بين تحذيرات اليمين المتطرف والحسابات الانتخابية.. مخاوف أوروبية من موجة هجرة جديدة قادمة من أفغانستان

آلاف الأفغان احتشدوا بمطار كابل قبل انسحاب القوات الحكومية هربا من حكم طالبان (الجزيرة)

لندن – فجر الوضع الجديد في أفغانستان، خلافات أوروبية، حول طريقة توزيع المهاجرين الذين تم إجلاؤهم بين الدول الغربية، وطريقة التعامل مع موجة لجوء محتملة، تقول تقديرات المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين إنها قد تصل لحوالي نصف مليون لاجئ، في وقت تتحدث بعض التقديرات الغربية المتشائمة عن 5 ملايين على المدى البعيد.

ويظهر جليا الخشية الأوروبية من موجة لجوء شبيهة بتلك التي حدثت سنة 2015 عندما تدفق ملايين من اللاجئين السوريين على الحدود الأوروبية، وما عرف حينها بأزمة اللجوء، حيث يعكف الزعماء الأوروبيون حاليا على عقد الاجتماعات تلو الأخرى لوضع إستراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الأزمة المحتملة، بينما وجهة نظر أخرى تقول إن التحذيرات من أزمة لجوء أفغانية مسألة مبالغ فيها.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تمكنت طالبان من بسط سيطرتها على كل المنافذ الحدودية، وفي 15 أغسطس/آب الجاري دخل مسلحو الحركة العاصمة كابل وسيطروا على القصر الرئاسي، مما دفع عشرات آلاف الأفغان للاحتشاد أمام مطار كابل، قبل انسحاب القوات الأميركية، لمغادرة البلاد خوفا من حكم طالبان.

وقالت الولايات المتحدة إنها أجلت 40 ألف أفغاني من مطار كابل قبل أن تنسحب من البلاد في 31 أغسطس/آب الماضي، في حين دعت ودول أوروبية طالبان بفتح المطار والسماح للأفغان الراغبين في السفر بالمغادرة.

سيناريو 2015

"يجب ألا يتكرر ما حدث سنة 2015 " تتردد على لسان أكثر من مسؤول أوروبي بداية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصولا لقادة كبار في حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وعلى رأسهم أرمن لاشيت المرشح لخلافتها.

ويظهر من خلال النقاشات، الدائرة حاليا أوروبا، أن المزاج السياسي غير مستعد لقبول تكرار ما حدث قبل أكثر من 6 سنوات.

ومرة أخرى تجد ألمانيا نفسها معنية بقيادة الجواب الأوروبي حول هذه الأزمة الجديدة، لكن هذه المرة من مقاربات مختلفة، من خلال مطالبة الاتحاد الأوروبي بالإسراع في تمويل دول جوار أفغانستان، ووضع سياسة تعطي الأولوية في قبول طلبات اللجوء للأطفال والنساء والأشخاص الذين تعاونوا مع الدول الغربية بأفغانستان والأقليات الدينية.

ولعل أكثر سيناريو متشائم لهذه الأزمة هو ما قدمته الداخلية الألمانية، حيث قالت إن التطورات الأخيرة في أفغانستان قد تؤدي إلى وصول ما بين 300 ألف و5 ملايين لاجئ إلى أوروبا.

في المقابل، تتحدث الكثير من الأوراق البحثية عن خطأ المقارنة بين ما يحدث حاليا وبين حدث مع اللاجئين السوريين، وذلك لعدة أسباب من بينها أن أفغانستان محاطة بدول قامت بتأمين حدودها بشكل يجعل من شبه المستحيل تدفق مئات الآلاف من اللاجئين، ويستدل هؤلاء بأن الأرقام منذ بداية عملية الإجلاء من كابل تظهر أن أعداد اللاجئين لن ترتفع بشكل كبير.

ووصف حزب الخضر الألماني استدعاء سيناريو 2015 بأنه مجرد خطاب للتخويف لأن الدول المحيطة بأفغانستان عززت من تأمين حدودها بشكل كامل.

خلافات غربية

أمام هذا الخوف، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معضلة جديدة، تتمثل في عدد اللاجئين الذي ستستقبله كل دولة من دوله، مع إصرار ألماني أن تتحمل كل البلدان مسؤوليتها وأن تستقبل اللاجئين حسب حجمها الاقتصادي.

وما زاد من الحرج الأوروبي مسارعة بريطانيا لإعلان هدفها استقبال 20 ألف لاجئ خلال السنوات الخمس المقبلة من بينهم 5 آلاف خلال هذه السنة، مع احتمال منحهم الإقامة الدائمة بشكل مباشر.

هذا المنهج البريطاني رفضته ألمانيا وأيدته دول مثل لوكسمبورغ التي دعت لضرورة وضع الاتحاد الأوروبي سقفا لعدد اللاجئين الذين يجب استقبالهم، وألا يفوق 50 ألف لاجئ، لكن النمسا عبرت عن موقف أكثر تشددا قائلة إنها لن تستقبل أي لاجئين جدد، بدعوى أنها استقبلت خلال السنوات الماضية 40 ألف لاجئ أفغاني.

ولا يخلو الموضوع من مزايدات سياسية، عندما رد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، على الانتقادات الأوروبية لبلاده، بأن الاتحاد الأوروبي الذي يعيش فيه أكثر من نصف مليار شخص يحتاج لمهاجرين جدد لتعويض ارتفاع عدد كبار السن بدول الاتحاد.

وبدأت ملامح الرفض الأوروبي لاستقبال اللاجئين بحادثة ترك مجموعة من اللاجئين الأفغان في المنطقة الحدودية بين بولندا وبلاروسيا، حيث يرفض البلدان استقبالهم، وبقيت المجموعة عالقة بين الحدود.

حسابات اليمين المتطرف

ويأتي ملف اللاجئين الأفغان في ظروف انتخابية خاصة تمر بها العديد من الدول الغربية، بداية من كندا التي أعلن رئيس وزرائها ترودو أن بلاده سوف تستقبل 20 ألف لاجئ أفغاني فقط لسد الباب أمام اليمين المتطرف للعب بهذه الورقة.

أما في أوروبا، فالعين على كل من ألمانيا وفرنسا، فالأولى تستعد لاختيار مستشار جديد للبلاد، ويظهر أن هناك توجها لعدم تكرار سياسة ميركل باستقبال أكبر عدد من اللاجئين وهو ما عبر عنه البرلمان عندما صوت لصالح قانون يقضي بتحديد الأشخاص الذين سيستفيدون من اللجوء.

وفي فرنسا وجدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان الفرصة سانحة للعب ورقة اللاجئين والمهاجرين من جديد، عندما صرحت بأنها التطورات في أفغانستان "سوف تضع بلادنا في مخاطر عالية لمواجهة هجمات إرهابية" وتوقع موجة جديدة من اللاجئين.

نفس الموقف تقريبا عبر عنه زعيم حزب الرابطة الإيطالي ماتيو سالفيني الذي عبر عن تأييده لتوفير ممرات آمنة للنساء والأطفال الذين يوجدون في خطر، لكنه رفض في الوقت نفسه فتح الباب أمام الآلاف من الرجال الذين قد يكون بينهم إرهابيون محتملون.

ولن يغامر أي زعيم أوروبي بتبني سياسة لجوء جريئة كتلك التي اتخذتها ميركل، بالنظر للحسابات الانتخابية والسياسية بعدد من الدول الأوروبية، وبالنظر للعتب الكبير الذي لدى الأوروبيين على واشنطن التي يرون أنها تخلت عنهم من جديد، ولا يريدون تحمل مسؤولية الانسحاب الأميركي من أفغانستان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة