مقال بواشنطن بوست: خداع وبطش وصلف وتضليل واستخفاف.. رد فعل أميركا على 11 سبتمبر

مقال واشنطن بوست: كلينتون حذر بوش الابن من بن لادن (الجزيرة)
مقال واشنطن بوست: كلينتون حذر بوش الابن من بن لادن (الجزيرة)

نشرت صحيفة "واشنطن بوست" (Washington Post) مقالا مطولا استعرضت فيه عددا من الكتب التي صدرت في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين بشأن تداعيات هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما آلت إليه جهود واشنطن في مكافحة "الإرهاب" من فشل.

وبدلا من أن يجسد رد الفعل الرسمي على تلك الهجمات "القيم الأميركية العليا"، فإنه اتسم بأسوأ الصفات كالخداع، والبطش، والصلف، والجهل، والتضليل، والتجاوز، والاستخفاف، على حد وصف كاتب المقال الناقد الأميركي كارلوس لوزادا.

وقد توصل إلى هذا الاستنتاج مؤلفو كتب ومذكرات انتشرت انتشارا كبيرا خلال عقدين من انصرام هجمات 11 سبتمبر/أيلول على مدينتي نيويورك وواشنطن.

ويقول لوزادا -الحاصل على جائزة بوليتزر عن فئة النقد لعام 2019- إن قراءة تلك الكتب والمذكرات أو إعادة قراءتها اليوم أشبه ما تكون بمشاهدة فيلم قديم يشعرك بأسى وإحباط أشد مما تتذكره من تلك الأحداث.

تبرؤ من القيم الأميركية

وتورد العديد من تلك الكتب قصصا عن التبرؤ من القيم الأميركية، ليس من قبل "الغرباء المتطرفين، بل عن تنصلنا نحن منها"؛ فخيانة تلك المبادئ "المعترف بها" هي بمنزلة النيران الصديقة على الحرب على "الإرهاب".

وتنبئ تلك الأعمال بأن عدم الاكتراث بتنامي شأفة "الإرهاب" أفضى إلى التعطش للدماء والجنوح للثأر بعد تلك الهجمات. فطمس الحقائق والنوايا يكون مسوّغا للحروب ومن ثم إطالة أمدها، ذلك أنه باسم مكافحة "الإرهاب" يتم تسييس الأمن، وشرعنة الوحشية، وتحويل حب الوطن إلى سلاح، كما يزعم الكاتب.

صحيح أن تلك السمات كانت حالة طارئة، وهذا أمر مفهوم بنظر كارلوس لوزادا، لكن تلك الحالة الاستثنائية -كما يصفها المقال- أضحت هي "النزعة الاستثنائية الأميركية الجديدة".

وقد حدث ذلك سريعا؛ فعندما حلّ عام 2004 أصدرت اللجنة الوطنية للتحقيق في الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة ‏ -المعروفة أيضا باسم لجنة 9/11- تقريرها النهائي الذي دعت فيه السلطات الأميركية إلى "الانتظام في صراع الأفكار"، إلا أنه جاء بعد فوات الوقت، إذ كانت وزارة العدل قد وقّعت بالفعل على مذكرات أولية بشأن التعذيب، وقوّضت الصور التي التُقطت من داخل سجن أبو غريب في بغداد ادّعاءات الولايات المتحدة بشأن سلطتها الأخلاقية.

كبار مساعدي بوش دفعوه نحو تأجيج الحرب في العراق (الجزيرة)

الحرب انتقلت إلى أميركا نفسها

وتكشف تلك الأعمال الفكرية الأخيرة المستعرضة للآثار المترتبة على هجمات 11 سبتمبر/أيلول كيف أن أساليب الحرب على "الإرهاب" انقلبت على الجماعات الدينية والمهاجرين والمتظاهرين في الولايات المتحدة، وحلّت الحرب في أميركا نفسها، وتنقلت فيها كأنها تمتلك المكان، حسب تعبير كارلوس لوزادا.

ففي كتابه "حروب الشبح" (Ghost Wars)، يقول الصحفي الأميركي ستيف كول -في معرض حديثه عام 2004 عن تورط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أفغانستان قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول- "إن من السهولة على الباحث في الوقت الحاضر أن يفسر كيف ولماذا حدثت (تلك الهجمات)، وذلك أفضل له من بيان التداعيات".

فطوال الفترة التي أعقبت تلك الهجمات، توهمت واشنطن بقدرتها على إعادة صياغة العالم وفق تصورها، "إلا أنها أسفرت للعالم عن وجه قبيح لنفسها".

وتناولت الكتابات عن 11 سبتمبر/أيلول مآرب زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من تلك الهجمات، ورؤاه المتغيرة لما بعدها، فقد تخيل أن أميركا ستضعف وتصاب بالذعر، وستتراجع مكانتها في العالم -لا سيما في الشرق الأوسط- حالما يبدأ الموت ينال من جنودها.

استدراج واشنطن إلى حد الإرهاق

وفي ذلك، يقول كول إن بن لادن بدأ يدرك جدوى استدراج واشنطن إلى حد الإرهاق بأن يجعلها "تنزف إلى حد الإفلاس" عبر توسع عسكري لا نهاية له، ليترتب على ذلك مقاومة نفوذها الدولي وتقويض وحدتها الداخلية.

وعندما خاطب الرئيس (الأسبق) جورج دبليو بوش الأمة الأميركية من المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض مساء 11 سبتمبر/أيلول 2001، أكد أن أميركا هوجمت لأنها "أبهى منارة للحرية والفرص في العالم، ولن يستطيع كائن من كان منع ذلك الضوء من السطوع".

"إن الجانب الأكثر رعبا لهذا التهديد الجديد تمثل في أن ما من أحد تقريبا أخذ ذلك على محمل الجد؛ لقد كان التهديد غريبا جدا، وبدائيا جدا ومذهلا". هكذا كانت انطباعات المسؤولين الأميركيين عن بن لادن وشبكته "الإرهابية"، وكذلك صوّرها الصحفي الأميركي لورانس رايت في كتابه بعنوان "البروج المشيدة: القاعدة والطريق إلى 11/9" (The Looming Tower: Al-Qaeda and the Road to 9/11).

سيد قطب

وأسهب رايت في الحديث عن تأثير "المفكر المصري" سيد قطب، "الذي أسهمت إقامته المؤقتة في الولايات المتحدة في إنعاش رؤيته عن الصدام بين الإسلام والحداثة، وستلهم كتاباته الجهاديين في المستقبل".

وفي "حروب الشبح"، يأسى الكاتب ستيف كول لتخلي أميركا عن أفغانستان بعدما لم تعد ساحة للحرب بالوكالة ضد روسيا.

وفي كتابه "صعود وسقوط أسامة بن لادن"، (The Rise and Fall of Osama bin Laden)، تطرّق مؤلفه بيتر بيرغن إلى لحظة وصول بن لادن إلى أفغانستان قادما من السودان في 1996، وحينئذ عرض خالد شيخ محمد عليه مخطط ضرب برجي التجارة العالمية في نيويورك بالطائرات لأول مرة.

تحذير مبكر

ويروي بيرغن في كتابه أن محللة الشؤون الاستخبارية الشابة بوزارة الخارجية جينا بينيت هي من كتبت أول مذكرة سرية تحذر فيها من خطر بن لادن في 1993.

وأثناء شروعه في مغادرة البيت الأبيض، حذر الرئيس (الأسبق) بيل كلينتون خليفته بوش الابن من بن لادن، وكذلك فعل مستشار الأمن القومي المنصرف حينذاك ساندي بيرغر مع خليفته كوندليزا رايس، وفقا لمذكرات منسق مكافحة الإرهاب السابق بالبيت الأبيض ريتشارد كلارك التي ضمنها كتابه "ضد كل الأعداء" (Against All Enemies).

لقد كان الاستنتاج الذي توصل إليه كلارك -حسب مقال واشنطن بوست- بسيطا، فقد كتب قائلا "يبدو مع الأسف أن أميركا تستجيب جيدا للكوارث فقط، ولا تعير اهتماما بالتحذيرات".

ويردف كلارك "وطننا يبدو غير قادر على بذل ما يجب عليه فعله إلى أن تحل كارثة مروّعة".

ويسرد الصحفيان جيم دواير وكيفن فلين، في كتابهما "الدقائق الـ102" (102 Minutes)، بعض الأحداث التي وقعت داخل برجي التجارة العالمية لحظة ارتطام الطائرة الأولى بهما.

يقول الكاتبان إن "ضراوة الهجمات كانت تعني حياة أو موتا للأبرياء بداخل (البرجين)؛ ذلك أن الأمر كان يتوقف على ما إذا كانوا قد ابتعدوا عن المدخل أو قفزوا نحو مصعد مغلق، أو نقلوا ثقل أجسامهم من قدم إلى أخرى".

كبار مساعدي بوش دفعوه إلى حرب العراق (الجزيرة)

ووفقا لمقال واشنطن بوست، فإن البرجين كانا يجسدان قوة الرأسمالية الأميركية، إلا أن تصميمهما كان تجسيدا "للجشع الأميركي وسخافته".

استبدّت بهم الدهشة

وفي كتابه بعنوان "الطائرة الوحيدة في السماء" (The Only Plane in the Sky)، الذي يتضمن تاريخا شفهيا لأحداث 11 سبتمبر/أيلول، يروي مؤلفه الصحفي الأميركي غاريت غراف كيف أن المسؤولين بوزارة الدفاع استبدّت بهم الدهشة إذ إن طائرة أميركان أيرلاينز اصطدمت في رحلتها رقم 77 بجزء من مبنى البنتاغون، الذي كان قد أدخلت عليه تحسينات وتعزيزات طبقا لمواصفات بناء جديدة مضادة للهجمات "الإرهابية".

ويعرج الكاتب كارلوس لوزادا في مقاله للحديث عن كتاب بوب وودورد "بوش في حالة حرب" (Bush at War) الذي تضمن الحوارات التي كان يجريها الرئيس جورج بوش الابن مع فريق الأمن القومي في إدارته.

وينقل وودورد في كتابه عن بوش قوله في أحد حواراته تلك "كان عليَّ بصفتي قائدا أعلى للقوات المسلحة أن أُظهر للشعب الأميركي العزم والصرامة اللازمين لفعل كل ما يتطلبه الأمر لتحقيق الفوز.. لا استسلام.. لا مواربة".

لا يهمني القانون

ويعيد ريتشارد كلارك في كتابه المذكور آنفا "ضد الأعداء" إلى الذاكرة ما حدث في مساء 11 سبتمبر/أيلول 2001، عندما صرخ بوش في وجه مسؤول لأنه أبلغه بأن القانون الدولي يدين استخدام القوة العسكرية كأداة للانتقام، فكان أن رد عليه بحسم قائلا "لا يهمني ما يقوله المحامون الدوليون، نحن عازمون على تنفيذ ما نريده".

لقد كانت رسالة الرئيس تلك واضحة لا لبس فيها، كما يشير مقال واشنطن بوست؛ "فالقانون يشكل عقبة أمام مكافحة الإرهاب بشكل فعال، وما يدعو للقلق أن التفاصيل الإجرائية الدقيقة أضحت بالية في عالم 11 سبتمبر/أيلول، وهي عائق مزعج إزاء تنفيذ المهام الأساسية التي نصبو إلى تحقيقها".

وعوضا عن تجاهل القانون، استعانت إدارة بوش به. وفي ذلك تقول الصحفية الاستقصائية جين ماير، في كتابها الصادر في 2008 تحت عنوان "الجانب المظلم" (The Dark Side)، إن نائب الرئيس آنذاك ديك تشيني تأكد -فور وقوع هجمات 11 سبتمبر/أيلول تقريبا- أن بعضا من أذكى المحامين وأفضلهم تدريبا في الولايات المتحدة، ممن يعملون سرا في البيت الأبيض ووزارة العدل، خرجوا بتبريرات قانونية تسوغ توسيع صلاحية الحكومة بشكل كبير لشنّ حرب على "الإرهاب".

ديك تشيني أحد كبار مساعدي بوش الذين حرضوه على حرب العراق (الفرنسية)

تبرير التعذيب

ولفهم ما يمكن أن تسوقه الحكومة الأميركية من مبررات بذريعة الأمن القومي، فلا بد من النظر إلى مذكرات التعذيب التي صدرت من مكتب المستشار القانوني لوزارة العدل بين عامي 2002 و2005، التي تجيز لوكالة الاستخبارات المركزية اتباع أساليب استجواب المشتبه بارتكابهم أعمال "إرهابية".

وتشمل تلك الأساليب الحبس في أماكن مكتظة، والحرمان من النوم، والغمر بالماء، التي أُعيد تعريفها على أنها "تقنيات استجواب معززة"، وهو تحريف قانوني ولغوي أُريد به تفادي وصفها بالتعذيب.

ويرى كارلوس لوزادا أن المحامين الذين صاغوا تلك المذكرات مكَّنوا للخروج عن القانون. وينقل عن المحامي الأميركي ديفيد كول قوله في مقدمة كتابه الذي يحمل اسم "مذكرات التعذيب: تبرير ما لا يمكن تصوره" (Torture Memos: Rationalizing the Unthinkable)، أن تلك المذكرات هي نمط من ممارسة المحاماة "بسوء نية"؛ والضحية فيه هو مبدأ سيادة القانون التي حثت لجنة 11 سبتمبر/أيلول على ضرورة الالتزام به.

دفعوه إلى حرب العراق

وفي كتابه بعنوان "بدء حرب: كيف ورّطت إدارة بوش أميركا بالعراق" (To Start a War: How the Bush Administration Took America Into Iraq)، تطرّق الصحفي الأميركي روبرت درابر إلى التأثير الذي مارسه كبار مساعدي الرئيس بوش لدفعه نحو تأجيج الحرب في العراق.

ومن بين أولئك المساعدين، نائب وزير الدفاع بول ولفوفيتز، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائب الرئيس ديك تشيني، ولكل واحد منهم أسبابه.

وفي إطار استعراضه لما ورد في الكتب الصادرة خلال العقدين الماضيين التي تتناول هجمات 11 سبتمبر/أيلول وتداعياتها، اقتبس كارلوس لوزادا بعض ما ذكره الصحفي الأميركي من أصل عربي أنتوني شديد في مؤلفه تحت عنوان "الليل يقترب: الشعب العراقي في ظل الحرب الأميركية" (Night Draws Near: Iraq’s People in the Shadow of America’s War).

من أعطاهم الحق؟

ينقل شديد في كتابه الصادر في عام 2005 عن امرأة من ضواحي بغداد سألته "ما الذي يعطي (الأميركيين) الحق في تغيير شيء لا يملكونه في المقام الأول؟".

ويعلق كاتب مقال واشنطن بوست بالقول إن الولايات المتحدة ما إن تحولت من قوة تحرير إلى قوة احتلال حتى فقدت كل شرعية كانت تتمتع بها.

ومن بين الكتب التي يستعرضها المقال، كتاب للصحفي كريغ ويتلوك بعنوان "أوراق أفغانستان" (Afghanistan Papers)، تناول فيه التناقض الصارخ بين واقع الحرب والتصريحات المتعلقة بها.

ستظل باقية

وقال في هذا الصدد إن "المسؤولين الأميركيين ما كانوا بحاجة إلى الكذب أو اللجوء إلى اللف والدوران لتبرير الحرب".
فثمة كتابان، أحدهما بعنوان "عهد الإرهاب" (Reign of Terror) لمؤلفه سبنسر أكيرمان، والآخر تحت اسم "أدوات خفية" (Subtle Tools) للمؤرخة الأميركية كارين غرينبيرغ، توصلا فيه إلى نتيجة واحدة مفادها أن 11 سبتمبر/أيلول "ستظل باقية بيننا ولا نزال نعيش في أطلالها".

وفي كتاب "الحرب الأبدية" (The Forever War)، يصف المؤلف دكستر فيلكينز دولة -يقصد أفغانستان- بأن "شيئا ما فيها قد انكسر بشكل جذري بعد سنوات عدة من الحرب، وأن هناك اختلالا أساسيا ما، بين السبب والنتيجة".

ويعلق كارلوس لوزادا في خاتمة مقاله بواشنطن بوست على العبارة التي وردت في الكتاب السابق بالقول إن دكستر فيلكينز قصد بها أفغانستان، لكن كلماته لها معنى مزدوج آخر فيمكن تأويلها على أنها قد تنسحب على الولايات المتحدة في العقدين الماضيين.

المصدر : واشنطن بوست

حول هذه القصة

أفادت صحيفة واشنطن بوست بأن الجنود الأميركيين الذين قتلوا في التفجير الانتحاري الدامي في مطار كابل الخميس الماضي كانوا أطفالا عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن.

30/8/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة