من 11 سبتمبر إلى سقوط كابل.. كيف فشلت الاستخبارات الأميركية؟

أظهرت الاستخبارات الأميركية ارتباكا في تقديراتها لقوة طالبان، ولقدرة الجيش الأفغاني أمامها. وكان تقييمها للوضع في أفغانستان يتمثل في أن طالبان يمكنها عزل العاصمة كابل خلال 30 يومًا والسيطرة عليها في غضون 90 يوما، بخلاف ما حدث في الواقع.

ما جرى في أفغانستان يؤكد ضعف التقديرات الاستخبارية الأميركية حول تطورات الأوضاع في أفغانستان (الفرنسية)
ما جرى في أفغانستان يؤكد ضعف التقديرات الاستخبارية الأميركية حول تطورات الأوضاع في أفغانستان (الفرنسية)

واشنطن- يقول بروس هوفمان، خبير مكافحة الإرهاب في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن توقّع في أحد التسجيلات المصورة التي سربها عام 2003، الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

وطبقا لهوفمان، فقد شرح بن لادن كيف انخرط هو وأتباعه في حرب استنزاف لمحاربة "القوى العظمى المستبدة"، و"مثلما استنزف أسلاف القاعدة وطالبان روسيا لمدة 10 سنوات، إلى أن أُجبرت على الانسحاب من أفغانستان عام 1989، تباهى بأن الولايات المتحدة ستعاني المصير نفسه".

في ذلك الوقت، اعتبر الأميركيون تهديد بن لادن "دعاية" في إطار الحرب النفسية، لكن الأحداث المأساوية التي وقعت في أفغانستان خلال الأسابيع الأخيرة أثبتت أنه لم يكن يمزح.

ومع حلول الذكرى الـ20 لأكبر فشل استخباراتي في التاريخ الأميركي تمثّل في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، انتهت أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة بمشاهد فوضى تابعها العالم بمحيط مطار كابل منتصف الشهر الماضي، وهو ما أضيف إلى قائمة الفشل الاستخباراتي الطويلة.

وتخشى الدوائر الأميركية المعنية أن تمثل استعادة طالبان السريعة للسلطة في أفغانستان تهديدا حال إعادة السماح بتوفير الملاذ الآمن نفسه الذي كان يتمتع به تنظيم القاعدة في السابق.

وأصبح احتمال إعادة القاعدة قريبا تشكيل قاعدتها العملياتية في موطنها السابق واستئناف الهجمات على الغرب، مرة أخرى، مصدر قلق بارز للأمن القومي الأميركي، طبقا لرؤية هوفمان.

وخلال العقدين الماضيين، ابتداءً من "هجمات 11 سبتمبر" حتى سقوط كابل في يد طالبان، عرفت الولايات المتحدة 3 نماذج للفشل الاستخباراتي من العيار الثقيل، وذلك على النحو التالي:

هجمات 11 سبتمبر

في تقريرها حول "هجمات 11 سبتمبر"، أشارت لجنة التحقيق الخاصة بها إلى أن "مجتمع الاستخبارات الضخم الذي تميزه الميزانيات والهياكل الوظيفية القديمة والمنافسات البيروقراطية "، قد فشل في تحديد التهديد الكبير الذي يمثله "الإرهاب العابر للحدود" طوال التسعينيات وحتى 11 سبتمبر/أيلول 2001. واستجابة لتوصيات اللجنة، قرر الكونغرس استحداث منصب وزاري جديد للاستخبارات الوطنية، وأنشأ المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لتجميع المعلومات الاستخباراتية في جهة واحدة.

وكشفت هجمات 11 سبتمبر عدم معرفة مسؤولي وكالات الاستخبارات أية إشارات تتعلق بالهجمات، في الوقت الذي كانوا مدركين لحجم التهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة.

وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد شكّلت وحدة تُركز فقط على أسامة بن لادن نهاية التسعينيات. كما شن الرئيس بيل كلينتون عمليات سرية ضد تنظيم القاعدة.

ووصفت الإحاطة العلنية التي قدمتها أجهزة الاستخبارات أمام الكونغرس في فبراير/شباط 2001، حول "التهديدات العالمية لشبكة بن لادن الإرهابية" بأنها "الأكثر إلحاحا وخطورة" للولايات المتحدة، لقدرتها على "التخطيط لهجمات متعددة دون إنذار مسبق". ومع ذلك فشلت الاستخبارات ووقعت الهجمات.

الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن يصافح جنوده في زيارة مفاجئة للعراق بسبتمبر/أيلول 2007 (الفرنسية)

أكذوبة أسلحة الدمار الشامل وحرب العراق

وفى الجلسة الشهيرة أمام مجلس الأمن الدولي لتبرير أميركا غزو العراق، بفبراير/شباط 2003، أعلن وزير الخارجية كولين باول أن اتهاماته حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل تقوم على "معلومات استخباراتية قوية".

والواقع أن تقديرات الاستخبارات في أكتوبر/تشرين الأول 2002، خلصت إلى أن العراق يواصل برنامجه لأسلحة الدمار الشامل ويمكنه صنع سلاح نووي "في غضون عدة أشهر إلى سنة" إذا حصل على ما يكفي من المواد الانشطارية.

ولكن الولايات المتحدة لم تجد أدلة على هذه البرامج بعد غزوها للعراق، وهو فشل استخباراتي وصفه الرئيس جورج بوش بأنه "أكبر شيء ندم عليه".

ولكن، من غير الواضح إلى أي مدى ينبغي إلقاء اللوم على الاستخبارات بدلا من صناع القرار السياسي. ففي عام 2004، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن الرئيس بوش وكبار مستشاريه "تجاهلوا العديد من المحاذير والتصفيات" في تقرير الاستخبارات بأكتوبر/تشرين الأول 2002 وهم يضغطون بإصرار على خطط الحرب.

وقدّر المحللون، على سبيل المثال، أن صدام حسين لن يستخدم أسلحة الدمار الشامل أو يعطيها "للإرهابيين" ما لم يتم غزو العراق. كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن كبار مسؤولي إدارة بوش لوّحوا بأنابيب ضبطوها قبل تهريبيها للعراق، وقالوا إنها موجهة إلى أجهزة الطرد المركزي النووية العراقية، رغم شكوك الخبراء النوويين.

قوات من حركة طالبان تحرس محيط مطار كابل في أعقاب انتهاء الانسحاب الأميركي من أفغانستان الماضي (الأوروبية)

سقوط كابل وفضيحة الإجلاء

وجّه الكثير من المعلقين سهامهم إلى أجهزة الاستخبارات الأميركية لمسؤوليتها المباشرة عن سقوط كابل وسرعة سيطرة طالبان عليها، وما تبعها من سوء إدارة عمليات الإجلاء، وصولا لمقتل 13 من قوات مشاة البحرية، وعشرات الأفغان، وحتى مغادرة 200 أميركي لأفغانستان، إضافة لآلاف الأفغان ممن عملوا من القوات الأميركية.

وأستغرب كثير من المعلقين كيف لأجهزة الاستخبارات المنتشرة في ربوع أفغانستان، والتي تمتلك خبرة الانتشار هناك 20 عاما، عدم التوصل لخطط طالبان لهذا الهجوم الواسع النطاق، وكيف رتبت له واختارت مساراته، وكيف نفذته رغم وجود القوات الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات العسكرية ومركز الاستخبارات الوطنية.

وينبع الفشل، في أحد جوانبه، من اقتناع أجهزة الاستخبارات الأميركية بأن طالبان ستجلس للتفاوض، في وقت كانت فيه الإستراتيجية العسكرية للحركة تهدف فقط إلى كسب الوقت والنفوذ في سبيل الاستيلاء على البلاد بالقوة.

ومؤخرا، أظهرت أجهزة الاستخبارات الأميركية ارتباكا في تقديراتها لقوة طالبان، ولإمكانية صمود الجيش الأفغاني أمام تقدمها. وذكرت مصادر في البنتاغون لصحيفة "وول ستريت جورنال" أن تقييم الاستخبارات للوضع في أفغانستان يتمثل في أن تنظيم طالبان يمكنه عزل العاصمة كابل خلال 30 يومًا والسيطرة عليها في غضون 90 يوما.

وبناء على الإفادات الاستخبارية التي يتلقاها الرئيس الأميركي يوميا، صرح بايدن في مؤتمر صحفي يوم 8 يوليو/تموز الماضي "زودنا شركاءنا الأفغان بجميع الأدوات والمعدات والتدريب التي يحتاجها أي جيش حديث"، وأضاف "لقد قدمنا أسلحة متقدمة، وسنواصل توفير التمويل والمعدات، وسنضمن لهم القدرة على الحفاظ على سلاحهم الجوي".

وردا على تساؤل أحد المراسلين "هل استيلاء طالبان على أفغانستان أمر لا مفر منه الآن؟"، أجاب بايدن أن "الأفغان لديهم 300 ألف جندي مجهزين تجهيزا جيدا مثل أي جيش في العالم، مع قوة جوية تفتقر إليها طالبان التي لا يتجاوز أعداد عناصرها 75 ألفا". قبل أن يضيف أن سقوط كابل "ليس أمرا حتميا".

كيف يحدث الفشل الاستخباراتي؟

تسعى وكالات الاستخبارات لتحقيق 3 مهام أساسية، التجسس لجمع المعلومات، وتجنيد العملاء، وتحليل ما يتم جمعه من معلومات، ثم تقديم هذه المعلومات بصورة واضحة وفي الوقت المناسب لصانع القرار للاعتماد عليها في اتخاذ القرارات.

وقد يفشل ضباط الاستخبارات في الحصول على معلومات دقيقة، وقد يخطئون في تحليل ما يصلهم من معلومات، والخطأ الأكثر شيوعا يتعلق بضعف توصيل المعلومات للجهة المختصة في الوقت المناسب بصورة فعالة.

ولا أحد يعرف يقينا تفاصيل الساعات والأيام الأخيرة قبل سقوط كابل، ومن غير المرجح معرفة الحقيقة إلا بعد اتاحة المزيد من المعلومات عما جرى من مداولات.

وحتى الآن لا يوجد سوى تسريبات مجهولة المصدر لعبارات مختارة من وثائق استخباراتية مفترضة، وهو ما لا يكفي للإجابة عن كثير من الأسئلة.

وقد يعرف المزيد عما جرى بالفعل، حال اتفاق الكونغرس وتوفر الإرادة السياسية الكافية لتشكيل لجنة تحقيق على غرار التي شُكّلت في هجمات 11 سبتمبر، وهو ما يستبعده أغلب المعلقين حاليا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نشرت صحيفة واشنطن بوست مقالا مطولا استعرضت فيه عددا من الكتب التي صدرت في الولايات المتحدة في العقدين الماضيين بشأن تداعيات هجمات 11 سبتمبر 2001 وما آلت إليه جهود واشنطن في مكافحة “الإرهاب” من فشل.

6/9/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة