40 عاما على أشهر حملة اعتقالات في تاريخ مصر في سبتمبر 1981

حملة الاعتقالات سبقت حادث اغتيال الرئيس السادات خلال عرض عسكري بنحو شهر (مواقع التواصل)

القاهرة – في يونيو/حزيران 1981 شهدت مصر أحداث فتنة طائفية، بدأت بشجار شخصين في حي الزاوية الحمراء بالعاصمة القاهرة وتحولت إلى أحداث دامية مؤسفة، وهي الوقائع التي اتخذها الرئيس الراحل أنور السادات -بعد أشهر- ذريعة لاعتقالات سبتمبر/أيلول الشهيرة، لكن شهادات لاحقة لمقربين منه اعتبرت أن الاعتقالات كانت تهدف بالأساس إلى استقرار الجبهة الداخلية من أجل إتمام انسحاب إسرائيل من سيناء.

في أغسطس/آب 1981، زار السادات واشنطن، وإذا به يواجه بعاصفة من أسئلة الصحافة الأميركية عن المشاكل الداخلية في مصر بما فيها الفتنة الطائفية، وفي تلك الأثناء نشرت جمعيات قبطية في الولايات المتحدة إعلانا في صحف شهيرة هناك، تتحدث فيه عما وصفته بمضايقات يلقاها الأقباط في مصر، كما نظمت هذه الجمعيات مظاهرات ضد السادات أيضا.

يقول الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل في كتابه المثير للجدل "خريف الغضب.. بداية ونهاية عصر السادات" إن السادات استقبل وزير الداخلية النبوي إسماعيل، واستقبل أيضا رئيس المخابرات العامة، كما شعر وزير شؤون رئاسة الجمهورية منصور حسن -المقرب من السادات- أن شيئا ما يتم التخطيط له، وأحس أن السادات سوف يقوم بإجراءات عنيفة ليضع حدا لحالة التمرد والعصيان التي كان يشعر بوجودها، وحاول منصور أن يقابل السادات ولكن دون جدوى.

آلاف المعتقلين

وبعد أسبوع واحد من عودة السادات من واشنطن، بدأت حملة الاعتقالات فجر الثالث من سبتمبر/أيلول، وتقول جريدة المصري اليوم إن الرقم الرسمي للمعتقلين الذي أعلنه السادات هو 1536 شخصا، لكن مصادر من شهادات بعض المعتقلين -من الإسلاميين واليساريين- أكدت أن المتحفظ عليهم ربما كانوا بالفعل عدة آلاف، وأن الرقم الرسمي المعلن ربما كان حصيلة اعتقالات أول 3 أيام فقط، لكن حملات الاعتقال كانت قد بدأت بالفعل منذ أبريل/نيسان 1981 واستمرت حتى العام التالي.

أما هيكل وهو أحد أبرز الصحفيين المصريين في ذلك الوقت، واشتهر بكتاباته المناوئة للسادات وكان من بين المعتقلين في تلك الموجة، فيقدر عدد المعتقلين بنحو 3 آلاف قائلا "كانت هناك أسماء جديدة تضاف إلى القائمة كل دقيقة، كانت بعض الاعتقالات بين صفوف الشباب من الطلبة وأعضاء الجمعيات الدينية السهلة نسبيا، ولكن اعتقالات بعض الساسة والمثقفين وعدد من القيادات الدينية من المسلمين والمسيحيين جرى تخطيطها بعمليات شبه عسكرية، سواء في التوقيت أو في بعض الإجراءات".

ويضيف هيكل أن أبواب السجون فتحت لتستقبل رموز التيارات الدينية والسياسية والفكرية والصحفية في مصر، بالإضافة لكل من فتح فمه ولو بكلمة ضد معاهدة كامب ديفيد (التي عقدتها مصر مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة عام 1978)، أو ضد الفساد، أو ضد استغلال القضية الطائفية في مصر.

تضمنت قائمة المعتقلين قائمة طويلة تضم إضافة إلى هيكل كلا من صلاح عيسى، وأبو العلا ماضي، وعبد المنعم أبو الفتوح، ومحمود أمين العالم، ومصطفى بكري، والدكتور ميلاد حنا، وشاهندة مقلد، ونوال السعداوي، وكرم زهدي إضافة إلى البابا شنودة رأس الكنيسة القبطية في مصر آنذاك.

السادات وعن يمينه نائبه حسني مبارك الذي خلفه في الرئاسة لاحقا (مواقع التواصل)

انتهى عصر السادات

ووفقا لجريدة الأهرام، يقول النائب البرلماني والقطب الناصري كمال أحمد إن هيكل (الذي كان أبرز الإعلاميين المقربين من الرئيس السابق جمال عبد الناصر) فوجئ بالقبض عليه، ولم يكن يتصور أن الرئيس الراحل السادات يصل به حد الخلاف إلى مرحلة الاعتقال، لرغبته في إخماد الأصوات المعارضة لاتفاقية السلام ضمانا لعدم حدوث أي مشكلة مع إسرائيل تعرقل انسحابها من شبه جزيرة سيناء.

ويضيف كمال أحمد أن هيكل أكد له داخل المعتقل أن عصر السادات انتهى، وأن ما فعله سيقضي عليه لأنه -من وجهة نظر الكاتب الصحفي الخبير- عندما تغلق المنافذ ولغة الحوار يصبح الطريق ممهدا للغة أخرى وهي العنف، متنبئا باغتيال السادات.

خطاب السادات

في خطابه أمام مجلس الشعب في 5 سبتمبر/أيلول، أعلن السادات أن هذه الإجراءات ضرورية لأن عناصر معينة تهدد وحدة وأمن البلاد، واستند إلى المادة 74 من الدستور لتبرير الاعتقالات، وتعطي هذه المادة الرئيس -في حالات الطوارئ- سلطة تعطيل كل الضمانات الدستورية، واتخاذ أي إجراءات لمواجهة حالة الطوارئ المفاجئة، كما ألغى قرار تعيين الأنبا شنودة في منصب بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.

خلال الخطاب، قرر السادات حظر استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية على حد وصفه، وحظر استغلال دور العبادة لهذا الغرض، وقرر التحفظ على بعض الأشخاص الذين هددوا الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو سلامة الوطن، والتحفظ على أموال بعض الهيئات والمنظمات والجماعات والجمعيات، وإلغاء التراخيص الممنوحة بإصدار بعض الصحف والمطبوعات مع التحفظ على أموالها ومقارها، وانتقد السادات -خلال خطابه- أسماء بعض من اعتقلهم، لا سيما البابا شنودة.

ثم عقد السادات مؤتمرا صحفيا -في مسقط رأسه في قرية ميت أبو الكوم- حيث انفعل أمام أسئلة الصحفيين الأجانب، خصوصا عندما سألته مندوبة محطة أميركية عما إذا كان قد أخطر الرئيس الأميركي رونالد ريغان بهذه الاعتقالات خلال زيارته لواشنطن، ففقد السادات أعصابه، وقال "لو لم نكن في بلد حر لأخرجت مسدسي وضربتك بالنار"، وفقا لكتاب خريف الغضب الذي أرّخ فيه هيكل لتلك المرحلة.

ثورة جديدة

في 6 سبتمبر/أيلول، صدرت الصحف القومية بتفاصيل خطاب السادات، واصفة قراراته بأهم وأخطر الخطابات التي ألقاها منذ تولى قيادة مصر، وأنه كشف بوضوح عن الظروف التي أحاطت بالفتنة الطائفية، وسمتها جريدة الأهرام بـ"ثورة العمل الداخلي" وتنبأت صحيفة الجمهورية بثورة جديدة للسادات، وفي جريدة الأخبار، برر موسى صبري -المقرب من السلطة- قرارات السادات بأنها "لضرب الفتنة".

ويذكر صلاح عيسى -في كتابه "شخصيات لها العجب"- أن الحملة الدعائية المصاحبة لاعتقالات سبتمبر/أيلول كانت أن المعتقلين يخططون لتفجير فتنة طائفية، في حين أن الدافع -وفقا للرأي الآخر- هو إعادة الاستقرار للجبهة الداخلية حتى لا تستغل إسرائيل الموقف وترفض الانسحاب من سيناء.

وينقل عيسى عن مقال وصفه بـ"خطير وشهير" للصحفي أنيس منصور -الكاتب الأكثر التصاقا بالسادات في سنواته الأخيرة- أن الأخير وصل إلى ذروة توتره وفقد السيطرة على أعصابه تماما، بحيث تحول هو نفسه إلى العامل الأكبر من عوامل التوتر الذي ساد الحياة العامة المصرية في تلك الأيام الكئيبة، فتحول الأمر إلى ما يشبه الخصومة الشخصية بينه وبين معارضيه.

معاملة كريمة

المثير أن السيدة جيهان السادات زوجة الرئيس الراحل قالت إنها حزنت لقرارات الاعتقال، لأنها جعلت من المعتقلين أبطالا، على حد وصفها، وأن أغلب المعتقلين من الجماعات الإسلامية، مضيفه أن السادات أكد لها أنه فعل ذلك "كي يحمي مصر، حتى لا تتحجج إسرائيل بأن الشعب ليس معه"، وأنه قال إنه عندما يستلم أرضه في 25 أبريل/نيسان التالي سيفرج عن الجميع.

وقالت جيهان -في لقاء تلفزيوني مع الإعلامي أحمد موسى في برنامجه "على مسؤوليتي"- إن المعتقلين كانوا يعاملون معاملة كريمة للغاية، وبعد اغتيال الرئيس تقول إنها اعتقدت أن هذه الجماعات الإسلامية كانت ستستولي على الحكم لو لم يعتقلهم السادات.

كان مضطرا

ويقر الدكتور محمد عبد اللاه -رئيس جامعة الإسكندرية الأسبق- أن السادات تأثر بزيارته لأميركا، وأن إسرائيل أبلغت الرئيس الأميركي أن الرأي العام المصري ضد اتفاقية السلام، وعندما عاد السادات إلى مصر أخبره أنه اتخذ هذه الإجراءات مضطرا.

ويؤكد عبد الله -في لقاء تليفزيوني- ما ذكرته جيهان السادات وأن الرئيس أبلغه أنه سيفرج عن كل المعتقلين عقب إتمام الانسحاب الإسرائيلي من سيناء.

اغتيال السادات

في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1981، تم اغتيال السادات خلال عرض عسكري في احتفالات نصر أكتوبر/تشرين الأول، وسط وزرائه وقادة الجيش، ووصل الخبر للمعتقلين داخل السجون.

وفي حين اعتبر هيكل -المناوئ للسادات- أن "الجماهير المصرية شعرت بالهدوء أكثر مما شعرت بالقلق حينما سمعت باغتيال السادات"، اعتبر الكاتب الراحل أنيس منصور -الذي كان مؤيدا للسادات- أنه "من سخافات المصريين" أنهم لم يكتفوا باغتيال عظيم من أكبر عظمائهم وهو أنور السادات، بل فاتهم أن يجعلوه مجرما، على حد قوله.

ويضيف منصور -في مقال نشرته جريدة الشرق الأوسط في أكتوبر/تشرين الأول 2010- أن السادات بطل الحرب وبطل السلام، "يعد نموذجا رفيعا للرجل الذي نصر شعبه وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، هناك من لا يعرف، ومن لا يهمه أن يعرف، ومن يحقد عليه حيا وميتا".

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة

حول هذه القصة

محمد أنور السادات

انتقد كرم زهدي أحد زعماء تنظيم الجماعة الإسلامية اغتيال الرئيس المصري السابق أنور السادات عام 1981، وقال إنه ما كان ينبغي لجماعته أن تنفذ هذه العملية. وأكد زهدي أنه يعتبر السادات وكل من سقط في المواجهات بين التنظيمات الإسلامية والشرطة شهداء ما سماه قتال الفتنة.

Published On 15/7/2003
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة