كازاخستان.. قوات حفظ السلام تغادر ومعها شبح نزارباييف

CSTO Collective Peacekeeping Forces begin to withdraw troops from Kazakhstan
قوات حفظ السلام الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بدأت في سحب قواتها من كازاخستان (رويترز)

موسكو- تقترب مهمة قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في كازاخستان من نهايتها، بعد أن بدأت -في وقت مبكر من صباح الخميس الماضي- بمغادرة البلاد؛ في عملية من المقرر أن تنتهي خلال 10 أيام من تاريخ انطلاقها.

ووفقا لستانيسلاف زاس الأمين العام للمنظمة؛ فإنه لا ينبغي انتظار اندلاع موجة جديدة من الاضطرابات في كازاخستان، بعد أن تمت السيطرة على الأوضاع، وقطع شوط طويل من العمل لتوضيح الصورة كاملة، وكشف المتورطين في الأحداث.

Security measures tighten in Kazakhstan's capital
انتشار أمني بالعاصمة الكازاخية خلال الاحتجاجات (الأناضول)

انسحاب وتأثيرات

ويبدو أن ما وصفه بعض السياسيين والمراقبين الغربيين بـ"الاحتلال الروسي" لم يدم طويلا. ومع ذلك، ورغم قصر العملية العسكرية "الخاطفة" لقوات حفظ السلام، فإنها شكلت حدثا سياسيا فارقا في واقع كازاخستان، وقد تكون لها تأثيرات بعيدة المدى على الأوضاع داخل هذا البلد وعلاقاته مع محيطه.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أن قرار وتفاصيل خطة إرسال قوات حفظ السلام التابعة للمنظمة وضعت في غضون ساعة واحدة فقط خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مضيفا أن نجاح العملية "كشف عن آلية فعالة لمكافحة الثورات الملونة".

كما اعتبر أن وصول القوات بشكل سريع "أزال خطر تدمير دولة كازاخستان وضمن استقرار الوضع"، موضحا أن "الجهود المشتركة لدول الرابطة أظهرت للعالم أجمع جدوى المنظمة وأحبطت حماس الإرهابيين والمتطرفين الذين ومن يدعمهم ويوجههم من الخارج".

الرئيس الروسي (يمين) يصافح نظيره الكازاخي (رويترز)

تفاصيل وغموض

وحتى اللحظة، لا تزال تفاصيل كل ما جرى وراء الكواليس، وكذلك مصير المجموعة التي بادرت لمحاولة الإطاحة بالرئيس قاسم جومارت توكاييف.

وبينما تتواصل في كازاخستان إزالة اللافتات التي تحمل اسم الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف، لا تبدو السلطة في عجلة من أمرها بإزالة ما تبقى من تماثيله المهدمة في الشوارع.

ولكن الأسئلة الأبرز تبقى تدور حول ما إذا كان توكاييف تمكن من تأكيد نفسه كقائد حاسم، و"تحييد" كل الأسباب التي يمكن أن تشكل خطرا على احتفاظه بالسلطة، وهل نجح في إزاحة فريق سلفه نزرباييف بشكل كامل من المشهد السياسي؟

ويعتقد المحلل الساسي أندريه كوليسنيكوف أن من مصلحة توكاييف الآن القول إنه كانت هناك مؤامرة منظمة ومتزامنة، رغم إدراكه أنه من الصعب جدا تصديق ذلك، نظرا لأنه كان واضحا أن الاحتجاجات كانت عفوية، وتشبه إلى حد بعيد احتجاجات أخرى في العالم، كما في تشيلي، التي غرقت في موجة احتجاجات بسبب الارتفاع مماثل في أسعار النقل.

قوات تابعة للسلطات الكازاخية خلال تصديها للتحركات الاحتجاجية (الأوروبية)

العامل الشعبي

ويتابع كوليسنيكوف أن الكثير من قادة الدول والخبراء الموالين للحكومات دائما ما يغفلون عمدا عامل "الشعب" في مثل هذا الأحداث، وكأنه لا يمكن للنخب أن تصدق أن الشعب كان قادرا على النهوض من تلقاء نفسه وأن شرارة واحدة يمكن أن تشعل نارا ليس فقط في منطقة واحدة، ولكن في عدة مناطق، والأكثر من ذلك بشكل عفوي.

وحول قول السلطات إن لصوصا ومخربين كانوا وراء إشعال الاضطرابات في كازاخستان، أوضح الخبير أن أي سلطة تنوي الانتقال إلى الحكم الشمولي والمطلق ستقول الكلام ذاته لتبرير خطواتها اللاحقة للإمساك بمفاصل الدولة.

وبيّن أنه عندما تبدأ احتجاجات على مستوى البلاد، فإنه من الطبيعي ظهور لصوص وغيرهم ممن يمكن أن يستفيدوا من الوضع القائم، وهي ظاهرة تميز أية ثورة. وبما أن توكاييف نجح في "معالجة" الموقف، فقد أظهر نفسه كشخص قادر على الانخراط في السياسة وليس مجرد دمية في يد زعيم فعلي آخر (نزارباييف).

ويلفت كوليسنيكوف إلى أن وجودا عسكريا مفرطا ودائما للقوات الروسية كان يمكن أن يلعب دورا سلبيا للرئيس توكاييف نفسه ولاقتصاد كازاخستان الأكثر انفتاحا -على الأقل رسميا- على الاستثمار الأجنبي من الاقتصاد الروسي، والذي لا يمكن أن يكون لاعبا حصريا في هذا السوق.

A man takes a picture near the mayor's office building which was torched during protests in Almaty
مشهد لما خلفته الاحتجاجات في العاصمة الاقتصادية ألماتي (رويترز)

مخطط وخطر

لكن الخبير العسكري فلاديسلاف شوريجين يبدو أكثر تفاؤلا بخصوص مستقبل كازاخستان ورئيسها الحالي، إذ يرى أنه من الصعب تذكر مثال لعملية عسكرية أخرى سريعة من هذا القبيل، تمكنت من "القضاء على الخطر المحتمل في مهده"، مع وصول طلائع الطائرات العسكرية التابعة لقوات معاهدة الأمن الجماعي.

ويعتقد شوريجين أن سلطات كازاخستان ستأخذ في الاعتبار الدرس المستفاد من أحداث يناير/كانون الثاني الجاري وتعيد النظر في نهجها لضمان الأمن وبناء القوات المسلحة. فقد كشفت الأزمة عن خلل أمني هائل في الكشف المبكر عن محاولات دخول قوى "خارجية" و"متطرفة" على خط الأحداث، لتغيير النظام بالقوة وتنفيذ نوع جديد من سيناريوهات "الثورات الملونة".

في الوقت نفسه، يعتبر الخبير إلى أن أحداث كازاخستان مثلت في أحد أبعادها رسالة إلى البلدان الغربية، مفادها أن تغيرات عميقة يمكن أن تحصل في هيكلية منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي لا تعتبر في الوقت الحالي تكتلا عسكريا سياسيا، بل "ناديا عسكريا"، ولكن يمكن أن يتحول لنظير يتناسب مع قوة حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وأوضح كذلك أنه لم تكن هناك مهام قتالية فعلية لقوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي، بقدر ما كانت خطوة رمزية بحتة لتسجيل حقيقة واحدة بسيطة، هي أن توكاييف هو الشخص الذي ستتحدث عنه بلدان المنظمة، أيا تكن المواقف الخارجية، وعلى رأسها مواقف شمال الأطلسي.

المصدر : الجزيرة