فورين بوليسي: على الرئيس التونسي إسراع الخطى وإلا فإن الإعصار الشعبي ينذر بابتلاعه

فورين بوليسي: قيس سعيّد احتفظ لنفسه بالحق في حكم البلاد بمراسيم رئاسية وألغى الجهة المنوط بها التحقق من مدى دستورية أي مرسوم (الفرنسية)

أفادت مجلة "فورين بوليسي" (Foreign Policy) الأميركية بأن تونس تواجه جملة من الخيارات القاتمة، وأنها عالقة بين برلمان عاجز مهيض الجناح ورئيس ما انفك يزداد استبدادا.

ولفتت فورين بوليسي -في تقرير كتبه سايمون سبيكمان كودال، وهو صحفي مستقل مقيم في تونس- إلى أن الرئيس التونسي قيس سعيّد احتفظ لنفسه بالحق في حكم البلاد بمراسيم رئاسية، كما ألغى الجهة المنوط بها التحقق من مدى دستورية أي مرسوم.

وفي مقابلة أجراها كودال مع بعض الشبان التونسيين، قال أحدهم (ولم يشأ أن يذكر اسمه) إن الرئيس ليس من حقه أن يقرر نيابة عن 12 مليون شخص، وإن "عليه أن يكف عما يقوم به ويحترم شعبه".

الإعصار الشعبي

ومهما كان ما يفعله الرئيس -كما يقول كودال- فعليه أن يسرع الخطى، وإلا فإن "الإعصار الشعبي" -الذي كان قد دعا له في 25 يوليو/تموز الماضي- ينذر بابتلاعه، في وقت حُرم فيه التونسيون من التوظيف أو التطور الاقتصادي أو أي إحساس بما يخبئه المستقبل لهم.

وأضاف أنه وفي غضون شهرين منذ أن حل سعيد البرلمان، وأقال رئيس الوزراء هشام المشيشي، ومنح نفسه صلاحيات تنفيذية كاملة، احتدم الجدل حول المستقبل السياسي للبلاد.

وسأل الكاتب مواطنا تونسيا يُدعى ياسين خازية (30 عاما) يعمل بائع أجهزة إلكترونية في العاصمة تونس؛ عما إذا كان يفضل الرئيس أو الاحتجاج ضده؟ فأجابه بأنه لا يكترث للأمر "لكن إن كان عليَّ أن أختار، فسأختار الرئيس".

رغبة في مغادرة البلاد

وبرر ذلك بالقول إن السياسيين ظلوا طوال 10 سنوات يسرقون البلاد، زاعما أنه ليس في هذه البلاد شيء حسن، وأن كل ما يرغب فيه هو مغادرتها.

وأشار كودال إلى أن خازية -عندما التقاه- كان يخبئ تحت طاولة محله في قلب العاصمة قنينة كيروسين لاستخدامها في التهديد بإضرام النار في نفسه إذا حاولت الشرطة مصادرة بضائعه أو إجباره على الانتقال من المكان الذي يقيم فيه "كشكه".

وانتقل الصحفي المستقل إلى الحديث عن قرار سعيد تعيين نجلاء بودن رئيسة للوزراء، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تونس، ويرى أنه لم يتضح بعد مدى التأثير الذي قد تتمتع به أي حكومة على الرئيس "صعب المراس".

تمهيد لانتكاسة في حقوق الإنسان

ولا يزال القلق يساور جماعات حقوق الإنسان، وتقول آمنة القلالي من منظمة العفو الدولية إن "هذا الانجراف نحو الاستبداد" يمهد الطريق ربما لحدوث انتكاسة في حقوق الإنسان والحريات في تونس.

وتضيف القلالي أنه رغم تعهد الرئيس قيس سعيّد باحترام حقوق الإنسان، فإن الافتقار إلى ضوابط وتوازنات الساحة يضعف بطبيعته حماية تلك الحقوق.

وتردف قائلة إن هناك العديد من المؤشرات التي تدل على النكوص عن حماية حقوق الإنسان، مثل حظر السفر التعسفي، وفرض الإقامة الجبرية، وإحالة مدنيين إلى المحاكم العسكرية بدل القضاء المدني.

تشكيك في التأييد الشعبي

ورغم الطابع "المتعسف" الذي ينتهجه في الإمساك بزمام الأمور، فإن التأييد الشعبي لسعيّد يظل كبيرا، هذا إذا صحت استطلاعات الرأي الأخيرة، "وهناك من الأسباب المشروعة ما يدعو للتشكيك في صحتها"، على حد تعبير التقرير.

وطبقا للكاتب، فمن المفهوم أن هناك من الأسباب ما قد يحمل التونسيين على تأييد قرار سعيّد حل البرلمان؛ فالدعوات المتفائلة المطالبة بالتوظيف والحرية والكرامة -بعد مرور 10 سنوات على الثورة الشعبية- تجاهلها إلى حد كبير برلمان "يُعتقد أنه لم يعد مهتما بالبلد الذي انتُخب لحكمه".

وتغاضى سعيّد حتى الآن عن تحذيرات مجموعة السبع، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بضرورة استعادة النظام الديمقراطي. ويشير التقرير إلى أن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لمنح تونس قرضا بقيمة 4 مليارات دولار ما تزال متوقفة، وتركيز الرئيس على الاقتصاد يظل خاضعا بالكامل لمشروعه السياسي.

اضمحلال التفاؤل

إن الوقت على المدى القصير في صالح قيس سعيّد، كما يزعم كودال؛ فالناس ينعمون في الوقت الراهن بمتنفس من جائحة كوفيد-19، والأمل بأن تشهد البلاد بداية جديدة، وفق يوسف شريف رئيس مراكز كولومبيا العالمية-فرع تونس (Columbia Global Centers-Tunis).

بيد أن هذا التفاؤل يتضاءل في ظل تأثير الاقتصاد، ووفقا ليوسف شريف فإن أمل تونس الوحيد يكمن في دخول جماعات حقوق الإنسان، والنقابات ومؤسسة الرئاسة في حوار.

لكنه يرى أن أي منتدى للحوار قد لا يرى النور في أي وقت قريب، في ظل احتمال أن تمتد محاولات تشكيل حكومة جديدة لشهور.

ويخلص سايمون كودال إلى أن قيس سعيد يقبع في الوقت الراهن داخل قصره في قرطاج القديمة مثل "أبي الهول"، مدركا تماما للتركة التي خلّفها وراءهم المستبدون السابقون، ويفكر مليا من دون أدنى شك في المخاطر التي تنتظر من سيأتي بعده.

المصدر : فورين بوليسي

حول هذه القصة

 رغم إعلان الرئيس التونسي قيس سعيد تكليفه الأكاديمية نجلاء بودن بتشكيل حكومة جديدة بعد أكثر من شهرين على اتخاذه التدابير الاستثنائية، فإن هذا الإجراء لم يطفئ كل بواعث قلق التونسيين.

وقع 73 نائبا في البرلمان التونسي، من جملة 217 نائبا، بيانا رفضوا فيه القرار الرئاسي 117 واعتبروه “في حكم العدم”، في حين كلف الرئيس قيس سعيد امرأة بتشكيل الحكومة الجديدة، وقوبل قراره بمواقف حذرة.

Published On 30/9/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة