لماذا تأخر الاعتراف الدولي بحكومة طالبان؟ ولماذا تحرص عليه الحركة؟

يتصارع داخل طالبان تياران، أحدهما يمثله مكتبها السياسي المهتم ببناء علاقات دولية والحصول على اعتراف خارجي، والآخر يعبّر عنه جناحها العسكري المتمسك بأصولها التي تبنتها عند التأسيس.

أمير خان متقي وزير الخارجية بالوكالة في حكومة طالبان (يسار) عبر عن رغبة حكومته في إقامة علاقات إيجابية كل الدول (الأناضول)
أمير خان متقي وزير الخارجية بالوكالة في حكومة طالبان (يسار) عبر عن رغبة حكومته في إقامة علاقات إيجابية كل الدول (الأناضول)

كابل- مرّ أسبوع كامل على إعلان حركة طالبان تشكيل حكومة تصريف أعمال يرأسها الملا محمد حسن آخوند، ولكن دون أن تعترف أي دولة في العالم بالحكومة الجديدة في كابل، ويبدو أن دولا تُعتبر قريبة من طالبان، كباكستان والصين وقطر، ليست متعجّلة في الاعتراف أيضا.

وصرّحت دولة قطر، أكثر من مرة، على لسان مسؤولين في وزارة خارجيتها بأنها لا تستعجل الاعتراف بحكومة طالبان، وأن ذلك سيأتي في التوقيت المناسب، أما الصين وباكستان ورغم علاقاتهما الوثيقة بطالبان فلم تصدرا اعترافا صريحا بالحكومة في كابل، رغم رسائلهما التي تضمنت إشارات إلى احتمال الاعتراف الرسمي بها.

وتحدثت تسريبات إعلامية عن أن طالبان أعدت الترتيبات لحفل يؤدي فيه رئيس وأعضاء الحكومة القسم الدستوري بحضور وفود من بعض الدول مثل الصين وروسيا وقطر وباكستان وتركيا وإيران. لكن يبدو أن الترتيبات ألغيت بسبب تأخّر الاعتراف بحكومتها، وباشر الوزراء والمسؤولون الجدد أعمالهم دون أداء القسم.

هل ثمة تناقض بين شرعية الواقع الداخلي وشرعية الاعتراف الدولي؟

تمتعت الحكومة الأفغانية السابقة برئاسة أشرف غني بالاعتراف الدولي، ورغم سقوطها وهروب رئيسها من البلاد، فإن السفارات الأفغانية في العواصم العالمية ومنظمة الأمم المتحدة ما زالت ترفع علم أفغانستان السابق وتحمل عنوان "جمهورية أفغانستان الإسلامية".

ويمثل سفراؤها بلادهم في الاجتماعات والمحافل الدولية كالأمم المتحدة، في تناقض واضح بين شرعية الواقع الموجود في أفغانستان حيث تسيطر حكومة حركة طالبان على كافة الأراضي الأفغانية، وبين شرعية الاعتراف الدولي حيث يشغل ممثلو الحكومة السابقة كراسي أفغانستان في السفارات والمنظمات الدولية، لأن حكومة طالبان غير معترف بها.

تنظر حركة طالبان إلى الاعتراف الدولي بحكومتها باعتباره اعترافا بشرعية حكمها في أفغانستان (رويترز)

ما أهمية الاعتراف الدولي بحكومة طالبان؟

الدول التي تعترف بحكومة طالبان، ستعتبرها الممثل الشرعي لأفغانستان، ويعني ذلك انتقال طالبان من حركة مقاومة مسلحة، كانت توصف بـ"الإرهابية"، إلى حكومة شرعية تتمتع بكافة الحقوق المتعارف بها دوليا، ومنها العضوية في منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية.

ومن أهم لوازم الاعتراف بحكومة طالبان حصولها على حق استخدام القوة في مواجهة خصومها في الداخل، حيث تتحول الحركات المناهضة لطالبان، مثل جبهة المقاومة الوطنية بزعامة أحمد مسعود، تلقائيا إلى جماعات متمردة غير شرعية يحق للحكومة سحقها بقوة السلاح.

كما أن هذا الاعتراف يضفي، في نظر المجتمع الدولي، الشرعية على القوانين والقرارات الصادرة عن الحكومة في الشؤون الداخلية، لأنها تصدر عن حكومة معترف بها دوليا.

ناشطات أفغانيات يطالبن حركة طالبان باحترام حقوقهن وإنجازات المرأة في أفغانستان (رويترز)

ماذا يعرقل الاعتراف بحكومة طالبان؟

يبدو أن الاعتراف بحكومة كابل الجديدة تأخر لأسباب عدة، منها انتظار كثير من الدول الولايات المتحدة الأميركية حتى تحسم موقفها من الاعتراف بحكومة طالبان، فنظرا لمكانتها الدولية ونفوذها العالمي تُعتبر قدوة لكثير من الحكومات في التعامل مع طالبان.

وكما أيّد العالم الولايات المتحدة في غزوها لأفغانستان وإسقاط حكم طالبان عام 2001 بذريعة "الحرب على الإرهاب"، غادرت أغلب دول العالم أفغانستان اتباعا للانسحاب الأميركي بعد 20 سنة من الحرب، لذا من المتوقع أن تحذو أغلب الدول خاصة الأوروبية حذو الولايات المتحدة في موقفها من الاعتراف بحكومة طالبان.

من ناحية أخرى، يبدو أن الولايات المتحدة ترغب في التعامل مع حكومة طالبان، ولكن دون اعتراف رسمي، فرغم توقيعها اتفاقية الدوحة مع طالبان والتي تعتبر نوعا من الاعتراف بالحركة، فإن أميركا تربط الاعتراف بسلوك حكومة طالبان بخصوص حقوق المرأة والتزامها بعدم السماح بالمنظمات التي تعتبرها الولايات المتحدة "إرهابية".

وفي سياق آخر، وخلافا للتوقعات، جاءت الحكومة المعلنة من قبل طالبان لتشمل قيادات الحركة، وتم تعيين 95% من أعضائها من عرقية واحدة، كما وزعت المناصب السيادية على الجناحين الأساسيين داخل طالبان، وجاءت التشكيلة الوزارية خالية من العنصر النسائي وذوي التخصصات.

وتسبب ذلك بموجة انتقادات داخل أفغانستان وعلى المستوى الدولي، وأصدرت بعض الدول إشارات فُهم منها أن توسيع تركيبة الحكومة وشمولها للأطياف الأفغانية يعتبر شرطا للاعتراف بها.

وعلى سبيل المثال، فإن قطر التي تستضيف قيادات حركة طالبان ومكتبها السياسي في الدوحة منذ عام 2013 وفتحت قنوات اتصال بالحركة في وقت مبكر عام 2010، أكدت على لسان نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أثناء زيارته كابل ولقائه برئيس حكومة طالبان الملا محمد حسن آخوند، على ضرورة إشراك جميع الأطراف الأفغانية في المصالحة.

وبينما أعربت مساعدة وزير الخارجية القطري المتحدثة باسم الوزارة لولوة الخاطر عن تطلع الدوحة إلى تشكيل حكومة أفغانية أكثر تمثيلا لكافة أطياف الشعب الأفغاني، عبّر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن أمل بلاده في تشكيل حكومة شاملة تمثل جميع شرائح المجتمع في أفغانستان.

عقبة التسمية

ولعل تسمية الحكومة المعلنة بحكومة "تصريف أعمال" شكّل عقبة أخرى أمام الاعتراف بها، ورغم عدم تحديد عمر هذه الحكومة، فإن بعض الدول تعتبرها "حكومة مؤقتة"، وتفضّل تأجيل الاعتراف بها، على أن توضح مواقفها حسب سلوكيات حركة طالبان.

ويرى مراقبون أن تسميتها حكومة تصريف أعمال كان تكتيكا للتخفيف من الانتقادات الموجهة إليها بسبب احتكار السلطة، ولطمأنة الداخل والخارج بأنها حكومة مؤقتة وليست دائمة ولا داعي للقلق منها. لكن يبدو أن هذا التكتيك جاء بنتيجة عكسية وصار مانعا أمام الاعتراف بها دوليا.

محاولات الحصول على الاعتراف

وتحاول حركة طالبان الحصول على اعتراف دولي بحكومتها، وللوصول إلى هذا الهدف يكرر قادتها في كل مناسبة رسائل الطمأنة للداخل والخارج بأنها لا تفعل شيئا يسبب قلق المجتمع الدولي في قضايا كالسماح للمرأة الأفغانية بالدراسة والعمل، واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير والسفر والتنقل للمواطنين، والأهم منع استخدام الأراضي الأفغانية ضد الدول الأخرى.

وتسعى الحركة لتفادي العزلة الدولية كما في فترة حكمها الأولى، حيث لم يعترف بحكومتها آنذاك إلا باكستان والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات.

يتمسك الجناح العسكري في طالبان بمبادئ الحركة التي تبنتها عند تأسيسها بعيدا عن القبول الدولي (الجزيرة)

بين البراغماتية والأصول

تنقل إحدى الشخصيات المقربة من طالبان عن شخصية قيادية في حكومتها أن زعامة الحركة، وخاصة مكتبها السياسي، تدرك جيدا أهمية الاعتراف بالحكومة الجديدة، وتحذر في مجالسها واجتماعاتها الداخلية من سلوكيات وقرارات قد تعرقل الاعتراف الدولي.

كما تؤكد، حسب المصدر، على إبداء مرونة أكثر وانتهاج سياسة براغماتية مع العالم تجنبا لدفع أفغانستان نحو العزلة الدولية، وآثارها السلبية خاصة على الصعيد الاقتصادي.

ويرى المراقبون أن ثمة تباينا في المواقف السياسية الداخلية والقضايا المرتبطة بالعلاقات الخارجية داخل أروقة القرار في حركة طالبان، لأن الجناح المتمثل بأعضاء مكتبها السياسي يعرفون تعقيدات العلاقات الدولية في زمن العولمة، ولديهم رغبة أكبر في اتخاذ مواقف مرنة ومنسجمة مع متطلبات انتقال طالبان من حركة مقاومة مسلحة إلى جماعة تحكم أفغانستان وعليها مسؤوليات داخلية ودولية جسيمة.

بالمقابل، يبدي أغلب القادة العسكريين للحركة، أو الذين عاشوا داخل أفغانستان خلال السنوات العشرين الماضية، قدرا أقل من المرونة، ويحرصون على التمسك بحرفية الأهداف والضوابط والأصول التي تبنّتها طالبان عند تأسيسها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة