بعد ربع قرن من مقاومة طالبان.. لماذا لم تصمد بنجشير هذه المرة؟

بعد مقتل أحمد شاه مسعود أهمل قادة "تحالف الشمال" التعبئة الداخلية والمجتمعية والاهتمام بالعلماء والزعماء الشعبيين والقبليين، حتى تولد الإحباط لدى الزعامات المحلية وعلماء الدين، وعززه مقتل عشرات القيادات المجتمعية والدينية خلال السنتين الماضيتين.

حشود في بنجشير تجمعت في وداع القائد أحمد شاه مسعود عقب مقتله في تفجير انتحاري في التاسع من سبتمبر/أيلول 2001 (غيتي)
حشود في بنجشير تجمعت في وداع القائد أحمد شاه مسعود عقب مقتله في تفجير انتحاري في التاسع من سبتمبر/أيلول 2001 (غيتي)

بعد سقوط العاصمة الأفغانية كابل بيد حركة طالبان منتصف أغسطس/آب المنصرم، توجهت الأنظار إلى ولاية بنجشير، التي تبعد ما يزيد على 100 كيلومتر إلى الشمال الشرقي للعاصمة كابل.

إذ إنها استعصت على حركة طالبان التي أطاح بها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة نهاية عام 2001، لكن مع عودة طالبان مؤخرا أُعلن أن أمر الله صالح نائب الرئيس الأفغاني لاذ إليها مع مجموعة من أركان الحكومة السابقة المنتمية إلى العرقية الطاجيكية.

أما طالبان فلم تتأخر في التوجه إلى بنجشير لإحباط تحالف مناهض لها، قيد التشكل، يقوده أحمد مسعود نجل أحمد شاه مسعود وزير دفاع حكومة المجاهدين التي أطاحت بها طالبان عام 1996.

ويسعى أمر الله صالح إلى تكرار سيناريو الاحتفاظ بالشرعية الدولية، التي تمثلت حينها في الرئيس برهان الدين رباني، إلى أن اختير حامد كرزاي خلفا له في مؤتمر بون في ديسمبر/كانون الأول 2001.

الملاذ الأخير

لا شك أن قادة التحالف الجديد في بنجشير -الذي أطلقت عليه "الانتفاضة الشعبية"- عولوا على معيارين مهمين في التصدي لحكم طالبان الجديد: تضاريس الوادي (الذي يقدر طوله بنحو 75 كيلومترا)، التي تجعل منه حصنا منيعا أمام الغزاة، ثم التمايز العرقي لشعبه من عرقية الطاجيك (نحو 98%) مقابل هيمنة البشتون على حركة طالبان.

وأثبت أحمد شاه مسعود جدارة كبيرة في استغلال طبيعة الوادي في التكتيكات العسكرية لصد القوات السوفياتية في ثمانينيات القرن الماضي، ومن بعده قوات حركة طالبان، التي أخفقت في التخلص من جيب بنجشير؛ فشكلت تضاريس الإقليم ملاذا آمنا لتحالف الشمال وقادته، ومنه انطلقت قواتهم لدخول كابل بغطاء جوي من قوات التحالف الدولي.

لكن العامل الميداني اختلف كثيرا بين عامي 2001 و2021؛ فبينما كان ظهر قوات تحالف الشمال محميا بسيطرته على ولايتي بدخشان وتخار المحاذيتين للوادي من جهة الشمال، فإن توسع طالبان الأخير بدأ من الشمال، ودخلت قواتها من بوابة الوادي الخلفية الوعرة. ولعلها استفادت من حروبها السابقة بتجنب خسائر كبيرة في الأرواح بمحاولاتها اقتحامه من المضيق الضيق الذي يربطه بولاية كابيسا باتجاه كابل.

خسرت قوات بنجشير الجديدة طرق الإمداد الخارجي من طاجيكستان وإيران، بحكم سيطرة طلبان على الحدود والمعابر، وكانت سلمت معداتها العسكرية الثقيلة للحكومة التي كانت ترى فيها حكومتها.

وشغل خليفة "أحمد شاه مسعود" في تحالف الشمال الجنرال محمد قسيم فهيم منصب وزير الدفاع الأفغاني، وقائده العسكري بسم الله خان قائدا للجيش، ثم وزيرا للدفاع، وكذلك أمر الله صالح الذي تولى رئاسة المخابرات ثم أصبح نائبا للرئيس.

أما على مستوى جاهزية الأفراد، فإن قوات مسعود الابن لم تعد بتلك الجاهزية كما كانت في عهد والده؛ إذ دخلوا في حروب متواصلة مع السوفيات والحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار إلى أن وصلوا إلى مواجهة طالبان.

أما المجاهدون الذين حافظوا على ولائهم لمسعود فقد هرِموا، ولم تجدد قواته شبابها، خلافا لحركة طلبان التي بات لديها معين لا ينضب من الشباب، لا سيما خريجي المدارس الدينية.

وعرقيا، خسرت قيادات بنجشير جمهورها الطاجيكي على مدى 20 سنة من التحالف مع القوات الأميركية، وما صاحبها من صراع على المناصب وانتشار للفساد، وارتفعت النعرة البنجشيرية على حساب الطاجيكية، حتى فقدت تعاطف الطاجيك في الولايات الأخرى، مثل ولايات الشمال في مزار شريف، والغرب في هرات وما حولها.

أحمد مسعود ابن القائد أحمد شاه مسعود (رويترز)

أزمة قيادة

وكانت "الكاريزما" التي تمتع بها أحمد شاه مسعود (الأب) كافية لتهميش دور أي قيادي من بعده، بداية من الجنرال فهيم حتى ابنه أحمد مسعود، وأهمل قادة تحالف الشمال التعبئة الداخلية والمجتمعية والاهتمام بالعلماء والزعماء الشعبيين والقبليين، حتى تولد شعور بالإحباط لدى الزعامات المحلية وعلماء الدين.

وعزز هذا الإحباط مقتل عشرات القيادات المجتمعية والدينية خلال السنتين الماضيتين، واتهام أمر الله صالح بخبرته الاستخباراتية بالوقوف وراء ما وُصفت بـ"التصفيات الممنهجة". ولذلك فإن علماء الدين الطاجيك أحجموا عن تأييد حركة الانتفاضة الشعبية في مواجهة طالبان، ودعوا للصلح والسلام والحوار بوصفه خيارا وحيدا لحل المشاكل.

بدا أحمد مسعود (الابن) وحيدا في معركته مع طالبان، وعدّه زعماء آخرون من عرقية الطاجيك لعبة بيد عمه أحمد ضياء مسعود نائب الرئيس في عهد حامد كرزي، وسط شكوك في أن مسعود التقى القادة الطاجيك الذين اختفوا عن الأنظار مثل بسم الله خان وأمر الله صالح وعطا نور محمد الذي كان يعرف برجل الشمال القوي في مزار شريف.

ولم تطور القيادة البنجشيرية الجديدة علاقاتها بزعماء العرقيات الأخرى مثل الأوزبك والتركمان والبشتون، خلافا لمسعود الأب الذي كان تحالفه معهم عضويا، مثل عبد الرشيد دوستم (الأوزبك)، وكريم خليلي (الهزارة)، وإسماعيل خان (هرات)، وعبد الحق القائد البشتوني الذي كان مرشحا لرئاسة أفغانستان لكنه قُتل قبل سقوط كابل بأيام على أيدي التحالف الدولي عام 2001.

أما طالبان فقد حظيت -قبل وصولها إلى كابل- بتأييد كبير في الولايات ذات الأغلبية غير البشتونية في الشمال والغرب والوسط، وذلك بالسيطرة عليها قبل الولايات الجنوبية والشرقية ذات الأغلبية البشتونية.

الدعم الدولي

فقدت القيادة البنجشيرية الجديدة الدعم الدولي الذي حظيت به في عهد حكومة الراحل برهان رباني. وعلى أبواب معركة بنجشير الأخيرة أعلنت الولايات المتحدة أنها لن تتدخل في أمر السلطة الجديدة في أفغانستان، وتذرعت بالالتزام بما تعهدت به في اتفاقية الدوحة مع طالبان، التي لا تسمح لواشنطن بالتدخل في شؤون أفغانستان الداخلية.

والأمر كذلك بالنسبة لبريطانيا التي لم تبدِ أية رغبة في دعم طرف في أفغانستان، واكتفت بالانتظار إلى أن تستقر الأمور لحساب من يمكن التعامل معه وفق الأمر الواقع.

لم تبق سوى فرنسا التي حاولت إقناع العالم الغربي بالرهان على أحمد مسعود، وتولى الترويج له برنارد لويس، لكن تدخل لويس اليهودي الفرنسي -"المعروف بعدائه للإسلام، وفق ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي"- كان له أثر سلبي كبير على شعبية مسعود والقيادة البنجشيرية.

وقوبلت شروط مسعود للتفاوض ووقف القتال ببرود غربي واضح، ولم تدعمها دول الجوار، علاوة على مسارعة طالبان إلى رفضها، فقد بدت غير منطقية من قبل طرف مهزوم.

واشترط مسعود حصة 30% من الحكومة المقبلة للطاجيك، والتنسيق مع قيادة الانتفاضة الشعبية في التعيينات الإدارية والسياسية المقبلة، وامتناع قوات طالبان عن دخول بنجشير، ومنح المناطق غير البشتونية حكما ذاتيا.

وبحسم معركة بنجشير، لم يعد أمام فرنسا، الوحيدة التي أعلنت تأييدها لمسعود، سوى التعامل مع الوضع الراهن في أفغانستان. وفرضت طالبان واقعا جديدا على دول الجوار، لا سيما تلك التي بدت مترددة في التعامل معها كطاجيكستان ودول وسط آسيا، التي يُعتقد أن كثيرا من أركان النظام السابق فروا إليها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يعتبر وادي بنجشير أحد أشهر مناطق أفغانستان منذ الغزو السوفياتي إلى اليوم، فقد كان ساحة لأشهر المعارك. واليوم يعود إلى واجهة الأحداث بعد رفض أهله سيطرة طالبان عليه، وقد عجزت الحركة عن ذلك عام 1996.

3/9/2021

قال مصدر في حركة طالبان للجزيرة إن الحركة قررت شنّ عملية عسكرية واسعة في ولاية بنجشير، بعد فشل المفاوضات مع زعيم ما تسمى “الانتفاضة الشعبية” أحمد مسعود، بعد تقديمه شروطا تعدّها الحركة غير منطقية.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة