سؤال وجواب.. هل تراجع الاهتمام المصري بسد النهضة؟

صور جديدة لسد النهضة بعد التعبئة الثانية (مواقع التواصل)
صور جديدة لسد النهضة بعد التعبئة الثانية (مواقع التواصل)

القاهرة- بعد نحو شهر من الصمت الملفت، عادت مصر للحديث عن سد النهضة على لسان كبار مسؤوليها، إذ شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم لملء السد وتشغيله، وتبعه تحذير وزير الري المصري من أن السد الإثيوبي يعاني من مشاكل فنية، متهمًا أديس أبابا بالتكتم على استهلاكها من المياه.

ووسط تشكيك مصري، أعلنت إثيوبيا منتصف يوليو/تموز الماضي أنها حقّقت هدفها للعام الثاني في ما يتعلق بملء خزان السد، مما سيمكنها من تشغيل أول توربينين لتوليد الكهرباء، بالتزامن مع فشل التوصل إلى اتفاق برعاية الاتحاد الأفريقي بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، كما فشلت المساعي المصرية السودانية في استصدار قرار من مجلس الأمن يعزز موقف البلدين.

وترتبط أبرز أسباب التهدئة المصرية لملف السد وتبريده دبلوماسيًّا وإعلاميًّا لأسابيع؛ بعدم وقوع ضرر مائي بسبب الملء الثاني، وتواصل النزاع الأهلي المسلح في إثيوبيا منذ أشهر، بما قد يعزز عملية ضبط أزمة السد لصالح القاهرة، في ظل تراجع معدلات التقدم في بنائه؛ لانشغال أديس أبابا بأزماتها الداخلية، وفق مراقبين.

وترصد الجزيرة نت في هذا التقرير عدة تساؤلات حول طبيعة الموقف المصري الراهن تجاه ملف سد النهضة، وهل القاهرة بصدد التراجع عن الاهتمام به، أو أن الوضع بات مُطمئنًا بالنسبة لها، وما آلت إليه قضية السد؟

أين وصل ملف سد النهضة؟

  • أولاً من منظور فني:

في وقت لا تزال فيه المفاوضات المصرية السودانية الإثيوبية متأزمة بشأن قواعد الملء والتشغيل، أعلنت أديس أبابا في يوليو/تموز الماضي الانتهاء من الملء الثاني وبدء تجاوز المياه جسم السد بما يكفي لبدء إنتاج الطاقة.

وفي خضم الاحتفالات الإثيوبية بالملء الثاني، التزمت القاهرة الصمت رسميًّا، في حين شكك خبراء ووزراء سابقون في ذلك، مؤكدين أنها كانت تستهدف تخزين 13.5 مليار متر مكعب من المياه، في حين لم تنجح سوى في تخزين 3 مليارات متر مكعب فقط؛ لأسباب ربطها الخبراء المصريون بالفشل في تعلية الممر الأوسط للسد واستكمال الإنشاءات وأعمال الخرسانة.

وسبق أن صرح وزير الري والموارد المائية السوداني السابق عثمان التوم بأن إثيوبيا ستبدأ الاستعداد للملء الثالث لبحيرة السد بعد ديسمبر/كانون الأول المقبل، من خلال استكمال الإنشاءات وتعلية الممر الأوسط.

  • ثانيًا من منظور دبلوماسي:

منذ أبريل/نيسان الماضي، توقفت المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة، في وقت تتبادل فيه القاهرة والخرطوم من جانب، وأديس أبابا من جانب آخر، اتهامات بالمسؤولية عن تعثر مفاوضات السد التي يرعاها الاتحاد الأفريقي منذ أشهر، ضمن مسار تفاوضي بدأ قبل 10 سنوات.

وقبل أسابيع، خفض مجلس الأمن الدولي سقف التوقعات المصرية السودانية لصالح البلدين في ملف السد، في وقت انتعشت فيه أنباء محلية بتحرك مصري وشيك واعتبار الملء الثاني للسد "إعلان حرب"، في حين ظلت التصريحات الرسمية متضاربة.

والشهر الماضي، لم تفلح مبادرة جزائرية في حلحلة الملف المتأزم بين البلدان الثلاث، بالتوازي مع دعوة إثيوبية -ترفضها القاهرة والخرطوم- بسرعة التوقيع أو التصديق على الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل، المعروفة باتفاقية "عنتيبي"، لإعادة تقسيم مياه النيل.

والجمعة الماضي، أعلن الجيش الإثيوبي "إحباط محاولة عناصر متحالفين مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي للتسلل إلى المنطقة التي يقع فيها سد النهضة لتعطيل بنائه بمساعدة من السودان"، في حين رفضت الخرطوم هذه الاتهامات.

هل تراجعت مصر عن الاهتمام بسد النهضة أم أن الوضع مطمئن بالنسبة لها؟

بعد أسابيع من الصمت الرسمي والإعلامي، عاد الحديث عن سد النهضة على لسان كبار المسؤولين المصريين، إذ شدد الرئيس السيسي على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد.

وطالب -خلال لقاء مع نظيره القبرصي نيكوس أنستاسيادس بالقاهرة السبت الماضي- المجتمع الدولي بالاضطلاع بدور أكبر لحل قضية السد حفاظًا على استقرار المنطقة.

وفي اليوم التالي، قال وزير الري المصري محمد عبد العاطي إن سد النهضة يعاني من مشاكل فنية، واتهم إثيوبيا بالتكتم على استهلاكها من المياه.

وأكد عبد العاطي -في تصريحات للجزيرة- وجود تحركات دبلوماسية بملف سد النهضة، لا يمكن الإعلان عنها إلا إذا كانت تؤتي بنتيجة، موضحًا أن مبادرة الوساطة التي أعلنتها الجزائر لإعادة المفاوضات بين الدول الثلاث "لو لم تأت بنتيجة فلا جدوى منها".

وعزا الوزير المصري "سبب فشل الملء الثاني لسد النهضة إلى ما وصفها بمشكلات فنية متوقعة، وقال إن إثيوبيا أبلغت مصر والسودان بالملء الثاني بشكل خاطئ"، مشيرا إلى أن "قلق القاهرة زاد في ظل المعلومات الخاطئة التي تقدمها إثيوبيا".

 

لماذا عاد الزخم والحديث عن ملف السد في هذا التوقيت؟

ساعد على خفض التوتر الإعلامي محليًّا تجدد الصراعات القبلية في إثيوبيا، التي لم تعلن أي خطوات جديدة حول الملء الثالث؛ وعزز ذلك تصريح للرئيس السيسي، منتصف يوليو/تموز الماضي، طالب فيه المصريين بـ"الهدوء"، واعتبر أن كل الأمور تسير بالشكل الصحيح في ما يخص السد.

وفي حين استبعد وزير الري المصري الأسبق محمد نصر علام وجود تهدئة في تحركات مصر سياسيًّا وأمنيًّا في ملف السد الإثيوبي، أكد أن بلاده تسعى جاهدة حتى لا تستمر إثيوبيا في إهدار الوقت لتحقيق أهدافها.

وفي تصريحات للجزيرة نت، عزا علام أسباب عودة الزخم والاهتمام المصري في الوقت الراهن لملف السد إلى أهمية القضية لحياة الشعب وأمن مصر القومي، بل وميزانها الإستراتيجي.

وفي ظل التغيرات والاضطرابات الإقليمية والدولية الراهنة، أوضح الوزير المصري السابق أنه من الصعب التكهن بالتحركات المصرية المحتملة في ملف السد، لكنه شدد على أن الاهتمام الدولي ذهب بعيدًا عن المنطقة، وقد يكون لذلك أثر سلبي (سياسيًّا) وآخر إيجابي (أمنيًّا)، من دون أن يقدم مزيدا من التفاصيل.

وأضاف أنه من الصعوبة بمكان أيضًا التنبؤ بالاستقرار الإثيوبي، مع ضعف محاور وقدرات الاتحاد الأفريقى، مشيرًا إلى أن الصورة شديدة الاضطراب وصعبة التفسير ومربكة في اختيار الأنسب لهذه القضية، على الأقل في غضون الأسابيع القادمة.

وذهب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حسن نافعة إلى القول إن أصل التراجع المصري وتبريد ملف السد يرجع إلى عدم حدوث ضرر من الملء الثاني.

وفي تصريحات للجزيرة نت أوضح أن مصر كانت تتوقع أن يصل الملء الثاني لبحيرة السد إلى 14 مليار متر مكعب، لكن إثيوبيا لم تنجح إلا في ملء من 3 إلى 4 مليارات متر مكعب، وبالتالي لم يحدث ضرر على مصر، وهذا الذي أدى إلى مرور عملية الملء بسلام.

لكن نافعة استدرك بالقول إن الأزمة لم تنته بعد، إذ إن عمليات الملء ستتكرر كثيرًا في المستقبل، مشيرًا إلى أن هناك على الأقل 7 مرات للملء، وفي كل مرة يقترب موعد الملء الجديد سيعود الحديث عن ملف السد.

وشدد على أن أزمة سد النهضة لن تنتهي إلا حين تقبل إثيوبيا التوقيع على اتفاق قانوني ملزم بين الأطراف، محذرًا من أن عدم التوقيع سيزيد الأزمة سخونة، خاصة كلما اقتربنا من يوليو/تموز كل عام، حيث عمليات ملء بحيرة السد.

ما أسباب ركود مفاوضات سد النهضة؟

حسب الأكاديمي المصري عباس شراقي أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، فإن حالة الركود الراهنة في مفاوضات السد -منذ جلسة مجلس الأمن في يوليو/تموز الماضي، مرورًا بإعلان الاتحاد الأوروبي استعداده للتدخل، ثم المبادرة الجزائرية- يعود إلى 4 أسباب، وذلك وفق ما أوضحه في منشور على موقع فيسبوك، وتتمثل في:

  • فشل إثيوبيا في التخزين الثاني بمقدار 3 مليارات متر مكعب أعطى فرصة عام آخر، إذ إن التخزين الحالي ليس مؤثرًا ولا يغير من أي سيناريو للحل.
  • ارتفاع فيضان هذا العام حتى الآن بنسبة حوالي 30%.
  • الحرب الأهلية التي تشهدها إثيوبيا في عدة أقاليم، علاوة على الحرب في تيغراي.
  • الحرائق التي شهدتها الجزائر خلال الأيام الماضية، مما أدى إلى تأخير المبادرة الجزائرية.

ما طبيعة الدور المطلوب من المجتمع الدولي لحلحلة أزمة السد من منظور مصري؟

حسب نافعة، فإن تصريحات الرئيس السيسي الأخيرة حول ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي بدور أكبر لحل قضية سد النهضة حفاظًا على استقرار المنطقة ليست جديدة، موضحًا أن معناها إذا لم يضغط المجتمع الدولي بما يكفي لإقناع إثيوبيا بالتوصل لاتفاق ملزم لملء وتشغيل السد؛ فإن احتمال تصاعد الأزمة إلى مواجهة عسكرية قائم، وبالتالي تهديد أمن واستقرار المنطقة لا زال قائمًا.

وأضاف أن تصريحات السيسي تؤكد أن تصاعد الأزمة ليس في صالح المجتمع الدولي، وهذا جوهر الموقف المصري طوال الوقت، كما أن حديث الرئيس في أكثر من مناسبة عن الخطوط الحمراء (للأمن القومي المصري) وذهاب مصر إلى مجلس الأمن (مرتين) كان الهدف لفت نظر المجتمع الدولي إلى أن القضية تهدد الاستقرار بالمنطقة والسلم والأمن الدوليين.

ما التحركات المصرية المطلوبة في هذه الفترة لمواجهة أزمة السد؟ وما البدائل المطروحة؟

يرى نافعة أن التحركات المصرية المطلوبة تتمثل في تحركات على الصعيد الأفريقي بشكل عام، والدول الواقعة على حوض نهر النيل بشكل خاص، إضافة إلى التحرك نحو الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي سبق أن لعبت دورًا في التوصل لمسودة اتفاق بشأن سد النهضة وقعت عليه القاهرة ورفضته أديس أبابا.

كما يشير الأكاديمي المصري إلى ضرورة التحرك نحو الصين، أحد ممولي سد النهضة، وعلى مستوى الدول العربية كما حدث مع جامعة الدول العربية التي اتخذت قرارًا بتأييد الموقفين المصري والسوداني في ملف السد.

وشدد نافعة على أهمية التحركات مع كل الأطراف التي تستطيع أن تمارس أي تأثير إيجابي في الأزمة وتساعد على حلها.

وفي الربع الأول من العام الجاري، وقعت مصر 3 اتفاقيات أمنية وتعاون عسكري مع السودان وأوغندا وبوروندي، وهي دول من بين 11 دولة تقع على حوض النيل، ضمن مساع لإعادة التمركز بين دول أفريقيا، خاصة الواقعة بحوض النيل.

ما طبيعة المشاكل الفنية التي حالت دون إتمام التعبئة الثانية للسد، حسب ما ذكره وزير الري المصري؟

تعقيبًا على ذلك، أوضح الأكاديمي المصري محمد حافظ أستاذ هندسة السدود والموانئ أن هناك فعليًا مشاكل فنية في بناء السد، كانت سببًا رئيسيًّا في فشل الملء الثاني، أبرزها يتمثل في التركيبات المعدنية للأنابيب التي تحمل المياه من أمام السد إلى محطة كهرباء السد (أنابيب التوربينات).

وفي تصريحات للجزيرة نت، أضاف حافظ أن أنابيب التوربينات لم تكن مكتملة ولم يتم تركيبها بشكل مناسب -قبل بدء الملء الثاني- فكانت العائق الأساسي أمام صب الخرسانة بكمية مناسبة على كتلتي السد الشرقية والغربية، إضافة إلى قطع الطرق المؤدية للسد بسبب الحرب الأهلية التي كانت تنقل التركيبات اللازمة من الميناء في جيبوتي.

ما طبيعة تكتم إثيوبيا على استهلاكها للمياه؟ وما تداعيات ذلك على مصر؟

وعن اتهام وزير الري المصري لإثيوبيا بالتكتم على كمية استهلاكها للمياه، أوضح حافظ أنه اتهام واقعي وصحيح، إذ إن وادي النيل الأزرق ليس هو كمية المياه التي تصل عند الحدود السودانية الإثيوبية المقدرة بـ55 مليار متر مكعب فحسب، بل هناك دراسات صينية جديدة تقدر حجم كمية المياه من النيل الأزرق بـ82 مليار متر مكعب.

وأضاف خبير السدود المصري أن هذا يعني أن أثيوبيا تحصل على نصيب الأسد من مياه النيل الأزرق (إضافة إلى مياه جوفية ومياه أخرى للري) وليس مصر والسودان، كما تدعي أديس أبابا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي إن إثيوبيا لا تفصح عن كمية استهلاكها من مياه النيل، وذلك في ظل جمود مباحثات سد النهضة الإثيوبي الذي أعلنت أديس أبابا بدء عملية الملء الثاني له.

6/9/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة