المشيشي وجه رسالة لها عبر الجزيرة نت.. رئيسة حكومة تونس أمام امتحان الشرعية

اعتبر سياسيون أن تعيين الرئيس امرأة وتغليف خرقه للدستور عبر اللعب على الوتر الجندري وملف المساواة بين المرأة والرجل، خطة مكشوفة لا يمكن أن تنفي عن الرئيس صفة الانقلاب وتطعن في شرعية الحكومة القادمة برمتها.

تعيين نجلاء بودن رئيسة للحكومة أثار جدلا واسعا حول شرعية التعيين والهدف منه (مواقع التواصل الاجتماعي)

تونس – أثار تكليف الرئيس التونسي قيس سعيد خبيرة الجيولوجيا نجلاء بودن على رأس الحكومة بعد نحو شهرين من شغور المنصب، تساؤلات عدة طرحها سياسيون وخبراء في القانون متعلقة بشرعية هذا التعيين، الذي يأتي على إثر تدابير استثنائية أعلنها الرئيس، يصفها خصومه بأنها انقلاب على الدستور.

وجاء في بيان الرئاسة أنه "عملا بأحكام الأمر الرئاسي عـدد 117 لسنة 2021 المؤرخ في 22 سبتمبر/أيلول 2021 المتعلق بتدابير استثنائية وخاصة على الفصل 16 منه، كلّف رئيس الجمهورية قيس سعيّد، (أمس) الأربعاء، السيدة نجلاء بودن حرم رمضان بتشكيل حكومة، على أن يتم ذلك في أقرب الآجال".

احتفاء نسوي

واحتفت نخب حقوقية نسوية بتعيين أول امرأة في تاريخ تونس والعالم العربي في منصب رئاسة الحكومة، إذ اعتبرت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات نائلة الزغلامي في تصريح لوسائل إعلام محلية أن هذا التكليف هو مطلب طالبت به المنظمة منذ أول لقاء جمعها بقيس سعيد.

وثمنت جمعية "أصوات نساء" الخطوة، معبرة عن أملها في أن يتواصل "النفس المناصر لتكليف النساء التونسيات بمناصب قيادية داخل الدولة التونسية عبر ضمان التناصف التام بين أعضاء وعضوات الحكومة الجديدة".

وفي أول تصريح له منذ تقديمه استقالته، قال رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي للجزيرة نت إنه "يتمنى كل التوفيق والنجاح للسيدة نجلاء بودن في مهمتها على رأس الحكومة".

وعبّر عن أمله في أن تتمكن خليفته في الحكومة من الاستجابة لآمال التونسيين في ظل ظرف اقتصادي واجتماعي صعب تمر به البلاد.

من جانبه، رحب الاتحاد التونسي للشغل بهذا التكليف، ووصف الأمين العام المساعد للمنظمة الشغيلة سمير الشفي في تصريح إعلامي محلي الخطوة بأنها "رسالة قوية جدا للمرأة التونسية وقدرتها على تحمل المسؤولية على رأس الدولة".

ووصفت "حركة تونس إلى الأمام" تعيين نجلاء بودن في منصب رئيس الحكومة بأنها خطوة تاريخية "تسقط كل حملات التّشكيك في مصير الحريات الفردية والعامة"، و"تؤكد الاتّجاه نحو المساواة الفعلية بين الجنسيين".

مأزق دستوري

على صعيد آخر، فتح التعيين نقاشا دستوريا حول شرعية هذا التكليف، حيث عبّرت قيادات سياسية ونشطاء عن رفضهم له، متهمين الرئيس قيس سعيد بممارسة التوظيف الجندري (الجنسي) للتغطية على انقلابه على الشرعية الدستورية.

وعلق رياض الشعيبي المستشار السياسي لرئيس حزب حركة النهضة في تدوينة على التكليف، قائلا "أن يتخفّى الانقلاب وراء امرأة، لن يستطيع أن يستر جريمته، رغم احترامنا وتقديرنا لكل نساء تونس".

وفي حديثه للجزيرة نت، طرح القيادي في التيار الديمقراطي لسعد الحجلاوي تساؤلات حول قدرة الحكومة القادمة التي ستقودها نجلاء بودن على حل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

ولفت إلى أن الحكومة القادمة ستواجه أزمة أخرى أكثر عمقا تتعلق بإثبات شرعيتها في الداخل، في ظل تصاعد الأصوات المعارضة لإجراءات الرئيس وتوصيفها بالانقلاب، وأمام الأطراف الدولية وشركاء تونس في الخارج.

وأشار الحجلاوي إلى وقوع الرئيس في مأزق قانوني ودستوري بتنصيصه في الأمر الرئاسي (117) على أنه هو من يعين كل أعضاء الحكومة، ثم يطالب خلال لقائه برئيسة الحكومة المكلفة بأن تشكّل هي الحكومة في أقرب الآجال.

وتساءل هل ستؤدي رئيسة الحكومة الجديدة قسم اليمين على الدستور الذي عطله الرئيس أم على الأمر الرئاسي؟ واصفا الأمر بالمأزق الدستوري والقانوني. وشدد على أن موضوع تكليف امرأة على رأس الحكومة لا يمكن أن يكون محل احتفاء، وأن الأصل هو الكفاءة بعيدا عن التوظيف السياسي ودغدغة المشاعر النسوية.

وفي سياق متصل، شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال اتصال هاتفي مع الرئيس قيس سعيد "على ضرورة العودة إلى الديمقراطية البرلمانية في حوار مع جميع الفاعلين السياسيين".

وجاء في البيان الذي نشرته السفارة الألمانية بتونس أن المستشارة الألمانية أشادت بالإنجازات الديمقراطية التي حققتها تونس في الماضي، مشددة على أهمية المكتسبات الديمقراطية لاستقرار وازدهار البلاد.

رئيسة حكومة أم وزيرة أولى؟

ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير في الإدارة الأميركية أن مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان حث في محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على العودة للنظام الدستوري في تونس.

من جانبه، قال القيادي المستقيل حديثا من حزب حركة النهضة محمد بن سالم في تصريح للجزيرة نت إنه كان يأمل أن يكون تعيين أول امرأة في تاريخ تونس على رأس الحكومة في ظروف سياسية أفضل، وتتم تزكيتها بشكل طبيعي في البرلمان وفق مقتضيات الدستور.

وأكد بن سالم أن تعيين الرئيس لامرأة وتغليف خرقه للدستور عبر اللعب على الوتر الجندري وملف المساواة بين المرأة والرجل خطة مكشوفة لا يمكن أن تنفي عن الرئيس صفة الانقلاب وتطعن في شرعية الحكومة القادمة برمتها.

وأضاف بن سالم "شخصيا أشفق على السيدة نجلاء بالنظر لثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها، وعدم اعتراف الداخل والخارج بشرعية حكومتها". وتساءل هل ستقوم بودن بمهامها بصلاحيات رئيس حكومة أم ستخضع لإملاءات وتوجيهات الرئيس وتصبح بمقام الوزير الأول؟

وثمن حزب تونس الإرادة في بيان اختيار امرأة على رأس الحكومة، مشيرا إلى أنها من حيث المبدأ خطوة جديدة نحو تمكين الكفاءات النسائية، لكنه اعتبر أن هذا التعيين غير قانوني ويستند لأمر غير دستوري.

وحث الحزب نجلاء بودن على رفض التكليف بحجة أنها ستشارك في حكومة غير شرعية لا تستند للدستور بل لأمر رئاسي علق عمل الدستور وأعطى الرئيس لنفسه صلاحيات مطلقة.

المصدر : الجزيرة