مقال بفورين أفيرز: إستراتيجيات ضبط النفس.. إعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية المهيضة

بايدن شرع في سحب القوات الأميركية من أفغانستان وبدأ في مراجعة وضعية بلاده العسكرية في العالم (الأوروبية)
بايدن شرع في سحب القوات الأميركية من أفغانستان وبدأ في مراجعة وضعية بلاده العسكرية في العالم (الأوروبية)

منذ ما يقرب من 3 عقود، بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، اتسمت السياسة الخارجية الأميركية بتوافق الحزبين الجمهوري والديمقراطي على أن الولايات المتحدة -باعتبارها "دولة لا غنى للعالم عنها" من دون منازع- لم تجد بدا من تبني خطة تفضي إلى التحول على الساحة الدولية.

تلك هي الفقرة التي استهلت بها إيما آشفورد -الباحثة في "مبادرة المشاركة الأميركية الجديدة" بمركز سكوكروفت للإستراتيجيات والأمن التابع لمجلس الأطلسي- مقالها في مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs)، الذي تناولت فيه كيفية إعادة صياغة السياسة الخارجية الأميركية.

وتعتقد آشفورد أن ذلك التوافق بين الحزبين قد انهار في السنوات القليلة الماضية، مشيرة إلى أن "جوقة متزايدة من الأصوات" تنادي الآن باتباع إستراتيجية لضبط النفس، "وهو نهج أقل نشاطا يركز على الانخراط في العمل الدبلوماسي والمشاركة الاقتصادية بدلا من التدخل العسكري. وقد وجدت تلك الإستراتيجية قبولا لدى البعض".

العمل بتلقائية

ومما لا شك فيه أن الظروف ساعدت في الترويج لهذا النهج. فالحرب "الفاشلة" على الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة، وصعود الصين، والاستقطاب الحزبي في الداخل الأميركي، كلها عوامل أوضحت بجلاء أن السياسة الخارجية الأميركية لا يمكنها ببساطة أن تعمل بطريقة تلقائية.

وحتى أولئك الذين ما انفكوا يجادلون بأن السياسة قائمة على التدخل في العالم، يقرون عادة بضرورة تجريد إستراتيجيتهم من أسوأ تجاوزاتها. ومع أن ضبط النفس كسياسة كانت قد أُقصيت ذات مرة من دوائر السلطة وانحصرت إلى حد كبير في المجلات الأكاديمية، فإن بعض خططها أضحت الآن سياسة رسمية، طبقا لإيما آشفورد.

ورغم أن سجل الرئيس السابق دونالد ترامب اتسم بالاختلال والقصور أكثر من تبني إستراتيجية متماسكة، فإنه عمل على إنهاء الحرب في أفغانستان تدريجيا، وأثار الشكوك حول جدوى التحالفات في أوروبا وآسيا، وتساءل عن الحكمة من التدخل العسكري والترويج للديمقراطية.

مراجعة بايدن للسياسة الخارجية

ومن جانبه، شرع الرئيس جو بايدن في سحب القوات الأميركية من أفغانستان، وبدأ في مراجعة وضعية الولايات المتحدة العسكرية في العالم، واتخذ خطوات نحو استتباب علاقات بلاده مع روسيا.

وكان جيك سوليفان مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، قد كتب في 2019 أن "على الولايات المتحدة أن تجيد دراسة إمكانيات وحدود قوتها". واعتبرت آشفورد أن هذا الإحساس الذي جرى تبنيه في أعلى مستويات السلطة لا يقل عن انتصار لأولئك الذين طالما نادوا بسياسة خارجية أميركية "أكثر ضبطا للنفس".

ومع تخفيف واشنطن حدة الحرب على الإرهاب، فإن أكثر المطالب السياسية شعبية لدعاة ضبط النفس قد تحققت. وعليهم الآن خوض معركة "شاقة" بشأن قضايا السياسة الخارجية المتبقية، مثل كيفية التعاطي مع الحلفاء أو ما الذي ينبغي عمله حيال الصين، وهي قضايا -برأي آشفورد- لا تحظى بأهمية كبيرة لدى العامة، أو أن دعاة ضبط النفس منقسمون إزاءها.

وإذا انشغل معسكر ضبط النفس بخلافاته الداخلية عوضا عما يوحده، فسيجد نفسه مستنزَفا في "معارك ضروس"، ومستبعدا من صناعة القرار في ذات الوقت الذي قد يكون فيه نفوذه في ذروته.

أكثر أمنا وشعبية

لكن كاتبة المقال ترى ثمة إمكانية لحشد توافق في الرأي، معتبرة ذلك إستراتيجية أكثر براغماتية، ومن شأنها أن تستلزم التقليل تدريجيا من التزامات الولايات المتحدة العسكرية، إلا أنها لن تحقق الأهداف الأكثر طموحا لدعاة ضبط النفس. بيد أن تلك الإستراتيجية تملك الفرصة الأفضل لتحريك السياسة الخارجية الأميركية في اتجاه أكثر أمنا وشعبية.

إن القول بأن الولايات المتحدة هي الوحيدة المؤهلة لإعادة صياغة العالم قد تجلى بطرق مختلفة في 30 عاما، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

وبحسب إيما آشفورد، فإن التدخل لاعتبارات إنسانية، والترويج للديمقراطية ومكافحة الإرهاب، كانت كلها محاولات لتشكيل العالم وفقا للأولويات الأميركية، لكن "لحظة القطب الواحد" أخفقت في الارتقاء إلى مستوى التطلعات.

تزايد النزاعات الدولية

ولهذا نجد اليوم أن الديمقراطية في تراجع، وأن هناك نزاعات على مستوى الدول أكثر من أي وقت منذ عام 1990، وأن الحرب على الإرهاب فشلت، وأظهر بروز الصين زيف الفكرة القائلة إن بمقدور الولايات المتحدة الحيلولة دون ظهور نظراء منافسين لها.

ويبدو أن دوائر السياسة الخارجية تفهمت الآن الحاجة إلى تصحيح المسار، رغم أنها ما زالت عند اختلافها على التفاصيل، كما تعتقد كاتبة المقال.

وتدور الفكرة في الوقت الراهن حول 3 وجهات نظر مختلفة: الأولى هي صيغة معدلة للأممية الليبرالية، وهي مدرسة فكرية تؤمن بأن الولايات المتحدة تعد "قوة تحقيق الاستقرار" في العالم، وتبرز الردع ذا الطابع العسكري، وتحسن الظن في نظام عالمي ليبرالي يستند على القانون.

وأنصار هذا النهج من التفكير عادة ما يختلقون ذرائع ويعتبرون الصين وروسيا تهديدا لهذا النظام، بدلا من تصورهما خطرا ملموسا للمصالح الأمنية الأميركية.

نزعة انفرادية عدائية

أما وجهة النظر الثانية، فقد رشحت من توليفة صاغتها مؤسسة السياسة الخارجية في الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس ترامب، وهي نمط من النزعة الانفرادية العدائية التي تفضل المحافظة على التفوق العسكري للولايات المتحدة.

وقد تجلى ذلك في شعار "أميركا أولا"، الذي تعتبره كاتبة المقال وريثا واضحا للتوافق القديم، لكنه يحبذ القوة على الدبلوماسية، والمصالح الأميركية على أي نظام عالمي ليبرالي.

إن نهج "أميركا أولا" قد يفضي إلى مكاسب على المدى القصير. فقد كان ترامب -برأي إيما آشفورد- قادرا على إجبار حلفاء الولايات المتحدة على الالتزام بالعقوبات على إيران وإعادة التفاوض حول اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، لكنها كانت سياسة ذات مردود متضائل، على حد تعبير المقال.

مخاطر استخدام الأدوات التعسفية

وكلما أمعنت الولايات المتحدة في استخدام أدواتها "التعسفية" ضد الدول الأخرى، بحثت تلك الدول عن طرق لإضعاف تلك الأدوات. وكلا النهجين يعتمد كثيرا على وجود عسكري أميركي متقدم بما قد يشعل -بمنتهى السهولة- نزاعا لم يكن مخططا له، ولا سيما في قارة آسيا.

وتتعلق وجهة النظر الثالثة بضبط النفس، الذي يأتي من خارج دوائر صنع السياسة في واشنطن، ويركز إلى حد كبير على تلك المثالب.

وتزعم آشفورد أن وجهة النظر الأخيرة متباينة أيديولوجيا إلى حد بعيد عن وجهتي النظر الأوليين، إلا أن معظم دعاة ضبط النفس متفقون على المبادئ الأساسية العديدة. فهم يتشاطرون قناعة مفادها أن الولايات المتحدة دولة آمنة بشكل ملحوظ، ولا تواجه تهديدا حقيقيا بالغزو بفضل موقعها الجغرافي وما تملكه من أسلحة نووية، على عكس العديد من القوى العظمى على مرّ التاريخ.

نتائج مزرية

ويرى هؤلاء أن السياسة الخارجية الأميركية اتسمت في السنوات الأخيرة بالتطاول والغطرسة التي أفرزت نتائج "مزرية" كما كان متوقعا، بحسب وصف المقال.

كما أن دعاة ضبط النفس يعتقدون أن السياسة الخارجية الأميركية "مفرطة في العسكرة"، حيث ينفق صناع السياسة بإسراف على الدفاع وسرعان ما يلجؤوا للقوة.

والأهم من ذلك، أن أولئك الدعاة يسعون مباشرة للنيل من فكرة أن الولايات المتحدة دولة لا غنى للعالم عنها، معتبرين إياها قوة من بين العديد من القوى الدولية.

وتمضي الباحثة في مركز سكوكروفت للإستراتيجيات والأمن التابع لمجلس الأطلسي، إلى القول إن ضبط النفس يتضمن العديد من الأفكار المتداخلة المختلفة.

نظرية الإستراتيجية الكبرى

أولى تلك الأفكار تتمثل في نظرية الإستراتيجية الكبرى التي صاغها العالم السياسي باري بوسن في كتابه "ضبط النفس" (Restraint) الصادر عام 2014.

ويتضمن الكتاب تصورا لتشكيل قوة عسكرية أصغر بكثير تتمركز أساسا داخل الولايات المتحدة.

وهناك تعريف "فضفاض" لمصطلح "ضبط النفس"، الذي تعده واشنطن اختزالا لأي مقترح يدعو إلى سياسة خارجية "أقل عسكرة وحركية".

وتنصح إيما آشفورد دعاة ضبط النفس بالحذر من شراكة تتطلب منهم المساومة على مبادئهم الأساسية، مضيفة أنهم سيجدون أن من الأفضل لهم التآزر وتوحيد صفوفهم والتعاون ككتلة تتجاوز الانتماء الحزبي.

بعبارة أخرى، على دعاة ضبط النفس الحد من خلافاتهم الداخلية، وترتيب أولويات تلك الخلافات المستمرة في ظل تصدع التوافق مع الآخرين.

المصدر : فورين أفيرز

حول هذه القصة

على مدى عقود، ارتكبت مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية أخطاء جسيمة أضرت بالشرق الأوسط بشدة، وعلى الرغم من أن كل إدارة أميركية جديدة تشعل آمالا جديدة فقد شهدنا النتائج نفسها لعقود.

11/3/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة