16 عاما من استثمارها في التنمية.. حين أجبرت المقاومة الاحتلال على إخلاء 21 مستوطنة والانسحاب من غزة

دمر الاحتلال مباني المستوطنات قبل إخلائها والانسحاب من غزة حتى لا يستفيد منها الفلسطينيون (رويترز)
دمر الاحتلال مباني المستوطنات قبل إخلائها والانسحاب من غزة حتى لا يستفيد منها الفلسطينيون (رويترز)

غزة- في مثل هذا اليوم من العام 2005 عايش أهل غزة "حدثاً استثنائياً" بالانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وإخلاء 21 مستوطنة كانت بالنسبة لمليوني فلسطيني كـ "الشوكة في الحلق". وكانت هذه المستوطنات تحتل نحو 35% من مساحة القطاع الساحلي الصغير (360 كيلومترا مربعا) منذ احتلاله عام 1967، وتستولي على أخصب الأراضي الزراعية، وتحرم هؤلاء المواطنين من حرية الحركة والتنقل.

قرار الانسحاب من غزة اتخذه رئيس حكومة الاحتلال آنذاك أرييل شارون، تحت اسم "خطة فك الارتباط" مبرراً ذلك بتخفيف الأعباء الاقتصادية والمادية عن إسرائيل، غير أن الفلسطينيين يرون أنه ما كان لتل أبيب أن تنسحب طواعية لولا "ضربات المقاومة الموجعة".

ووصف محمد المدهون الوزير السابق والقيادي بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) هذا اليوم بأنه " ذكرى تحرير أول أرض فلسطينية" الأمر الذي تحقق بفعل "الهزيمة المذلة للاحتلال وضربات المقاومة خلال انتفاضة الأقصى".

واستشهد المدهون بتصريح لوزير الحرب الإسرائيلي السابق شاؤول موفاز بأن "العمليات المسلحة التي عرفها الجيش الإٍسرائيلي في قطاع غزة لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل قبل ذلك".

وقال الوزير السابق، للجزيرة نت، إن اندحار الاحتلال من غزة "رسخ منهجاً فلسطينياً جديداً فاعلاً ومجدياً وهو المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها العمل العسكري، وأعطى بارقة أمل بإمكانية الاندحار من أراض فلسطينية أخرى".

شكل انسحاب إسرائيل من غزة تحت ضغط المقاومة هزيمة نفسية كبيرة لقوات الاحتلال والمستوطنين (رويترز)

عمليات نوعية

ويستذكر الفلسطينيون عمليات مؤثرة نفذتها المقاومة ضد المستوطنات والمواقع العسكرية الإسرائيلية، يرون أنها كانت الدافع الحقيقي وراء قرار الاحتلال بالانسحاب.

وكانت هذه العمليات هي الأشد والأكثر تأثيراً خلال العامين الأخيرين اللذين سبقا الانسحاب، وعرفت في حينه بـ "حرب الأنفاق" واستهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية حصينة.

ووقفت "كتائب عز الدين القسام" الذراع العسكرية لحركة حماس وراء غالبية هذه العمليات، سواء بتنفيذها منفردة أو بمشاركة فصائل أخرى.

ولعل أبرز هذه العمليات نسف مقاتلين من كتائب القسام عام 2004 موقعاً عسكرياً كان يطلق عليه "موقع محفوظة" وهو ثكنة عسكرية حصينة وسط القطاع، وقالت الكتائب في حينه إن العملية رد على جريمتي اغتيال قيادييها الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

وكانت عملية حاجز المطاحن عام 2005 -التي أطلقت عليها كتائب القسام اسم "ثقب في القلب"- إحدى العمليات النوعية التي سبقت الانسحاب بشهور قليلة، عندما فجّر الاستشهادي عمر طبش حزاماً ناسفاً كان يرتديه، وسط مجموعة من ضباط الاحتلال على حاجز عسكري وسط القطاع، فقتل ضابطين وأصاب 7 آخرين.

وفي عملية مشتركة أطلق عليها "براكين الغضب" نجح مقاومون من كتائب القسام وصقور فتح عام 2004 في حفر نفق وصولاً لأسفل موقع معبر رفح العسكري الإسرائيلي، وقاموا بتفجيره باستخدام كميات هائلة من المتفجرات، مما أدى إلى مقتل 5 جنود بينهم ضابط كبير، وإصابة 6 آخرين، ووصفها شارون في حينه بـ "الضربة القاسية جداً".

وفي إطار العمليات المشتركة لكتائب القسام، شارك مقاتلوها مع آخرين من ألوية الناصر صلاح الدين وكتائب شهداء الأقصى، في هجوم مسلح عام 2005، استهدف ثكنة عسكرية في منطقة المنطار شرق غزة، أدى إلى مقتل 6 جنود إسرائيليين وإصابة 5 آخرين، واستشهاد المقاومين.

ونجحت كتائب القسام في عملية أطلقت عليها "السهم الثاقب" عام 2004، في استدراج قوات خاصة إسرائيلية نحو نفق متفجر قرب مستوطنة "ناحل عوز" شرق مدينة غزة، وأسفرت العملية عن مقتل إسرائيلي وإصابة 4 آخرين.

الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005 مثل أول انتصار وتحرير لأرض فلسطينية على يد المقاومة (رويترز)

ونسف مقاومون ناقلة جند خلال التصدي لاجتياح حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة عام 2004، واعترفت تل أبيب بمقتل 6 من جنود سلاح الهندسة.

ولا ينسى سكان غزة عملية الاقتحام لمستوطنة "كفار داروم" التي نفذها الضابط بالسلطة الوطنية بهاء الدين سعيد بعد نحو شهرين من اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وخاض اشتباكاً مسلحاً أوقع عدداً من القتلى والجرحى في صفوف المستوطنين.

وإضافة للعمليات الهجومية، شهدت السنوات الأخيرة من عمر الاحتلال في غزة تطوراً في قدرة المقاومة على استهداف المستوطنات بالصواريخ محلية الصنع وقذائف الهاون.

واستثمرت فصائل المقاومة الانسحاب، والعمل بحرية بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007، لتطوير قدراتها العسكرية التي شهدت نقلة نوعية ظهرت بوضوح خلال التصدي لـ 4 حروب شنتها إسرائيل خلال 15 عاماً.

وعام 2001، نفذت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عملية فدائية قرب مستوطنة غوش قطيف جنوب غزة، قتل خلالها 3 جنود وأصيب 7 آخرون، واستشهد منفذا الهجوم.

المستوطنات احتلت ثلث مساحة القطاع وكانت تعرقل حياة مليوني فلسطيني وهي تستثمر اليوم بمشاريع تنموية (الجزيرة)

المقاومة بالتنمية والاستثمار

وشكّلت أراضي المستوطنات السابقة التي يطلق عليها في غزة "المحررات" مساحة للاستثمار في مجالات مختلفة، زراعية وصحية وإسكانية وتعليمية وسياحية.

يقول مدير الإدارة العامة للمحررات في وزارة الزراعة محمد اللولو، للجزيرة نت، إن الاستثمار في هذه الأراضي واستغلالها بالطريقة الأمثل يمثّل "رافعة للاقتصاد الوطني".

وأوضح أن هناك استثمارا فرديا ومؤسساتيا، وآخر رسميا يتبع وزارة الزراعة، ويغلب على هذه المشاريع الطابع الزراعي، إضافة إلى مشاريع إنتاج حيواني "وحققنا الاكتفاء الذاتي في عدة أصناف زراعية، وبجودة عالية تسمح بتصدير الفائض عن الحاجة".

مدينة أصداء أحد أكبر المشاريع السياحية والترفيهية المقامة فوق أراضي مستوطنة سابقة جنوب غزة (الجزيرة)

وقال اللولو إن إدارة المحررات تشجع المستثمرين في أراضي المحررات، وتوجههم نحو الاستثمار في مجالات محددة تتناسب وحاجة السوق المحلية.

وأبرز مدير الإدارة العامة للمحررات أهم المشاريع المنفذة على هذه الأراضي، وهي: "مدينة حمد" الممولة من دولة قطر، فروع جامعات محلية تغطي القطاع، مستشفيات، منتجعات سياحية.

وبحسب اللولو سيتم فتح المجال قريباً أمام المستثمرين، وخصوصاً الشباب، لتشكيل جمعيات تعاونية والبدء بمشاريع داخل المحررات، فضلاً عن العمل على استصلاح مساحة ألف دونم إضافية للزراعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة