انفراج حذِر وعقبات وتسويات انتخابية.. ما أسباب ونتائج عودة حزب الله وأمل إلى الحكومة اللبنانية؟

يشير المحللون إلى أن حزب الله يبذل جهودا "استثنائية غير مرئية" لتصفير الخلافات بين حلفائه تمهيدا لتشكيل لوائح انتخابية مشتركة توفّر الأكثرية البرلمانية. لكن هذه المساعي قد لا تساعد الرئيس عون في أشهره الأخيرة، بعد أن داهمه الوقت ومرّت سنوات من تدمير ممنهج لعهده.

حركة أمل وحزب الله مرتاحان تجاه نتيجة الانتخابات اللبنانية
عودة الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل لحضور جلسات الحكومة تثير الأسئلة بالأوساط اللبنانية (الجزيرة)

بيروت- تدور الأسئلة في لبنان حول التطور المفاجئ بإعلان الثنائي (حزب الله وحركة أمل) العودة إلى مجلس الوزراء، بعد 3 أشهر من تعطيل الجلسات لامتناع وزرائهما عن الحضور كأداة ضغط في مطالبتهما بتنحية المحقق العدلي بانفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، وما تبعها من أحداث الطيونة الدامية منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2021.

ويصف محللون الخطوة بـ "التراجعية" التي جرت هندستها بين 3 أقطاب: رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي والثنائي الشيعي، دون ربطها بسلة تسويات متكاملة، خصوصا أن البيطار مازال ممسكا بملف التحقيقات، ولم يتراجع عن ادعاءاته ضد نواب ووزراء سابقين ينتمي بعضهم لحركة أمل وحلفائها.

وانعكس إعلان الثنائي سريعا على تحسن سعر صرف الليرة أمام الدولار، فأصبح دون 25 ألفا، في تحسن تراكمي سجلته الأيام الأخيرة بعد أن تجاوزت قيمتها 33 ألفا للدولار الواحد.

ميقاتي رحب بإعلان الثنائي حزب الله وحركة أمل بالعودة وقال إنه سيدعو لجلسة فور تسلمه مشروع الموازنة (الجزيرة)

متى تنعقد الحكومة؟

ربط حزب الله وحركة أمل عودتهما بالسعي لإقرار موازنة 2022 العامة للدولة، ومناقشة خطة التعافي الاقتصادي، ورحّب ميقاتي بها معلنا أنه سيدعو لجلسة حكومية فور تسلمه مشروع قانون الموازنة من وزارة المالية.

وهنا، يوضح المستشار الاقتصادي لميقاتي، النائب نقولا نحاس، للجزيرة نت، أن عودة انعقاد الحكومة نتيجة تقدم أولويات طارئة، مؤكدا أن ميقاتي يذلل العُقَد حاليا، وسيدعو لجلسة بعد إنجاز الموازنة، والتي قد تستغرق أسبوعا أو 10 أيام قادمة.

هذا الربط أثار حفيظة الفريق السياسي للرئيس عون، إذ يشير وليد الأشقر عضو المكتب السياسي بالتيار الوطني الحُر (برئاسة جبران باسيل) إلى أنهم يرحّبون بهذه العودة بحذر، نظرا لربطها بإنهاء مشروع الموازنة.

وذكّر الأشقر أن وزير المالية يوسف خليل محسوب سياسيا على ثنائي حركة أمل وحزب الله، مما دفعه للتساؤل حول موقف ميقاتي أيضا، وإن كان إعلان العودة شكليا ودونه عقبات كثيرة.

وقال أيضا للجزيرة نت إن ثمة قضايا اقتصادية ومشاريع قوانين ملحّة غير مرتبطة بالموازنة، وتستدعي الدعوة الفورية لجلسة حكومية بدل الاستمرار بالمماطلة غير المبررة.

ما أسباب إعلان العودة لطاولة الحكومة؟

يربط الكاتب والمحلل السياسي وسيم بزي (مقرب من حزب الله) إعلان الثنائي بجملة تطورات عاشها لبنان مؤخرا، واستدعت تراجعا تكتيكيا، وهي:

  • فشل محاولات إنجاز الصفقات السياسية أكثر من مرة، وآخرها عدم تمكن حزب الله من حل النزاع بين حليفيْه حركة أمل والتيار الوطني الحر، وتحديدا بمرحلة خلافهما الشديدة حول الطعن بالقانون الانتخابي.
  • مواجهة مفتوحة قادها أمين عام هذا الحزب حسن نصر الله شخصيا ضد السعودية، تكثفت في خطابه الأخير، ضمن مقاربة جديدة اعتمدها بعدم تمرير أي موقف سعودي ضده إلا برد مواز.
  • تجاوز الدولار عتبة الـ 33 ألف ليرة، واستشعار حجم الضغط الشعبي والمعيشي.
  • فشل دعوة الرئيس عون للحوار، والتوتر الطارئ بين حزب الله وميقاتي بعد رد الأخير على خطاب نصر الله دفاعا عن السعودية.
المحلل السياسي وسيم بزي
بزي يربط عودة حزب الله وأمل للحكومة بجملة تطورات وضغوطات يتعرض لها اللبنانيون (الجزيرة)

وعليه، وُلدت رغبة متبادلة بين الثنائي وعون وميقاتي بلجم التوترات، بحسب تقديرات بزي، وطرأت مساع بينهم الأسبوع الماضي، أعادت ترتيب الأولويات وضبط إيقاع الخلافات.

