20 جنيها للحصة.. ما الذي يمنع سد العجز بالمدرسين في مصر؟

أزمة في المدارس المصرية بسبب تزايد الطلاب مقابل العجز في أعداد المعلمين (وكالة الأنباء الأوروبية)

القاهرة – باتت أزمة نقص المعلمين موضوعا لحديث يتكرر مع بداية كل عام دراسي في مصر، وفي كل مرة يتكرر السؤال: لماذا لا تقوم الوزارة بتعيين مدرسين دائمين يتمتعون بالكفاءة والتدريب بدلا من ترك الأمور على عواهنها، ويتكرر الجواب: لا توجد مخصصات مالية كافية.

وإزاء الانتقادات المتواصلة منذ إعلان الوزارة فتح باب التطوع للعمل بالمدارس مقابل 20 جنيها للحصة (نحو دولار وربع)، قال وزير التربية والتعليم طارق شوقي إن "التطوع اختياري، ومن لا يرغب له كامل الحرية"، مؤكدا على أن "الوزارة تحاول سد عجز الموازنات، ولا توجد تعيينات في الجهاز الإداري للدولة".

وحذر خبراء ومتخصصون في التعليم من أن سياسة الحكومة في عدم تعيين أي معلمين جدد، واستمرار خروج آلاف المعلمين إلى سن التقاعد سيفرغان العملية التعليمية من المعلمين ومن الخبرات، خاصة في ظل تزايد عدد الطلاب سنويا.

وأكدوا أن استمرار العجز في المعلمين يتناقض تماما مع ما تتحدث عنه الدولة من طفرات في المناهج وطرق التدريس، من أجل مواكبة التعليم الحديث والانتقال من عصر التلقين والحفظ إلى عصر الفهم والإدراك والإبداع.

ونفى شوقي -خلال تصريحات متلفزة- ما تردد بشأن أن يكون ذلك القرار إهانة للمعلم، حيث لا يتجاوز مجموع ما يتقاضاه 1700 جنيه (الدولار 15.70 جنيها) طوال الشهر مع جدول مكتظ بالحصص، قائلا إن "تخصيص 20 جنيها للمعلم في الحصة لا يمثل إهانة على الإطلاق، والتطوع اختياري".

وكان وزير التربية والتعليم أعلن الخميس الماضي فتح باب التطوع للعمل في المدارس من حملة المؤهلات العليا التربوية، على أن ينحصر عمل المتطوع في مساعدة المعلمين، وذلك بهدف سد العجز في أعضاء هيئة التدريس.

وأشار القرار إلى أن نظام العمل سيكون بالحصة، وأنه لا يجوز أن تزيد فترة الاستعانة عن 11 شهرا خلال العام المالي الواحد، والتأكيد على أنه ليس من حق هؤلاء المعلمين المؤقتين المطالبة بالتعيين على الموازنة العامة للدولة.

أعداد المعلمين والعجز

ويبلغ عدد المعلمين في المدارس المصرية 1.187 مليون معلم ومعلمة طبقا لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2020/2019، فيما يبلغ عدد الطلاب في المدارس أكثر من 24 مليون طالب وطالبة في 2021/2020، ويتخطى العجز في عدد المعلمين 320 ألف معلم.

وفي الوقت نفسه، يصل نحو 50 ألف معلم إلى سن التقاعد سنويا بحسب تصريحات سابقة لنقيب المعلمين خلف الزناتي الذي أشار إلى أن هناك عجزا شديدا في أعداد المعلمين، وتوقع أن يتفاقم هذا العجز مع استمرار الدولة في سياسة وقف التعيينات الجديدة في وظائف التدريس.

وانتقد الزناتي فكرة المعلم المتطوع التي أعلنت عنها الوزارة لسد العجز، قائلا إنها "لن تصلح، فهل يعقل أن يصرف شخص على جهة العمل"، مطالبا بتعيين دفعة جديدة من المعلمين براتب يكفي احتياجات المعلم المعيشية.

ورغم العجز الذي يحاصر المنظومة التعليمية في مصر -سواء في المعلمين أو في المدارس والفصول بسبب قلة الموارد- فإن الحكومة المصرية تقول إن موازنة التعليم بالموازنة تفوق الاستحقاق الذي نص عليه الدستور.

وكررت وزارة المالية في أكثر من مناسبة أن إجمالي مخصصات قطاع التعليم 388.1 مليار جنيه، منها نحو 256 مليارا للتعليم قبل الجامعي، و132 مليارا للتعليم العالي والجامعي، وتلقي باللوم دائما في تراجع التعليم وغيره من المرافق والخدمات على الزيادة السكانية.

لا تعيينات جديدة

وتعتمد وزارة التربية والتعليم في سد العجز المتزايد في السنوات الماضية على الاستعانة بمعلمين مؤقتين يتقاضون أجورا يصفها المعلمون بالمتدنية ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للمعلم نفسه.

وفي العام الدراسي 2020/2019 أعلنت الوزارة أنها سوف تستعين بـ120 ألف معلم للتعاقد لمدة عام، على أن يجدد لمدة 3 أعوام، وتبلغ تكلفة التعاقد لمدة عام حوالي 1.6 مليار جنيه فقط.

وتفاعل قطاع واسع من المفكرين والحقوقيين والاقتصاديين والتربويين مع القرار، واعتبره البعض إهانة للمعلمين والعلم والطلبة ونظام التعليم الحكومي ولقيمة الإنسان في مصر، وأكدوا أن الاستثمار في البشر أكثر ديمومة وعائدا من الاستثمار في الحجر، مشيرين إلى حجم الاستثمارات الضخم في قطاع الطرق والمواصلات.

لماذا العجز في التعليم فقط

في هذا السياق، فند عضو لجنة التعليم بمجلس الشعب سابقا محمود عطية قرار الوزارة، وتساءل "إذا كانت الدولة لديها من الموارد ما تنفقها على مشروعات كبيرة وعملاقة أليس من الأولى التعاقد مع المعلمين لسد النقص في المدارس، ونوفر له حياة كريمة، وحماية له ولأسرته وللعملية التعليمية أيضا؟".

وأوضح عطية في حديثه للجزيرة نت أن التعليم والصحة هما نواة أي تطور وتحضر، لكن ما يجري هو مسكنات مؤقتة مضرة، لأنها لا تكفي احتياجات المدرس الأساسية، ولن يؤدي دوره على أكمل وجه، وسيفتح أبوابا خلفية للبحث عن الرزق كالدروس الخصوصية.

وأكد عطية -وهو نقيب المعلمين سابقا بمحافظة الإسكندرية- أن التطوير في العملية التعليمية دون المدرس لا جدوى منه، قائلا إن منظومة التعليم تدور في 3 محاور هي المعلم والمناهج والمدارس، مشيرا إلى أن من مخاطر الاستعانة بمعلمين مؤقتين عدم الانتماء وعدم تمتعهم بأي حقوق أو حتى تدريب يجعلهم قادرين على العطاء.

واستنكر غياب دور نواب البرلمان الحالي في هذا الشأن، مشيرا إلى أنه في عام 2012 كان هناك نقص كبير في المعلمين وتم تعيين بعض المدرسين بعقود مؤقتة، وحرص البرلمان وقتها على تعيينهم، وبالفعل تم استدعاء وزيري التعليم والمالية، ونجح البرلمان في توفير مخصصات لتعيينهم.

مدرس الطوارئ

بدوره، أرجع خبير النظم التعليمية وتنمية القيم محمد رأفت لجوء وزارة التعليم إلى هذه الطريقة في معالجة سد العجز إلى "التملص من مسؤوليتها عن تعيين خريجي كليات التربية التي أنشئت لهذا الغرض، وهو إعداد معلم متخصص يجيد العمل مع الطلاب في المدارس في المراحل العمرية المختلفة".

وفي حديثه للجزيرة نت، انتقد رأفت تناقض الوزارة مع نفسها لما أقامت الدنيا وأقعدتها بسبب ممارسة مدرسين غير متخصصين الدروس الخصوصية في المراكز الخاصة، مضيفا أن ما يجري سيؤدي إلى تضخم الدروس الخصوصية التي ادعى الوزير أن نظامه الجديد سيقضي عليها.

وحذر رفعت من أن المدرس المؤقت لن يكون قادرا على إفادة الطالب في هذه الظروف، لأنه ليس مدرسا ولا مؤقتا، لأنه يعمل كموظف طوارئ، وسيكون ضرره أكبر من نفعه.

وقال إن المقابل المادي لا يكفي، فضلا أن الوزارة لا تفي بتعهدها حتى تجاه معلميها الأصليين، وخير لها أن تهتم بالوضع المادي الخاص بهم، وما تفعله الوزارة يلحق عار التقصير بكليات التربية وأساتذتها، بترك الانتقاء من بين خريجيها على الأقل إن لم يكن هناك تكليف لهم بعد التخرج.

في الإطار ذاته، رفض الكاتب الصحفي رفعت فياض مدير تحرير صحيفة أخبار اليوم الحكومية طريقة تعامل وزارة التربية والتعليم مع المدرسين المؤقتين.

وكشف فياض -خلال تصريحات متلفزة- أنه لم تتم أي تعيينات في المدارس منذ 25 عاما، وتم إلغاء التكاليف من خريجي كليات التربية، معتبرا أن هذه الطريقة لا يمكن أن تكون وسيلة لإصلاح العملية التعليمية أو سد العجز في المدرسين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثار خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تسويغ تقصير نظامه في مجال التعليم غضب المنصات المصرية، خاصة بعد أن طالب المصريين بتحديد النسل قبل أن يسألوا عن جودة التعليم.

طلاب الثانوية العامة في مصر بحاجة لتطوير النظام التعليمي

فور ظهور نتيجة الثانوية العامة ومعرفة مؤشرات التنسيق، يحجم مئات الطلاب عن التقدم لتنسيق المرحلة الأولى رغم نتائجهم المرتفعة التي لا تؤهلهم لكليات القمة، ثم يستعدون للسفر للدراسة في غطاء للبحث عن عمل.

Published On 26/8/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة