20 عاما على هجمات 11 سبتمبر.. أين ذهب المحافظون الجدد؟

تمثّل فكر المحافظين الجدد في ضرورة أن تكون الولايات المتحدة سبّاقة في توجيه ضربة إلى أعدائها. لكن الفشل الأمريكي في العراق ومؤخرا في أفغانستان شكل صدمة قوية لهذه المدرسة.

هجمات 11 سبتمبر
هجمات 11 سبتمبر منحت المحافظين الجدد الفرصة الذهبية للتحرك في الشرق الأوسط (مواقع التواصل الاجتماعي)

واشنطن- توفي إيرفينج كريستول، الذي يُعد راعيا لأجيال من المفكرين والمسؤولين الأميركيين، عام 2009 عن 89 عاما، وذلك بعد 5 سنوات من منحه وسام الحرية، أرفع وسام مدني في الولايات المتحدة، على يد الرئيس جورج بوش الابن.

وتُرجع الكثير من الأدبيات السياسية تأسيس وتبلور فكر تيار "المحافظين الجدد" إلى كريستول، من خلال كتاباته في سبعينيات وثمانينيات وتسعينات القرن الماضي.

صحيح أن كريستول لم يكتب كثيرا عن أفغانستان أو العراق، ولم يدع إلى غزوهما، إلا أن محافظين جددا متأثرين بأفكاره سيطروا على فريق السياسة الخارجية والأمن القومي خلال فترتي حكم بوش (2001-2009)، وشكّلوا رد الفعل الأميركي على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

صورة من الأرشيف الوطني الأميركي للرئيس جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني في غرفة الطوارئ يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001 (وكالة الأنباء الأوروبية)

البداية حتى السيطرة على بوش الابن

لعبت حركة المحافظين الجدد دورا رئيسيا في الفكر السياسي الأميركي، خاصة في المرحلة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي بداية التسعينيات. وفى عام 1989 كتب الأكاديمي الأميركي ذو الأصل الياباني، فرانسيس فوكوياما، مقالًا عنوانه "نهاية التاريخ".

قال فوكوياما إن عصر الاستبداد والنظم الشمولية قد ولى وانتهى إلى دون رجعة، مع انتهاء الحرب الباردة، وهدم سور برلين، لتحل محله الليبرالية وقيم الديمقراطية واقتصادات السوق.

والتقطت حركة المحافظين الجدد هذه الدعوة ليتبنوا إستراتيجية قوامها ضرورة التأكيد على دور الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة الوحيدة التي لها هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية وعسكرية مطلقة في العالم.

وتمثّل جوهر فكر المحافظين الجدد في ضرورة أن تكون الولايات المتحدة سباقة في توجيه ضربة إلى أعدائها وتهديداتها. واعتقدت تلك المدرسة الفكرية، التي انتشر خبراؤها ومعلقوها في مراكز أبحاث يمينية، مثل أميركان إنتربرايز، ومعهد هادسون، ومؤسسة هيريتيج، أن واشنطن قادرة على المبادرة بالتعامل مع الدول التي تمثل مصادر تهديد وتغيّر نظمها الحاكمة عند الضرورة، وأن تتبنى مبدأ "إعادة بناء الدولة" لتتوافق من رؤيتهم لـ "الديمقراطية الليبرالية".

طوال تسعينيات القرن الماضي، دعا المحافظون الجدد بصوت عالٍ إلى "تغيير النظام" في العراق وإيران، وكانوا غاضبين لأن الرئيس بوش الأب ترك صدام حسين في السلطة بعد حرب الخليج 1991.

وضغط هؤلاء كي تلعب أميركا دورا جديدا في الشرق الأوسط لمعارضة ما يرونه "تعصبا إسلاميا"، وجعل العالم أكثر أمانا، كما جاء في مشروعهم الفكري الذي أُطلق عليه "القرن الأميركي الجديد".

احتل المحافظون الجدد المقاعد الخلفية وراء كولن باول وزير الخارجية وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي، لكن بعد "11 سبتمبر" تغير ذلك الترتيب ودُفع بأصوات المحافظين الجدد للأمام.

قاذفة من طراز "بي-52" (B-52) تابعة لسلاح الجو الأميركي في بداية الهجوم الأميركي البريطاني المنسق على أفغانستان (رويترز)

ورد الرئيس بوش على هجمات 11 سبتمبر بـ"حرب عالمية على الإرهاب". وأمام جلسة مشتركة للكونغرس في 20 سبتمبر/أيلول 2001، أعلن بوش نهجا جديدا للسياسة الخارجية ردا على الهجمات، وقال "حربنا على الإرهاب تبدأ بتنظيم القاعدة، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد، ولن تنتهي حتى نعثر على كل مجموعة إرهابية ومنعها من الانتشار العالمي ووقفها وهزيمتها".

وبرزت أصوات وآراء مسؤولين من المحافظين الجدد داخل إدارة بوش، مثل ريتشارد بيرل وبول ولفريتزر وآليوت أبرامز وجون بولتون ودوغلاس فايث، وعشرات غيرهم.

وعززت هجمات 11 سبتمبر، وما تبعها من نجاح مبدئي في إسقاط حكم طالبان والقضاء على صدام حسين في العراق، من شعور المحافظين الجدد بأنهم سلكوا المسار الصحيح، وعليهم البدء بالخطوة التالية وهي إعادة بناء أفغانستان والعراق طبقا لمعاييرهم.

واعتبروا أن إسقاط النظام العراقي رسالة هامة للعالم بأن الولايات المتحدة لن تتردد في استباق أي تهديد لها واللجوء للقوة المسلحة للقضاء على مصادر التهديد.

لكن فشل جهود واشنطن في إعادة تشكيل البنية السياسية والاجتماعية داخل العراق وأفغانستان، دفع إلى زيادة معارضة هذا التيار وصولا لانتخاب باراك أوباما عام 2008.

المحافظون الجدد من أوباما إلى ترامب

مهّدت سياسات المحافظين الجدد الطريق للمرشح المناهض للحرب، باراك أوباما. وخلال سنوات حكمه الثماني تلاشت أصوات المحافظين الجدد، وسط تبنى واشنطن سياسات تعاون وتنسيق عالمية بمشاركة حلفائها ومنافسيها، خاصة تجاه قضايا المناخ والبيئة والتجارة العالمية.

وحاول أوباما جهده الانسحاب من العراق وأفغانستان، لكن ظهور "تنظيم الدولة" أفشل خطته بالانسحاب من الشرق الأوسط.

ثم منح انتخاب دونالد ترامب لتيار المحافظين الجدد الأمل في عودة قوية للبيت الأبيض. إلا أن نزعة ترامب المختلفة، وإيمانه بمبدأ "أميركا أولا"، ورغبته العملية في إنهاء حروب أميركا في العراق وأفغانستان، أحبط رموز هذه الحركة.

وبسبب سياسة ترامب، خرج الكثير من رموز المحافظين الجدد وأعلنوا العداء له، وشكلوا حركة "لا لترامب أبدا"، والتي حاولت إفشال وصوله للبيت الأبيض، لكن ارتفاع شعبيته وشعبويته أفشلت جهودهم.

ورغم تراجع قوة تيار المحافظين الجدد خلال حكم ترامب، فإنه استعان ببعضهم في إدارته مثل جون بولتون وآليون أبرامز، ولم يستمع ترامب إلى نصائحهما بضرورة إسقاط وتغيير النظام في طهران، بل ضغط باتجاه الانسحاب من العراق وأفغانستان، رغم معارضتهما.

قوات من طالبان تحتفل برحيل آخر الجنود الأميركيين من أفغانستان نهاية أغسطس/آب المنصرم (الأوروبية)

المحافظون الجدد وعودة طالبان لحكم أفغانستان

مثّلت أنباء تقدم حركة طالبان صدمة قوية لرموز حركة المحافظين الجدد، وغرد جون بولتون، أحد أعلام هذا التيار، مطالبا الرئيس بايدن بالتدخل العسكري لمنع سقوط العاصمة الأفغانية في يد طالبان.

وبعد سيطرة طالبان على أغلب التراب الأفغاني، غرد بولتون "ينبغي لهذه الدعاية لطالبان أن تثير غضب جميع الأميركيين. وكما هو متوقع، فإنهم يتشجعون بانسحابنا، والآن يمكننا أن نتوقع أن يبدأ فصل جديد من تآمر الجهاديين ضد الولايات المتحدة انطلاقا من أفغانستان، ومن الوهم ألا يفكر بايدن في هذه الحقائق".

وقال بولتون إنها "حرفيا الفرصة الأخيرة للرئيس جو بايدن لعكس سياسة الانسحاب الخاطئة التي ينتهجها كما انتهجها سلفه ترامب. عندما تفوز طالبان، فإن ذلك يعرض أمن جميع الأميركيين للخطر".

أما ماكس بوت، الخبير بمجلس العلاقات الخارجية، وأحد رموز تيار المحافظين الجدد فقد كتب، في صحيفة واشنطن بوست، منددا بموقف بايدن "رغم أن 20 عاما من الأخطاء كان لها تأثير تراكمي، فإنه لم يكن هناك شيء حتمي حول نتيجة استيلاء طالبان على أفغانستان قبل أقل من شهر من الذكرى الـ20 لهجمات 11 سبتمبر الإرهابية".

وأضاف بوت أن "طالبان، التي تعززها الأسلحة الأميركية الوفيرة التي استولت عليها والهيبة التي تأتي مع تواضعنا كقوة عظمى، ستصبح الآن أكثر خطورة من أي وقت مضى، ويترك ذلك وصمة عار لن تمحى من رئاسة بايدن".

وطالب بوت بإبقاء قوات أميركية في العراق وأفغانستان "لمنع عودة التهديد الإرهابي للولايات المتحدة وحلفائها، ولمنع البلدين من أن يصبحا قاعدتين إرهابيتين دوليتين".

وهكذا، وقبل 20 عاما وصف المحافظون الجدد حربي أفغانستان والعراق بأنهما انتصار لفلسفتهم المتشددة، ومع حلول ذكرى 11 سبتمبر، يمثّل انسحاب القوات الأميركية وعودة طالبان لحكم أفغانستان، صدمة قوية لمدرسة فكرية سيطرت لسنوات على صنع السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يرى مقال بصحيفة واشنطن بوست أن سقوط أفغانستان في يد طالبان درس للحزبين الجمهوري والديمقراطي، مفاده أن الدول لا يمكن إصلاحها تحت تهديد السلاح، وأن الاحتلال العبثي لا يمكن أبدا أن ينتهي بموكب احتفالي.

Published On 19/8/2021

ما حدث في أفغانستان اليوم، حدث بصورة شبيهة في فيتنام، قبل أكثر من سبعة عقود، ما يثير التساؤلات عن الأسباب الحقيقة التي تقودها أميركا للدخول في حرب ما، وعن تلك المبررات التي يسوقونها لتبرير انسحابهم!

Published On 19/8/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة