طالبان من المقاومة إلى الدولة.. حسابات النصر وارتدادات الانسحاب الأميركي

قادة من طالبان في القصر الرئاسي بعد سيطرتهم على العاصمة كابل (الجزيرة)

قبل أيام من حلول الذكرى الـ20 لهجمات 11 سبتمبر/أيلول حزم آخر جندي أميركي في أفغانستان حقائبه، وخرج من مطار كابل مع آلاف الجنود الأميركيين والموظفين المدنيين.

خرج الكل من بلد احتلوه طوال 20 سنة، وسقوا أرضه من لهيب النار ودماء أبنائه سيلا متراكما كجبال الثلج الأفغانية.

مرت 20 نارا ولهبا في أفغانستان وفي كثير من أنحاء العالم، وخصوصا العالم العربي والإسلامي، قبل أن يأخذ مؤشر القوى وعداد الزمن طريقا آخر.

أقلعت آخر الطائرات الأميركية مع الدقائق الأخيرة من يوم 30 من أغسطس/آب، تقلّ آخر من تبقى من الجنود، وخلا المطار لطالبان التي بدأت معركتها الأهم وهي إثبات قدرتها على إدارة الشأن السياسي وتسيير الإدارة، ويوميات حياة الأفغان، بعد أن أدارت باقتدار مساري الحرب والتفاوض مع أعتى دول العالم وأقواها.

بين الدخول والخروج الأميركي بون شاسع وزمن واسع، وتدافع هائل بين موازين القوى؛ كان الدخول بعنفوان الانتقام، وسطوة القوة، أما زمنها فقد كان مفتوحا، وميدانها كل أفغانستان، وأما أهدافها فكل متحرك تشتبه فيه القوات الأميركية وحلفاؤها.

وحرص الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن أن يلبس تدخلاته العسكرية ثوبا دينيا حين وصفها بالحملة الصليبية.

بيد أن أميركا لم تكن وهي تسحب جنودها خارجة من بلاد الأفغان هي أميركا بوش الابن؛ لم يتشابه المشهدان، ولم يكن الخطاب الأميركي متناغما بين الحدثين، فقد غابت حماسة العنف، وسطوة الانتقام، واختفى الخطاب الديني الذي واكب احتلال العراق وأفغانستان، غاب كل أولئك وحلّت لغة أخرى محله، إذ رأى الرئيس جو بايدن أن الاستمرار في الحرب "لا يخدم مصالح الشعب الأميركي".

وقال إن الحرب في أفغانستان كلفت بلاده نحو 300 مليون دولار أميركي يوميا على مدى عقدين من الزمن.

ارتدادات وانعكاسات

– أميركا اليوم أكثر واقعية منها قبل 20 عاما؛ أعادت النظر كرّتين إلى خسائرها الهائلة التي استنزفت خزائنها بمئات المليارات من الدولار، ومئات من القتلى، وخرجت من ذلك بخسارة كبيرة وفقا لما يعتقد مراقبون، إذ لم تقض على طالبان التي توسعت وامتدّت، وأصبحت بقوة السلاح طرفا مفاوضا.

– كما أن ساحات العنف تمددت في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وأفلست نظرية الانخراط العسكري في الدول، ونشر فائض القوة التي أثارت من الأزمات في العالم، وأسالت من الدماء أكثر بأضعاف مما كانت ترنو إليه من نشر السلام.

– وبانسحاب آخر جندي أميركي من أفغانستان، تنتهي فكرة الفوضى الخلاقة التي بشرت بها مستشارة الأمن القومي السابقة في الولايات المتحدة كوندوليزا رايس، وظهر أن أميركا كانت أول الخاسرين فيها.

– كما فتح هذا الانسحاب حالة شديدة من السجال داخل الولايات المتحدة، وحالة أخرى من التلاوم بين الحلفاء، فقد ندّد الاتحاد الأوروبي بقرار الانسحاب، ورأى أن واشنطن اتخذته بشكل فردي، وأن ما حدث كان "ضربة شديدة للغرب".

وقال المفوض الأعلى للسياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل "ذهبنا إلى أفغانستان جماعيا، لكن قرار الانسحاب اتخذ في واشنطن".

– ومن أبرز ارتدادات ما حدث في أفغانستان انتهاء عهد التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة لتغيير أنظمة قائمة، وتنصيب أخرى موالية، وهي حقيقة حرص أكثر من مسؤول أميركي على تأكيدها، من بينهم الرئيس بايدن الذي أكد في خطابه الأخير "انتهاء حقبة التدخلات العسكرية الكبرى لإعادة تشكيل الدول وبنائها".

– وكما أن انتصار طالبان العسكري له ارتدادات كثيرة، فإن نجاحها سياسيا -إن حدث- قد يهيئ الأرضية لنوع من المصالحة بين القوى الغربية وبعض النماذج الإسلامية التي تمثل مجتمعاتها ولا تتبنّى العنف في منهجها.

– كما يفتح الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وسيطرة طالبان على البلاد، جدلا واسعا في إمكانية انتقال العدوى "الطالبانية" إلى منطقة أخرى من مناطق الاشتباك بين القوى الغربية والجماعات الإسلامية المسلحة.

إنها منطقة الساحل التي تعيش منذ عقد أو أكثر تحت نيران صراع متفاقم بين فرنسا والجماعات الإسلامية المسلحة التي تتزايد وتتعدد.

وقالت مجلة "لوبوان" (Le Point) الفرنسية إن وضع الرئيس إيمانويل ماكرون في منطقة الساحل الأفريقي مثل وضع نظيره الأميركي جو بايدن في أفغانستان، حيث ورث حربا لا يمكن الانتصار فيها، مشيرة إلى أن الوقت قد حان لتنظيم انسحاب القوات الفرنسية من هناك تماما مثل ما فعل الأميركيون في أفغانستان.

ومن الواضح أن هناك توجها فرنسيا للانسحاب عسكريا من الساحل، رغم ما يمثله ذلك من تهديد لأمن بعض الأنظمة الهشة المتحالفة مع فرنسا.

لكن السؤال عمّن سيسد فراغ القوات الفرنسية التي انخرطت في الساحل خلال عقد كامل من الحرب والدم يلحّ بقوة، وسط مخاوف من سيطرة جماعات مقاتلة ومتهمة بالإرهاب على المنطقة.

ورغم هذه المخاوف فإن بين الساحل وأفغانستان فروقا جوهرية كبيرة، فالحركات المقاتلة في الساحل تختلف جذريا عن طالبان، في رؤيتها للإسلام وفي تعاملها مع الأنظمة السياسية المحيطة بها.

تنتمي تلك الحركات إلى ما يعرف بالفضاء السلفي، وتستقي مرجعيتها من تنظيم القاعدة في الغالب، وتمتاز بالتعدد الدائم والانشطار، رغم سعي بعض قادتها إلى توحيد صفوفها، وتسيير المشتركات بينهم.

وزيادة على ذلك، فإن هذه الحركات تعلن الحرب على أغلب الأنظمة المحيطة بها، ولا تعترف بالحدود القُطْرية، عكس طالبان التي تحصر نشاطها ومقاومتها في أرض أفغانستان.

كما أنها لا تتوفر في معظمها على حواضن قبلية واجتماعية، مثل تلك التي تحوزها طالبان التي تنغرس بعمق في البيئة الاجتماعية الأفغانية.

طالبان بين الأمس واليوم

رغم أن زعيم طالبان الملا محمد عمر بشّر أنصاره بالنصر على أميركا، معتبرا أن هنالك وعدين أحدهما من الله بالنصر، والآخر من أميركا بالهزيمة، وأنه يصدّق الله ويكذّب أميركا، فإن طالبان الملا محمد عمر ليست طالبان اليوم، ولعل ذلك جزء من ارتدادات الحرب والنصر.

تغيرت الصفوف والقواعد وكثير من إستراتيجيات العمل، فخلال الـ20 سنة الماضية قتل كثير من قيادات الصف الأول من الجيل المؤسس للقاعدة، وتقاذفت المنافي والسجون عشرات القادة الآخرين.

وأعادت الحركة بناء نفسها من جديد، وترتيب علاقاتها ووسائلها وقدراتها، وكثفت قدراتها العسكرية والسياسية، كما أنها أعادت تحييد كثير من خصومها المتوقعين، وحاولت تقديم نفسها من جديد باعتبارها حركة وطنية، تحصر نشاطها في تحرير أفغانستان من الاحتلال الأميركي.

ورغم كل ذلك فإن طالبان لا تزال محتفظة بكثير من تقاسيم وجهها التاريخي ورؤيتها للأحداث، ولا يزال قادتها مصرّين على المعنى الإسلامي لنضالهم ومقاومتهم للاحتلال، مركّزين على فكرة الإمارة الإسلامية.

ويبقى انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من أفغانستان أحد أهم أحداث التاريخ، وأكثرها تأثيرا في مستقبل الأوضاع في عالم ما بعد سيطرة طالبان، كما يبقى الانسحاب الأميركي حلقة أخرى من مسلسل خروج الغازين تحت نيران المقاومين وصقيع ثلوج أرض الورود والبارود.

المصدر : الجزيرة