ننغرهار.. معقل تنظيم الدولة في أفغانستان

ظهر تنظيم الدولة عام 2015 في ولاية "فراه" (غربي أفغانستان) ولكن قضت عليه القوات الأميركية، ولم يتمكن من بناء علاقات مع محيطه المؤيد لطالبان. فقرر اللجوء إلى ننغرهار شرقا، لأسباب تتعلق بجغرافية الولاية ومجتمعها غير القبلي.

مواطنون أفغان خارج مستشفى ننغرهار التخصصي بعد انفجارات شهدتها عاصمة الولاية، جلال آباد، قبل 5 أيام (أ ف ب)

كابل- عاد اسم ولاية ننغرهار (شرقي أفغانستان) ليرتبط بتحركات "تنظيم الدولة"، حيث لجأ إليها المئات من عناصره الذين كانوا معتقلين، إثر قيام طالبان بإخلاء السجون عند سيطرتها على العاصمة الأفغانية كابل، منتصف أغسطس/آب الماضي.

ولطالما شكلت الولاية القريبة من كابل، التي أسهمت جغرافيتها في صد الهجمات الأميركية، منشأً ومأوى لتنظيم القاعدة عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وإليها لجأ تنظيم الدولة وأعلن وجوده عام 2015.

موقعها وتاريخها

تقع ولاية ننغرهار على الطريق الرئيسي إلى باكستان والهند، شرقي أفغانستان. ونظرا لموقعها، لطالما كان لمدينة جلال آباد (عاصمة الولاية) أهمية تجارية وعسكرية وسياسية إقليمية.

وننغرهار واحدة من 34 ولاية في أفغانستان، وتتصل بولايات لوغر ولغمان وكونر والعاصمة كابل، بالإضافة إلى حدود تمتد لمسافة 2600 كيلومتر مع باكستان.

وهي مقسمة إلى 22 مديرية، ويبلغ عدد سكانها أكثر من مليونين و700 ألف نسمة. وهي الولاية الثالثة من حيث عدد السكان في أفغانستان.

ومنذ عهد الملك الراحل محمد ظاهر شاه، كان لننغرهار دور حيوي في تسيير الأعمال الإدارية، حيث تولى اثنان من أبنائها رئاسة الوزراء، وهما شريفي عبد الظاهر وموسى شفيق، إضافة إلى كبار رجال الدولة مثل عبد الرحمن بجواك -مندوب أفغانستان الدائم في الأمم المتحدة- وصمد حامد -نائب رئيس الوزراء في عهد الملك- اللذين وقفا ضد الاحتلال السوفياتي.

وبعد سقوط حكومة محمد نجيب الله عام 1992، لم يتورط زعماء الولاية ومنهم أحد قادة المجاهدين ضد السوفيات، الشيخ محمد يونس خالص، وكذلك جماعة سيد أحمد جيلاني في ننغرهار، في الحروب الأهلية التي استمرت حتى استولت طالبان على العاصمة كابل عام 1996، بل استقبلت الولاية النازحين من مناطق أخرى بسبب الحروب والتوتر الأمني.

ولا يزال مخيم "تغاب" -على الطريق السريع بين مدينة جلال آباد ومعبر "طورخم" مع باكستان- شاهدا على تلك الحقبة في أفغانستان.

وتتميز ننغرهار -حسب الكاتب السياسي حكمت جليل- بأن معظم أبنائها من الطبقة المتعلمة؛ فبالمقارنة مع بقية المناطق فإن نسبة الأمية فيها قليله جدا، وذلك لوجود جامعة ننغرهار التي أُنشئت في عهد الملك، وتعتبر الثانية بعد جامعة كابل.

وحسب المصادر الرسمية، توجد في الولاية 936 مدرسة حكومية، و6 جامعات خاصة. كما أن قربها من باكستان، أسهم في انتشار التعليم بشكل أكبر بين أبنائها.

ميدان - قائد تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري ومؤسس التنظيم الشيخ أسامة بن لادنصورة تظهر زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري (يمين) ومؤسسه أسامة بن لادن، حيث يشار إلى ولاية ننغرهار مهدًا لهذا التنظيم (رويترز)

مهد القاعدة

ويمكن تقسيم الأحداث التي شهدتها ننغرهار إلى مرحلتين، الأولى: ما قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حيث شهدت ولاية ننغرهار في هذه المرحلة نشأة تنظيم القاعدة في جبال تورا بورا.

وكان زعيم القاعدة أسامة بن لادن قد عاد إلى ننغرهار عام 1996 قادما من السودان، ومنها توجه إلى كابل وقندهار للقاء زعيم حركة طالبان ومؤسسها، الملا محمد عمر.

والمرحلة الثانية: بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، حيث رجع بن لادن مرة أخرى إلى جبال تورا بورا التي شهدت معارك واشتباكات عنيفة بين القوات الأميركية ومسلحي القاعدة، قبل أن يغادر إلى باكستان.

أهم القواعد الأميركية

بعد وصول القوات الأميركية إلى أفغانستان، لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا شرقي البلاد، حيث أقامت قاعدة عسكرية مهمة في مطار الولاية وأنشأت مركزا لتدريب الشرطة الحدودية في جبال تورا بورا.

ويذكر مصدر أمني سابق -للجزيرة نت- أن قاعدة القوات الأميركية في مدينة جلال آباد، كانت من أهم 3 قواعد عسكرية لها في أفغانستان. فمنها كانت تشن غارات جوية على المناطق القبلية في الأراضي الباكستانية، وتتم مراقبة الشريط الحدودي مع باكستان.

وحسب المصدر، كانت القاعدة الأميركية مركزا رئيسيا لمحاربة "الإرهاب" في 4 ولايات شرقية.

تنظيم الدولة في ننغرهار

في منتصف عام 2015، أعلن تنظيم الدولة عن وجوده في ولاية ننغرهار. وبعد استهداف التنظيم للمستشفى العسكري في العاصمة كابل، أمر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب باستهداف معقله بمديرية شينواري في ولاية ننغرهار.

ويوم 14 أبريل/نيسان 2017، ألقت القوات الأميركية "أم القنابل" التي تزن 9800 كيلوغرام من المتفجرات، على شبكة أنفاق يستخدمها التنظيم في ولاية ننغرهار.

The GBU-43/B, also known as the Massive Ordnance Air Blast, detonates during a test at Elgin Air Force Base, Florida, U.S., November 21, 2003 in this handout photo provided April 13, 2017. REUTERS/U.S. Air Force photo/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLYالقنبلة أسقطت من طائرة "إم سي-130" على شبكة أنفاق لتنظيم الدولة في منطقة أتشين بولاية ننغرهار (رويترز-أرشيف)

لماذا ظهر تنظيم الدولة في ننغرهار؟

ظهر تنظيم الدولة بداية عام 2015 في ولاية فراه (غربي أفغانستان)، ولكن تم القضاء عليه من القوات الأميركية. ولم يتمكن من بناء علاقات مع محيطه حيث تُعتبر الولايات الجنوبية والغربية حاضنة شعبية لحركة طالبان.

قرر التنظيم العودة إلى ولاية ننغرهار شرقي البلاد، لعدة أسباب يوجزها مسؤول أمني -للجزيرة نت- قائلا إن التنظيم اختار الولاية لقربها من العاصمة كابل، كما أن هذه المنطقة ليست حاضنة شعبية لحركة طالبان مثل الولايات الجنوبية.

ويضيف -إلى أسباب هذه العودة- أن العنصر القبلي في ننغرهار ضعيف وهش بالمقارنة مع ولايتي بكتيا وخوست، حيث القبائل لا تسمح بوجود عنصر أجنبي فيها بسهولة.

ويضيف المصدر أن تنظيم الدولة جنّد أبناء قبيلة أوركزاي في المناطق القبلية الخاضعة لسيطرة الحكومة الباكستانية، التي يعيش أبناؤها بمحاذاة ننغرهار، وكان من السهل تنقل المقاتلين والمجنّدين التابعين له، إلى الأراضي الأفغانية.

كما أن سلسلة جبال تورا بورا شكلت عاملا جغرافيا مهما بالنسبة لمقاتلي التنظيم، ووفرت لهم غطاءً طبيعيًا ضد الغارات الجوية.

وبحسب المسؤول الأمني السابق، فإن تنظيم الدولة يستنسخ تجربة القاعدة في الاستفادة من الجبال.

بعد سيطرة طالبان

أما بعد سيطرة طالبان على أفغانستان، فيعتقد المراقبون أن الوضع الأمني الحالي في مدينة جلال آباد، عاصمة ننغرهار، يشبه إلى حد كبير عام 2017، حيث شهدت المدينة في شهر أبريل/نيسان منه 33 تفجيرا.

وعلى إثر ذلك، اضطرت الحكومة الأفغانية السابقة إلى إقالة الحاكم، كلاب منكل، لإخفاقه في السيطرة على الوضع الأمني.

وهناك سبب آخر لعودة تنظيم الدولة بهذه السرعة إلى المشهد الأفغاني بشكل يخلط الأوراق، على الأقل في ولاية ننغرهار. إذ يقول الكاتب حكمت جليل: "بعد سيطرة حركة طالبان على الولايات الأفغانية، أُطلق سراح جميع المعتقلين من السجون، ومنهم معتقلو تنظيم الدولة".

وباعتقاد جليل، فإن ما حدث يوم سقوط كابل كان خطًأ إستراتيجيا، حيث إن طالبان أطلقت نحو 500 معتقل من تنظيم الدولة، ومعظمهم لجؤوا إلى ولاية ننغرهار، المعقل الرئيسي للتنظيم؛ وسيكون من الصعب على الحركة اعتقالهم مرة أخرى.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تساءلت حلقة (5/9/2021) من برنامج “ما وراء الخبر” عن رسائل الأميركيين من وراء تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي بخصوص الواقع السياسي والأمني في أفغانستان..

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة