ذكريات الهروب من السجون.. كيف هزمت إسرائيل بملعقة ومقص أظافر؟

"ألا تتسرب أي معلومة من 6 أشخاص هو انتصار، وأن تخرج من أمام برج مراقبة في لحظة غفوة للمراقب، وأن تستطيع الفرار وتختفي عن الأنظار، هي أمور تظهر الحق والأمل ليس في تحرير الأسرى فقط، بل في تحرير فلسطين كلها".

6 Palestinian prisoners escape from Israeli prison
قوات الاحتلال تغلق حاجز الجلمة بين جنين وإسرائيل بعد هروب الأسرى الفلسطينيين الستة (الأناضول)

بيت لحم- "لو كان لديك مسمار أو ملعقة ستكون وسيلتك للهروب من السجن، وهذه ليست مهمة، بل المهم إرادة الخروج للحرية"، بهذه الكلمات لخص الأسير الفلسطيني السابق أمجد الديك تجربة هروبه عام 2003 من سجن "عوفر" الإسرائيلي القريب من رام الله، وسط الضفة الغربية.

يقول الديك، من بلدة كفر نعمة غربي رام الله، للجزيرة نت، إن أي شخص تُسلب حريته يفكر في الخروج من المكان المحتجز فيه بأي طريقة، " ليس مهما كيف وأين ومتى وماذا سيحصل، الأهم فقط هو الهدف.. نيل حريته".

فلسطين رام الله يناير 2018 أمجد الديك يروي تجربة الهروب من السجن الإسرائيلي عام 2003.أمجد الديك يروي قصة هروبه من سجن إسرائيلي عام 2003 (الجزيرة نت)

جدران وأسلاك

يسرد الديك، الذي أمضى 16 عاما داخل سجون الاحتلال وأفرج عنه عام 2018، كيف بدأت فكرة الهروب مع رفيقيه رياض خليفة وخالد شنايطة، حيث كان بُرشه (ما يشبه السرير في السجن) مجاورا بُرش شنايطة، في خيمة محاطة بأسلاك شائكة وحراسة مشددة في سجن "عوفر" الإسرائيلي.

لكن عند بدء الإعداد للهروب، فوجئ الديك ورفاقه بهروب أسيرين من السجن نفسه، في يناير/كانون الثاني عام 2003، مستغلين الضباب الكثيف الذي غطى المنطقة، إذ استطاعا اجتياز الأسلاك الشائكة المحيطة.

ودفع هذا الاحتلال لتغيير إجراءات الحراسة حول السجن، الذي كان يضم أكثر من ألف أسير فلسطيني وقتها، وبناء جدران أسمنتية بارتفاع 8-10 أمتار، وإحاطتها بأسلاك وأبراج مراقبة وكلاب بوليسية.

01 فادي العصا/ صور لقوات الاحتلال تقوم بعمليات تمشيط وبحث عن الأسرى الستة الذين استطاعوا الهرب من سجن جلبوع شديد التحصين/ قرب بيسان/ شمال فلسطين المحتلة/المصدر: الإعلام العبريفوهة النفق الذي هرب عبره الأسرى الستة من سجن جلبوع الإسرائيلي (مواقع عبربة)

ملعقة..

انتظر الأسرى الثلاثة الانتهاء من إجراءات الحراسة الجديدة، واستغلوا ملعقة الطعام لبدء الحفر بين سريري الديك وشنايطة في الأرضية الإسفلتية. واستغرق ذلك أسبوعا كاملا، وكانوا يخفون ما يخرج من تراب أسفل الفراش أو في الأغطية.

ويكمل الديك -للجزيرة نت- بعد الوصول إلى الأرضية الترابية واجهتهما بعض الصخور، فراحوا يحفرون حولها ويغيرون الاتجاه بحثا عن مسار ترابي يسهل حفره. فاستمر الحفر حتى وصلوا إلى خارج الجدار الأسمنتي بعد 17 يوما.

بلغ عمق النفق أكثر من متر، وواصلوا الحفر على امتداد 13 مترا حتى أصبحت فوهته خارج السجن. حينها قرر الثلاثة الخروج إلى الجبال المحيطة، وكان ذلك عند الرابعة من فجر 12 مايو/أيار 2003.

Manhunt For Six Palestinians Who Escaped Israeli Prisonعمليات تمشيط إسرائيلية للبحث عن 6 أسرى فلسطينيين فروا من سجن جلبوع العسكري ( جيتي)

7 شهور من التخفي

يصف الديك لحظة الهروب بأنها أقرب للمعجزة، فتكفي لمحة بصر من أحد السجانين ليتم كشفهم، لكن لم يرهم أحد. فمشوا نحو 10-13 كيلومترا بعيدا عن السجن، واستطاعوا التخفي في الجبال لنحو 7 أشهر، وهم يراقبون الطيران وعمليات التمشيط التي كان يجريها الاحتلال بحثا عنهم.

ونجحوا في الاختفاء حتى حاصرهم الاحتلال بإحدى المغارات القريبة من بلدته كفر نعمة، وقتل رياض خليفة على بعد أمتار من الديك وشنايطة، واعتقلهما مرة أخرى.

أفرج عن شنايطة بعد ذلك بفترة، لكن الاحتلال طارده وقتله بعد سنوات. وبقي أمجد الديك في سجنه إلى أن أنهى حكمه الذي استمر 15 عاما، ثم سنة أخرى إضافية.

في اليوم الذي كان مقررا فيه الإفراج عنه، قرر جيش الاحتلال -بذريعة وجود قضية ضده- تأجيل إفراجه لعام آخر، وكان الديك يعرف أنهم ينتقمون من هروبه.

طلبنا منه المقارنة بين ما حصل معه، وهروب الأسرى الستة من سجن جلبوع فجر الاثنين، فقال "كثيرون يأبون أن يبقوا في هذا المكان لأنهم خُلِقوا أحرارا، وهم مستعدون لدفع أي ثمن لنيل حريتهم".

مقص أظافر

وأعاد فرار الأسرى الستة كذلك ذكريات هروب الأسير السابق ياسر محمد صالح (62 عاما)، من معسكر جباليا في قطاع غزة، الذي هرب منه في الثاني من يناير/كانون الثاني 1995 من سجن النقب الصحراوي جنوبي فلسطين، ووصل إلى الحدود المصرية، حيث أعيد اعتقاله مرة أخرى.

راقب صالح السجن جيدا ووجد أن المطبخ كان أقرب نقطة للخروج. ورغم وجود برجي مراقبة، فإنه اختار الوقت جيدا في جو شديد البرودة حيث يبتعد الجنود في البرج عن النوافذ قليلا، وحمل معه مقص أظافر ساعده في قص الأسلاك المحيطة بالسجن والهروب.

يصف صالح -في حديثه للجزيرة نت- اجتياز الأسلاك بأنه "لحظة حرية" من سجان يقيده ويعزله في الزنازين ويشدد عليه في التحقيق، ويستهدف جسده ويزيد من مرضه، ويفرغ عقله، ويحاول إهانته، لذلك "يضع التحرر نصب عينيه مهما كان الثمن".

كان خطأ صالح أنه لم يقدر الزمن جيدا للوصول للحدود المصرية، وكان هروبه قد اكتشف، وبدأت ملاحقته عندما اقترب من برج عسكري محاط بكلاب بوليسية مدربة بدأت بالنباح ولفتت انتباه الجنود، الذين اعتقلوه وأعادوه للسجن وللتحقيق مرة أخرى، وعلى إثرها مكث 15 عاما في الاعتقال.

معجزة وانتصار

ويصف صالح -للجزيرة نت- هروب الأسرى الستة من سجن جلبوع بالمعجزة "وكأن فيها تدخلا إلهيا" حسبما يقول، فسجن جلبوع صممه الاحتلال بعد كل خبرات الهروب الماضية، ووصفه بأنه "خزنة محصنة" وفيه أدوات مراقبة عالية التقنية.

ولكن ما حصل -وفق صالح- "انتصار على النظرية الأمنية الصهيونية"، وكذلك "انتصار لأسرى أخفوا التراب في زنزانة يتم فحصها ودق أرضيتها ونوافذها وكل شيء فيها 3 مرات يوميا، و3 أخرى للتأكد من عددهم".

يضيف "ألا تتسرب أي معلومة من 6 أشخاص هو انتصار، وأن تخرج من أمام برج مراقبة في لحظة غفوة للمراقب، وأن تستطيع الفرار وتختفي عن الأنظار، هي أمور تظهر الحق والأمل ليس فقط في تحرير الأسرى، بل في تحرير فلسطين كلها".

تذكر حوادث أخرى

لم يكن أمجد الديك وياسر صالح الوحيدين من الأسرى الفلسطينيين الذين فروا من السجون الإسرائيلية أو حاولوا ذلك، فمع نشر خبر فرار الأسرى الستة من سجن جلبوع، بدأ الفلسطينيون يتناقلون قصص الفرار المتكررة، وحتى المحاولات الفاشلة التي لم تتوقف على مدار صراعهم.

وأعاد الناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي نشر مقاطع مصورة من برنامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة، مع الأسير المحرر عبد الحكيم حنيني، الذي حاول الهروب من سجون الاحتلال وتفاصيل قصته المثيرة.

كما نشرت مقاطع من مسلسل "الروح" الفلسطيني، الذي عرض عام 2014، واستخدمتها وسائل الإعلام مشاهد تمثيلية تحاكي عملية هروب الأسرى الستة.

المصدر : الجزيرة