قمة بغداد.. هل نجح العراق في تبوّء مكانته الإقليمية؟

يحسب للحكومة العراقية تنظيم قمة استثنائية جمعت الأضداد، في وقت بالغ الحساسية تعيشه البلاد مع دنو موعد الانتخابات، واقتراب موعد الانسحاب العسكري الأميركي.

الكاظمي قاد قمة شاركت فيها 9 دول بمستويات تمثيل متباينة (الأناضول)
الكاظمي قاد قمة شاركت فيها 9 دول بمستويات تمثيل متباينة (الأناضول)

بغداد- شهدت العاصمة العراقية بغداد حضورا دبلوماسيا مكثفا أمس السبت، فمنذ نحو 40 عاما لم يشهد العراق حدثا سياسيا دوليا ضخما كما في مؤتمر بغداد، وذلك بحسب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين.

لم تكن قمة بغداد عادية، إذ شاركت 9 دول فيها وبمستويات تمثيل متباينة، فبينما حضر القمة زعماء كل من قطر والأردن ومصر وفرنسا، أوفدت الكويت رئيس مجلس الوزراء وكذلك فعلت الإمارات، أما السعودية وتركيا وإيران فأوفدت وزراء خارجيتها.

ويحسب للحكومة العراقية تنظيم قمة استثنائية جمعت العديد من الأضداد ببغداد، في وقت بالغ الحساسية تعيشه البلاد مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وكذلك اقتراب موعد الانسحاب العسكري الأميركي من البلاد نهاية العام الجاري.

حسين لفت إلى أن قمة بغداد استطاعت جمع دول عديدة كانت بينها خلافات ومشاكل كبيرة (رويترز)

حلحلة الخلافات

وفي مؤتمر صحفي لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في نهاية القمة، أكد أن البيان الختامي للاجتماع تطرق لمجموعة من القضايا تتعلق أكثرها بدعم العراق، مؤكدا أن بلاده استطاعت جمع دول عديدة كانت بينها خلافات ومشاكل كبيرة.

وأضاف أن بغداد استطاعت فتح مجال للعمل المشترك في المحيط الإقليمي عبر الحوار بدلا من الصراعات، مشددا على أن استقرار العراق يعني استقرار المحيط الإقليمي والمنطقة بأكملها.

من جهته، قال المتحدث باسم الخارجية العراقية أحمد الصحاف للجزيرة إن جميع الوفود المشاركة في المؤتمر اتفقت على ضرورة تجنب الخلافات، مضيفا أن المؤتمر شهد حوارات معمقة بين الدول المشاركة بما أضاف مزيدا من الأهمية للقمة الاستثنائية.

عزو اعتبر أن عقد القمة بحد ذاته يعد نجاحا للعراق (الجزيرة نت)

أهداف القمة

وعما إذا كان هدف الحكومة العراقية من عقد قمة بغداد إبعاد العراق عن سياسة المحاور الإقليمية أم دعاية سياسية لحكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل محمود عزو إنه لا يمكن في المدى المنظور قراءة أهداف قمة بغداد، لكن عقدها بحد ذاته يعد نجاحا للعراق، حيث لا يمكن للأطراف المشاركة أن تجتمع في مكان آخر، بحسبه.

وتابع، في حديث للجزيرة نت، أن العراق كان الدولة الوسط بين إيران ودول الخليج، فضلا عن وساطته بين تركيا وبعض دول الخليج كذلك، لافتا إلى أن العراق دفع ثمنا باهظا في الصراعات الإقليمية وسياسة المحاور التي انعكست سلبا على الوضع الأمني في العراق حتى وقت قريب.

كما نجحت حكومة الكاظمي في أن تكون نقطة توازن في ما وصفه بـ(البحر الإقليمي الهائج) بسبب الصراعات بين إيران والولايات المتحدة وبعض دول الخليج في المنطقة، ما انعكس بصورة مباشرة على الوضع الأمني في المحافظات العراقية، بحسبه.

ويختتم عزو معلقا بأن "الأطراف الإقليمية أدركت جيدا بعد تجربة مريرة أن استقرار العراق يمكن أن يكون جسرا لتمرير رسائل إيجابية بين الأطراف الإقليمية المتصارعة التي يمكن أن تؤدي صراعاتها لمستقبل مظلم للمنطقة".

الدوبرداني اعتبر أن الكاظمي يسعى بشكل جاد لإخراج العراق من العزلة الإقليمية والدولية (مواقع التواصل)

وتعليقا على أهداف قمة بغداد، يقول النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني شيروان الدوبرداني إن الكاظمي يحاول بشكل جاد إخراج العراق من العزلة الإقليمية والدولية، وإن القمة الأخيرة جاءت استكمالا للقمم السابقة وثمرة لجولاته الخارجية لبعض دول الخليج والجوار العربي والإقليمي.

ويتابع الدوبرداني للجزيرة نت أن الحكومة العراقية تسعى بصورة حثيثة حلحلة معظم المشاكل والتدخلات الإقليمية في الشأن العراقي، خاصة أن البلاد تمر بأزمة سياسية إقليمية متمثلة بالصراع الأميركي الإيراني على الأراضي العراقية، فضلا عن الصراعات الأخرى التي يتأثر بها العراق بصورة مباشرة وغير مباشرة.

العابد يرى أن قمة بغداد حملت طابعا سياسيا واقتصاديا، مع هدفها بحل الخلافات البينية بين المجتمعين (مواقع التواصل)

نجاح دبلوماسي

ويعتقد الدوبرداني أن قمة بغداد قد تمهد لوضع داخلي عراقي أكثر استقرارا، فضلا عن نجاح الحكومة في عكس صورة إيجابية للعالم تتمثل في قدرة البلاد على استضافة قمة بحضور ممثلين عن 9 دول من بينهم 4 زعماء، ما يعكس المصداقية الدبلوماسية التي باتت تحظى بها بغداد الآن، بحسب تعبيره.

أما الباحث السياسي غانم العابد فيرى أن قمة بغداد حملت طابعا سياسيا واقتصاديا، فمع أهدافها في حل الخلافات البينية بين المجتمعين، أوضح أن جميع المشاركين يدركون أهمية العراق في كونه وسيطا بين مختلف الأطراف.

ويفصّل العابد رؤيته للقمة معلقا بالقول، إن الخارجية العراقية نجحت في بعدها الخارجي بعد اللقاءات التي تمخضت عن القمة في لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، إضافة إلى لقاء رئيس وزراء الإمارات حاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم مع أمير قطر، بما عكس صورة إيجابية عن الدور الذي يمكن أن يلعبه العراق مستقبلا.

من جانبه، أكد عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي محمد إقبال أن وضع العراق ما يزال مرتبكا منذ عام 2003، إذ ومنذ الغزو وقعت البلاد فريسة للمحاور والصراعات الإقليمية دون تمكنه من الوقوف بحيادية، بحسب تعبيره.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى أن هناك العديد من المحاولات خلال السنوات السابقة لإعادة العراق لمحيطه العربي، إلا أن الحكومة الحالية تفردت بالمحاولات الجادة لجر العراق وإعادته لعمقه العربي أو إلى موقع متوازن في العلاقات الإقليمية.

وأكد هذا الطرح زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة على تويتر حيث غرّد قائلا إن قمة بغداد كانت ناجحة في جمع أطراف عديدة، وأن استضافة بغداد لها تمثل انعطافة في غاية الأهمية من الناحية الاقتصادية والأمنية.

إقبال اعتبر أن الحكومة الحالية تفردت بالمحاولات الجادة لإعادة العراق لعمقه العربي وإلى موقع متوازن إقليميا (الجزيرة نت)

إخفاقات القمة

على الجانب الآخر، ورغم إيجابيات القمة، يشير إقبال إلى أن الأهم من القمة هو التزام الأطراف المجتمعة بأهدافها التي كشفت عنها، لافتا إلى أن البيان الختامي للقمة لم يتطرق لقضايا وصفها بـ(الجوهرية) وتتمثل بأزمة المياه بالعراق والتي تزداد تفاقما عاما بعد آخر بسبب تركيا وإيران.

كما أن القمة -بحسب إقبال- لم تشر لقواعد الاشتباك على الحدود بين العراق من جهة وتركيا وإيران من جهة أخرى، فضلا عن عدم التطرق لاستخدام العراق منطلقا لشن هجمات على دول الجوار، لافتا إلى أن قمة بهذا التمثيل الدبلوماسي الرفيع كان ينبغي أن تعالج تفاصيل أكثر عمقا، بحسبه.

على الجانب الآخر، وجه النائب مختار الموسوي عن تحالف الفتح انتقادا لاذعا للمؤتمر قائلا إن هذه المؤتمرات لن تقدم حلولا حقيقية لمشاكل البلد، بدليل أن العراق نظم مئات المؤتمرات منذ منتصف القرن الماضي، ولغاية الآن لم ينعكس أي تطور إيجابي على الوضع الداخلي.

ويتابع الموسوي في تصريح لإحدى وسائل الإعلام المحلية أنه إذا كان الهدف من المؤتمر وساطة العراق بين السعودية وإيران، فيجب أن يكون الأمر محصورا بين عاصمتين لا أن يكون مؤتمرا دوليا ببغداد، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق، بحسب تعبيره.

الشمري: قمة بغداد أعادت العراق إلى دوره السابق الفاعل في الإقليم وعلى المستوى الدولي (الجزيرة نت)

دعاية سياسية

وتعقيبا على ذلك، يرى رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن القمة أعادت العراق إلى دوره السابق الفاعل في الإقليم وعلى المستوى الدولي، خاصة أن العراق بات وسيطا دبلوماسيا وأن مؤتمر بغداد صحح المفاهيم التي كانت تؤخذ على العراق في أنه دولة تابعة، بحسب تعبيره.

وعما إذا كانت القمة دعاية للحكومة، يعتقد الشمري في حديثه للجزيرة نت أن المؤتمر لم يكن دعائيا حيث إن رئيس الوزراء الكاظمي لا يمتلك حزبا سياسيا وليس ضمن المرشحين للانتخابات المقبلة.

الجنابي اعتبر أن الحكومة العراقية هدفت من القمة إلى الخروج من التقوقع المحلي انطلاقا لبناء العلاقات الدولية (الجزيرة نت)

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جيهان بأربيل مهند الجنابي أن الحكومة العراقية ومنذ إعلانها عن نية عقد قمة بغداد لم تعلن أهدافا واضحة لها، وبالتالي لم تكن للعراق أهداف سوى محاولات الخروج من التقوقع المحلي انطلاقا لبناء العلاقات الدولية.

ويعلق في إفادته للجزيرة نت بأن "بغداد قد تحقق الكثير من الانفتاح الدولي مستقبلا بسبب هذه القمة، لا سيما أن المشاركين أكدوا دعم العراق ونيتهم التواصل المستمر بما قد يعني عقد مزيد من الاجتماعات عالية المستوى في العراق أو في دول أخرى"، مستدركا أن ذلك يعتمد بصورة جذرية على نتائج الانتخابات المقبلة وعلى الحكومة التي ستتشكل على أساسها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة