إسرائيل تعزز السلطة الفلسطينية.. ما الثمن؟

وصلت إسرائيل إلى قناعة بأن ضعف السلطة الفلسطينية -مع تراجع الاتحاد الأوروبي عن دعمها بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان- سيقوي حركات المقاومة، وبالتالي محاصرتها من الشارع الفلسطيني.

لقاء بين عباس وغانتس أعقبه إعلانات إسرائيلية عن تسهيلات اقتصادية وإنسانية للسلطة الفلسطينية (وكالات)

رام الله- خلال أقل من 24 ساعة، أعلن الاحتلال الإسرائيلي 3 خطوات "إنسانية واقتصادية" لدعم السلطة الفلسطينية؛ منح قرض بمقدار 156 مليون دولار، والموافقة على 5 آلاف طلب جمع شمل لعائلات فلسطينية، وإتاحة خدمة الجيل الرابع للاتصالات الخلوية (4 جي) قريبا.

وجاء الإعلان بعد ساعات من لقاء جمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس بمدينة رام الله، الأحد الماضي.

تقوية السلطة وإضعاف حماس

في تغريدة على موقع تويتر قال غانتس عن لقائه عباس: "بحثنا الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الضفة الغربية وغزة".

وفي لقاء مع صحفيين إسرائيليين -الاثنين الماضي- أوضح غانتس أن غرض اللقاء لم يكن دفع العملية السياسية، وإنما الثقة بين إسرائيل والسلطة وتعزيز العلاقات بينهما.

وأضاف: "كلما كانت السلطة الفلسطينية أقوى كانت حماس أضعف، وكلما زاد تماسك حكم السلطة، سيكون هناك مزيد من الأمن وسيتعين علينا أن نعمل بشكل أقل".

من هنا يرى محللون أن الخطوات الإسرائيلية جزء من سعي الإدارة الأميركية لبناء جسور ثقة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

ويرجح هؤلاء -في أحاديث منفصلة للجزيرة نت- أن الفلسطينيين سيدفعون ثمن هذه الخطوات، ومن أبرز هذه الأثمان تغييب الأفق السياسي، فضلا عن اتخاذ إجراءات متوقعة على الأرض ضد مناوئي السلطة الفلسطينية.

اصابات في قمع أجهزة السلطة مسيرة حاشدة طالبت برحيل الرئيس عباس على خلفية اغتيال نزار بناتإسرائيل تخشى من أن تؤدي الاحتجاجات على مقتل المعارض نزار بنات إلى إضعاف السلطة (الجزيرة)

ثمن ميداني وآخر سياسي

يقول الكاتب والصحفي عمر نزال إن ثمة "إشارات واضحة في بعض التصريحات الإسرائيلية تتحدث عن أثمان لما قُدم للسلطة، من ضمنها الحديث عن ’لم الزبالة‘ من شوارع مدينتي رام الله وجنين".

وهنا يشير نزال إلى قول وزير الإعلام الإسرائيلي يوعز هندل للقناة 11 الإسرائيلية إن "من مصلحة إسرائيل عدم انهيار السلطة ودعمها اقتصاديا، وأن نخلي شوارع جنين ورام الله من الزبالة".

يضيف نزال: "هذه التصريحات التي تعني اجتثاث المقاومين من جنين ومخيمها، خاصة بعد الاشتباكات المسلحة في الشهور الأخيرة".

أما عن المقصود بـ"زبالة" رام الله، فيقول إنه يشار بها إلى المتظاهرين على خلفية مقتل المعارض السياسي نزار بنات.

وفي 24 يونيو/حزيران الماضي، قُتل بنات خلال اعتقاله من قبل قوة أمنية فلسطينية بمدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، وأقرّت السلطة بأن وفاته "غير طبيعية"، وأوقفت مشاركين في الاعتقال.

ويضيف عمر نزال: "واضح أن التحرّكات (في جنين ورام الله) لا تروق الإسرائيليين". ومن هنا، لا يستبعد مزيدا من التضييق الميداني على المتظاهرين والحراكات الشعبية، ومحاولة جمع الأسلحة من مخيم جنين.

لكنه يستبعد احتمال تصعيد الاعتقالات في الضفة الغربية على خلفية الانتماء السياسي.

أما الثمن السياسي، يضيف نزال، فهو عدم البحث عن عملية تسوية جديدة "بمعنى إبقاء الوضع على ما هو عليه، وكسب إسرائيل مزيدا من الوقت من دون أي تحرك جدي فلسطيني".

ومن الأثمان الأخرى -حسبما يضيف الكاتب الفلسطيني- "كل المؤشرات تشير إلى عدم قيام الجانب الفلسطيني بخطوات جدية خاصة فيما يتعلق بالتحرك في المحكمة الجنائية الدولية" التي أصبحت فلسطين عضوا فيها منذ 2015.

القفز بعيدا عن الحلول السياسية

أما أيمن يوسف المحلل المختص بالعلاقات الفلسطينية الأميركية والمحاضر بالجامعة الأميركية في مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية، فيرى "التسهيلات" الإسرائيلية تعزيزا للمسار الاقتصادي والخدماتي على حساب المسار السياسي.

ويضيف: "الثمن الكبير هو أن الحل الاقتصادي يمكن أن يبتلع الحل السياسي والحلول الجذرية التي قد تنهي الاحتلال".

وهنا يحذر يوسف من "بيع الوهم ليس للفلسطينيين فحسب، بل للإسرائيليين الباحثين عن الهدوء أيضا".

ويقول الأكاديمي الفلسطيني إن من أهم أسباب هذا التوجه ضعف البنية الائتلافية للحكومة الإسرائيلية وشخص رئيس الوزراء نفتالي بينيت من جهة، والتماهي مع توجهات الإدارة الأميركية الحالية من جهة أخرى.

وعن انعكاسات تقارب السلطة وإسرائيل على البيت الفلسطيني الداخلي، يعتقد يوسف أن "الإخفاقات مستحكمة في المشهد الداخلي، والمصالحة أصبحت أبعد مما كانت عليه قبل فترة".

مع ذلك، يرجح أن تسعى إسرائيل لزيادة الهوة بين حركتي التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" والمقاومة الإسلامية "حماس" من جهة، وبين الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة ثانية.

ميدان - يائير لبيد ونفتالي بينيتتعتقد حكومة بينيت -على عكس سابقتها- أن عليها التعامل مع الرئيس عباس وتقويته (الأوروبية)

منع الحريق

الصحفي المهتم بالشأن الإسرائيلي وديع عواودة يقول إن الإدارة الأميركية الجديدة -في ظل عجزها عن السعي لتطبيق حل الدولتين (فلسطينية وإسرائيلية)- تسعى إلى حفظ ماء وجهها بالبحث عن حالة من الهدوء على الأقل.

ويرى عواودة القرض المالي من إسرائيل للفلسطينيين وتفعيل اللجان الفلسطينية الإسرائيلية "أشبه بحبة حلوى تُعطى للسلطة" بعيدا عن أي طابع سياسي.

ويقول إن الحكومات الإسرائيلية السابقة برئاسة بنيامين نتنياهو "سعت لإضعاف محمود عباس، والتعامل أكثر مع حماس، من باب رفض التسوية الكاملة وتكريس الانقسام".

لكنه يضيف أن هذه الإستراتيجية فاشلة بالنسبة لحكومة بينيت، التي ترى وجوب التعامل مع الرئيس الفلسطيني وتقويته والتنسيق معه.

وبينما كانت حكومة نتنياهو تعمل على إدارة الصراع، فإن حكومة بينيت تسعى لتخفيف حدته سواء بتقليل الاحتكاك الميداني أو بالحوافز الاقتصادية، وفق الصحفي عواودة.

وتحدث عواودة عن وصول إسرائيل إلى قناعة بأن ضعف السلطة الفلسطينية مع تراجع الاتحاد الأوروبي عن دعمها بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، سيقوي حركات المقاومة وبالتالي محاصرتها من الشارع الفلسطيني.

لذلك، فإن "من مصلحة إسرائيل أن تلعب السلطة دورا في منع نشوب حريق يهدد إسرائيل، وهذا يستوجب إعطاءها جرعة أكسجين لتظل على قيد الحياة وتقدم المطلوب منها" حسب تعبير عواودة.

وانهارت محادثات السلام بين الجانبين عام 2014، بعد تراجع إسرائيل عن إطلاق رابع دفعة من قدامى الأسرى المعتقلين قبل توقيع اتفاق أوسلو (1993) وعدم قبولها بوقف الاستيطان.

المصدر : الجزيرة