEB AHMED
زراعة المخدرات بأفغانستان وتهريبها يعتبران من أكبر القضايا الخلافية بينها وبين إيران (الأوروبية)

ما أكبر التحديات أمام العلاقات بين إيران وطالبان ولماذا يعتبر البعض بإيران طالبان خطرا على مستقبل العلاقات بينهما؟

ملازهي: للرد على هذا التساؤل لا بد من الأخذ في الاعتبار أن طالبان حركة عقائدية، وتستقي أفكارها من 3 تيارات رئيسية؛ أولها مدرسة الديوبندية في شبه القارة الهندية، والأخرى السلفية في الشرق الأوسط، وثالثها التقاليد القومية لدى طائفة البشتون في أفغانستان.

ومن جهة أخرى، نرى تنافسا بين إيران وتركيا والسعودية وباكستان خلف الكواليس، وبالتالي أعتقد أن طالبان ستأخذ هذا التنافس بعين الاعتبار وستستغله لصالح منافسي طهران الإقليميين. وطالما لم تحل القضايا العالقة بين إيران والدول الأخرى المنافسة لها مثل السعودية، فإن العلاقة بين طهران وطالبان قد تتأثر نتيجة هذا التنافس الإقليمي.

التحدي الآخر يكمن في إمكانية نشاط القوى "المتطرفة" كالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب المكون المناهض لإيران في أفغانستان، ما قد يعرقل العلاقة بين إيران وجارتها الشرقية.

ويتمثل التحدي الثالث في زراعة المخدرات في أفغانستان، ونظرا إلى أن الأراضي الإيرانية أهم طريق لتهريب هذه المواد إلی الدول الأخری، فإن هناك خشية من عدم جدية طالبان في ضبط هذه الظاهرة طالما تواجه الحركة ضغوطا اقتصادية.

وهناك تحديات أخرى كالهجرة غير القانونية إلى إيران وعبرها، فإن بإمكانها أن تقف حجر عثرة أمام العلاقات بين طهران وطالبان. وكل هذه الأمور تحث فريقا في إيران على الاعتقاد بأن الحركة تمثل خطرا أمنيا على بلادهم.

رغم التحديات المختلفة، هل هناك قواسم وعوامل أخرى من شأنها توطيد العلاقات بين الجانبين؟

يقول الباحث الأفغاني في العلاقات الإيرانية الأفغانية، علي واحدي، إن لدى الشعبين الإيراني والأفغاني قواسم ومشتركات ثقافية وعقائدية وفكرية من شأنها التغلب على كل هذه التحديات. وعند التركيز على العلاقات الرسمية، فإن هناك مجالات كبيرة للتعاون الثنائي على الصعيدين الإقليمي والدولي، ما يؤكد أن دائرة التفاهم أكبر بكثير من القضايا الخلافية بينهما.

ويضيف "أعتقد أن الحكمة لدى الجانبين ستحول دون استفحال الخلافات، وأنها ستؤدي إلى التعاون والتفاهم واستفادة طالبان من تجربة الإيرانيين في الحكم".

واحدي يقول إن التعاون بين طهران وطالبان يمتد إلى سنوات خلت (الجزيرة)
واحدي يقول إن التعاون بين طهران وطالبان يمتد إلى سنوات خلت (الجزيرة)

هناك شائعات بين الفينة والأخرى حول تعاون سابق بين إيران وطالبان لطرد القوات الأميركية من الأراضي الأفغانية، ما مدى صحتها؟

يقول واحدي إن التعاون بين طهران وطالبان ليس وليد اللحظة، وإنما يمتد لسنوات خلت رغم الخلافات التي شابت علاقتهما أحيانا. ويمكننا الإشارة إلى التعاون بينهما إبان احتلال أفغانستان وحضور القوات الأميركية وحلف الناتو على أراضيها، لأن أحد أهداف القوات الأجنبية من احتلال أفغانستان وإنشاء قواعد عسكرية فيها هو تطويق إيران، وهذا ما وجد فيه الطرفان الإيراني والأفغاني، المتمثل في طالبان، مجالا مشتركا للعمل ضد عدوهما اللدود.

وهناك خشية في أفغانستان من زيادة الجماعات الإرهابية، وهذا ما يؤكد ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية بين كابل وطهران والاستفادة من تجربة إيران في محاربة الإرهاب.

رضا حجت يقول إن طهران تدعم استقلال أفغانستان ولو حكمت طالبان جارتها الشرقية (الجزيرة)
رضا حجت يقول إن طهران تدعم استقلال أفغانستان حتى لو حكمتها طالبان (الجزيرة)

ما سبب التقارب المتسارع بين إيران وطالبان بعد نحو 22 عاما من مقتل 8 دبلوماسيين إيرانيين في مزار الشريف، حيث اتهمت طهران حينها الحركة بالوقوف وراء الهجوم؟

يرى الباحث في معهد "تاريخ معاصر" للدراسات، رضا حجت، تغييرا واضحا في سلوك طالبان خلال السنوات الماضية، إذ أظهرت إرادة جادة للتعامل مع العالم، وتعزيز علاقاتها مع الجوار ولا سيما إيران.

ومن جهة أخرى، وجدت السلطات الإيرانية أن العمل مع طالبان يسهم في تحرير الأراضي الأفغانية وطرد القوات الأجنبية واستتباب الأمن فيها. كما أنه لا يمكن لإيران غض الطرف عن سياسة طالبان في سد الطريق أمام المتربصين بالأفغان ومنع الاقتتال الداخلي بين الشيعة والبشتون.

ما يهم إيران في التعامل مع جيرانها هو استقلال هذه الدول وإن كان التيار الحاكم ليس من حلفائها، كما يقول حجت، وهذا ما نشهده في العراق إذ تفضّل إيران أيا من منافسي حلفائها بالعراق على قوات الاحتلال، وهذا ما تطبقه بالفعل على أفغانستان. فطهران تدعم استقلال أفغانستان، ولو حكمتها طالبان.

حركة طالبان عقدت مؤتمرا صحفيا في ختام زيارتها إلی طهران (الصحافة الإيرانية)
قياديون بحركة طالبان في مؤتمر صحفي سابق لهم عقب مباحثات بطهران (الصحافة الإيرانية)

ما مستقبل العلاقات بين إيران وحكم طالبان؟

يقول الباحث السياسي، سياوش فلاح بور: "دون أدنى شك ستعتبر إيران حكم طالبان تهديدا لأمن واستقرار حدودها الشرقية، لكنها رغم ذلك ستتعامل مع الحكم الجديد في أفغانستان بناء على سجله العملي، وقد تتماشى معه وفق مصلحتها الوطنية وسياسة خفض التوتر مع جيرانها. علما أن تعاملها سيزعج حلفاءها التقليديين هناك".

ومن المحتمل، حسب الباحث، أن تقوم طهران بعقد تحالفات جديدة مع بعض الأطراف المنضوية تحت عباءة طالبان. وخلاصة القول، نعتقد أن طهران ستستمر في تعاملها البنّاء مع طالبان لخفض التوتر والتهديد على حدودها الشرقية، لكنها لن تثق بها ثقة عمياء، ولن يصل التعامل الثنائي بينهما إلى مستوى العلاقات الإستراتيجية.

المصدر : الجزيرة