ويقول بزي، للجزيرة نت، إن الثنائي أخذ "خطوة تراجعية" جريئة بالمعنى النظري، عنوانها توفير الظروف الإيجابية لتخفيف الضغط عن الناس.

ويوضح المحلل أن الثنائي قرر تبديل إستراتيجيته بمواجهة القاضي البيطار عبر تحرير الحكومة وشلها كوسيلة ضغط، والبحث عن آليات مواجهة ضده بالسلطتين القضائية والبرلمانية.

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي داود رمال أن جوهر تراجع الثنائي هو خشيته من مواجهة غضب شعبي وتداعيات انهيار الليرة، إضافة إلى مواجهة تحدي عدم استطاعة رئيس الجمهورية التوقيع، دستوريا، على موافقات استثنائية، في ظل وجود حكومة قائمة غير مستقيلة.

ويقول رمال، للجزيرة نت، إن الثنائي بلغ حائطا مسدودا وضعه بمواجهة حلفاء خصوم سياسيين وحالة شعبية متنامية، مما دفعه لتغليف قرار العودة بإقرار الموازنة وخطة التعافي، اللذين يشكلان الطريق للتفاوض مع صندوق النقد الدولي.

وحول مصير البيطار، يتحدث رمال عن معطيات حول إمكانية توجّه نبه بري رئيس البرلمان وحركة أمل إلى الدعوة لجلسة تشريعية قريبا، لطرح مسألة تشكيل لجنة تفعّل مجلس محاكمة الرؤساء والوزراء بالبرلمان، وإيجاد مخرج تشريعي للخلاف حول البيطار.

التيار الوطني الحر: لن نشارك في حكومة يرأسها الحريري
الأنظار تتجه إلى التيار الوطني الحر وزعيمه باسيل الذي يحتاج لحليف يسانده بالمعركة الانتخابية القادمة (الجزيرة)

مرحلة ما قبل الانتخابات

يجد مراقبون أن خطوة الثنائي، وما يرافقها، تعكس سعيا من القوى السياسية لقطع مرحلة ما قبل انتخابات مايو/أيار 2022، بأقل الخسائر الممكنة، نظرا لتحسسهم صعوبة التحديات وصوغ التحالفات سياسيا وشعبيا.

وتتجه الأنظار إلى انعكاسات الخطوة على موقف مختلف القوى، وتحديدا التيار الوطني الحر بعد أن اهتزت علاقته مع حليفه الوحيد حزب الله، وانفجار الخلافات مع حركة أمل. في حين يحتاج الحزب إلى حليفه المسيحي لخوض التحديات داخليا وإقليميا.

كما يحتاج فريق زعيم التيار جبران باسيل إلى حليف يسانده بمواجهة مخاطره الانتخابية في الشارع المسيحي، وينقذ الأشهر الأخيرة من عهد رئيس الجمهورية قبل الانتخابات الرئاسية في أكتوبر/تشرين الأول 2022.

لذا، يجد بزي أن موقف الثنائي يؤسّس جديا لبناء الثقة بين المعنيين، وله علاقة بإنتاجية الحكومة وسيولتها وبعلاقات أكثر واقعية بالتحالفات والانتخابات. لكنه يرفض ربط التراجع بمعطيات خارجية "لأن نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية والسعودية الإيرانية مفتوحة على شتى الاحتمالات".

ويعود رمال ليشير إلى أن حزب الله يبذل جهودا "استثنائية غير مرئية" لتصفير الخلافات بين حلفائه، تمهيدا لتشكيل لوائح انتخابية مشتركة توفّر الأكثرية البرلمانية لهم. لكن هذه المساعي برأيه، لن تساعد عون الأشهر الأخيرة بعد أن داهمه الوقت ومرّت سنوات من تدمير ممنهج لعهده.

بالتوازي، يقول الأشقر "إذا صدقت نوايا العودة، فقد تنعكس على بلورة خطة تعاف اقتصادية تتيح للرئيس عون تحقيق نتائج إيجابية بنهاية عهده".

أما انتخابيا، فيؤكد الأشقر أن فريق باسيل لن تربطه أي علاقة بحركة أمل، مشيرا إلى عدم إزالة كل الشوائب بالعلاقة مع حزب الله.

ويقول إن فريقهم لا يجد عودة حزب الله للحكومة كافية، ومشكلتهم معه أكبر من ذلك وفق قاعدة "أولويتنا محاربة الفساد وبناء الدولة، بينما أولوية الحزب الحفاظ على خصوصية الطائفة الشيعية وتوفير الغطاء لحركة أمل".

ويلفت الأشقر إلى أن فريق باسيل حتى هذا التاريخ قد يخوض الانتخابات وحيدا، إلا إذا أعاد حزب الله قراءة جملة شروط تتناسب مع تياره.

وهنا، يقول رمال إن جميع الأطراف التقليدية شبه خاسرة من محاولات ترقيع الأخطاء الكارثية "بينما ينتظرون التسويات الإقليمية وانعكاساتها على مواقعهم وأدوارهم وحساباتهم وتحالفاتهم".

المصدر : الجزيرة