مطار كابل.. نقطة تواصل بين خصمين

عام 1996 سيطرت حركة طالبان على مطار كابل تزامنًا مع إمساكها بزمام الأمور في البلاد، الأمر الذي استمر حتى اجتياح "قوات التحالف" عام 2001. لكن هذه المرة، ورغم استيلاء الحركة على العاصمة الأفغانية، فإنها لم تتمكن حتى الآن من السيطرة على المطار.

بعد ساعات من سيطرة طالبان على كابل، الآلاف يتوافدون للمطار بعد شائعات حول قيام السفارات الأجنبية بإجلاء المغادرين دون تأشيرات ( وكالة الصحافة الأوروبية)

كابل- بعد مغادرة الرئيس محمد أشرف غني، وسيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية، توجهت أنظار العالم والأفغان على حد سواء، إلى مطار حامد كرزاي الدولي وسط العاصمة الأفغانية كابل.

وعلى مدار الأيام الماضية، سادت المطار حالة من الفوضى والتوتر الأمني، تسببت بمقتل 19 شخصا على الأقل، بينهم نساء وأطفال، بعد تجمهر آلاف الأفغان في مسعى للخروج من البلاد.

واضطرت القوات الأميركية والأفغانية ومسلحو طالبان لإطلاق النار في الهواء لتفريق المحتشدين في محيط المطار، واستخدمت القوات الأميركية الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي أمام البوابة العسكرية للمطار.

وفي مشهد سريالي، شاركت القوات الأميركية والتركية ومسلحو طالبان بتأمين محيط مطار كابل بشقيه المدني والعسكري، وأصبح المطار حلقة واصل بين الجهات المتخاصمة. لكن رغم الوجود العسكري بمدخل المطار، كان فقدان السيطرة هو السائد في ظل توافد حشود من الأفغان.

وشهد محيط المطار تنسيقا بين طالبان والقوات الأميركية قبيل سقوط العاصمة كابل، ضمن اتفاق بعدم اقتراب مسلحي الحركة من المنطقة الخضراء والسفارة الأميركية والمطار، لكن عندما انهارت الأوضاع في محيطه أرسلت الحركة مسلحيها إلى هناك.

لتشويه طالبان

وتعزو مصادر في طالبان الفوضى التي تشهدها منطقة مطار كابل منذ 5 أيام، إلى القوات الأميركية والأجنبية. وقال مصدر في الحركة للجزيرة نت "إن الولايات المتحدة وسفارات أجنبية سبب رئيسي في هذه الفوضى أمام المطار العسكري، متعمّدة تشويه سمعة طالبان".

وبحسب المصدر "تريد القوات الأميركية والأجنبية القول للعالم انظروا إلى الشعب الأفغاني، وخاصة الشباب لا يريدون عودة طالبان، كل الذين يغادرون أفغانستان يرون مستقبلهم مع الأجانب".

وأثناء وجودنا في البوابة الشرقية لمطار كابل الدولي، سألنا جنديا أميركيا كيف ينظر إلى وجود مسلح من طالبان قريبا منه؟ فقال "لا أحبه، ولكن مضطر للتعامل مع طالبان حتى نسيطر على الوضع هنا".

وبسبب الفوضى والتوتر الأمني في محيط المطار، لقيت 3 نساء حتفهن هنا، وأثناء وجودها في المطار، قالت الأفغانية مريم توخي للجزيرة نت "أريد مغادرة أفغانستان بعد دخول مسلحي طالبان العاصمة كابل، لأنني خسرت كل شيء، مستقبلي وأحلامي. وطالبان لا تمنح المرأة حقها في العمل والدراسة، يجب أن أفكر في مكان جديد حيث أتمتع بحقي في التعليم والعمل".

وبسبب تهافت الأفغان على المطار، خصصت القوات الأميركية رحلاتها الجوية للذين يحملون جوزات سفر أجنبية أو أوراق سفر معتمدة من قبل السفارات.

وحسب مصدر في المطار، يتم إجلاء الأجانب يوميا عبر 10 رحلات على متن الطائرات العسكرية. وأما المتعاقدين معهم من الأفغان، فيتم نقلهم إلى بلد ثالث كخطوة ضرورية لتأمين حياتهم، وهؤلاء عليهم انتظار المحطة التالية دون موعد محدد.

ولأول مرة تمكن الأفغان من دخول المطار بسهولة، لأن القوات الحكومية أخلت جميع الحواجز الأمنية بالتزامن مع دخول مسلحي طالبان العاصمة، على أمل مغادرة البلاد.

وهنا يبيت الآلاف على مدرج الطائرات، حتى اضطرت طائرة ألمانية للتحليق فوق المطار لأكثر من ساعة، وبسبب الفوضى في المدرج، عادت إلى بلادها دون هبوط.

يقول الكاتب والباحث السياسي حكمت جليل للجزيرة نت، إن "الشباب الذين يأملون في مغادرة أفغانستان يرون أن هذه فرصة للجوء والهجرة إلى الدول الأوروبية. والأمر لا يتعلق بعودة طالبان فقط، لأن الوضع قبل وصولها إلى العاصمة لم يكن ورديا، حيث يعاني الشباب من البطالة والفقر وانعدام الأمن".

لكن إلى جانب ذلك، يقول جليل "هناك أقليات عرقية ترغب في مغادرة البلاد لأسباب أمنية، لأنها لا تثق بوعود حركة طالبان التي قطعتها على نفسها بعدم المساس بأطياف المجتمع الأفغاني".

رعايا أتراك يتم إجلاؤهم من مطار كابل عبر طائرة تركية (وكالة الأناضول)

اللجوء إلى 26 دولة

واطّلعت الجزيرة نت على قائمة الدول التي أعلنت منح حق اللجوء للأفغان، وهي 26 دولة من بينها إسرائيل، التي أعلنت لأول مرة منح اللجوء للأفغان. إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا ونيوزيلندا وباكستان وغيرها.

وقال صحفي أفغاني، فضّل عدم ذكر اسمه، للجزيرة نت "وصلت قبل يومين إلى قاعدة الجيش الأميركي في كاليفورنيا، الوضع هنا مزري للغاية حيث لا تتوفر الخدمات الأولية. أفكر الآن في الخروج من المخيم ولكن السلطات الأميركية لا تسمح ولا نعرف متى نخرج من المخيم". وأضاف أنه يشعر بالندم لمغادرته البلاد بهذه السرعة.

وذكر مسؤول أفغاني يعمل في المطار مع القوات الأميركية، للجزيرة نت، أن "الولايات المتحدة تريد إجلاء بين 10 آلاف و15 ألف أميركي، ونحو 60 ألف أفغاني من أفغانستان، حتى نهاية أغسطس/آب الجاري".

نصير رهين موظف في مجلس الأمن القومي الأفغاني، وصل الخميس إلى فرنسا. وقال للجزيرة نت "قررت المغادرة عشية دخول مسلحي طالبان إلى كابل، وعندما أُلغيت جميع الرحلات، رجعت إلى السفارة الفرنسية وبقيت هناك 3 أيام بسبب الفوضى في المطار. وبعد جهد وتعب تمكنت أنا وزوجتي وبنتي من الوصول إلى باريس".

وسيمكث رهين في مخيم للاجئين 10 أيام "بسبب إجراءات مواجهة كورونا الاحترازية"، قبل نقله كما هو مقرر إلى فندق، على أن تمنحه الحكومة الفرنسية منزلا.

ويضيف رهين "صحيح أنني وصلت باريس، لكن قلبي مع أمي ووالدي في كابل، لا أعرف أي مصير ينتظرهما".

لا سيطرة حتى الآن

وأُسس مطار كابل في ستينيات القرن الماضي، واستخدمه الجيش السوفياتي أثناء فترة الحرب السوفياتية الأفغانية بين عامي 1979 و1989، وبعد انسحاب السوفيات استعاد الجيش الأفغاني إدارة شؤون المطار.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1996 سيطرت حركة طالبان على المطار تزامنًا مع إمساكها بزمام الأمور في البلاد، الأمر الذي استمر حتى اجتياح قوات التحالف للبلاد عام 2001. لكن هذه المرة، ورغم دخول طالبان العاصمة كابل، فإنها لم تتمكن حتى الآن من السيطرة على المطار.

ويضم مطار كابل الدولي قسمين، الأول هو الجزء المدني، وهو بوابة الأفغان إلى العالم. ومنه تقلع الطائرات يوميا إلى تركيا والإمارات وباكستان وإيران والكويت وإلى آسيا الوسطى وروسيا.

أما الجزء الشمالي من المطار، فتم تجهيزه لاستخدام القوات الجوية الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2008. وضم مراكز القيادة والتحكم للقوات الجوية الأفغانية أيضا، قبيل انسحاب القوات الأميركية والأجنبية من أفغانستان.

وبعد سيطرة طالبان قررت الولايات المتحدة إرسال 3 آلاف جندي لإجلاء الدبلوماسيين والمتعاونين الذين عملوا مع واشنطن طيلة 20 عاما. وحاليا تنتشر في المطار ومحيطه قوات أميركية وتركية وبريطانية.

وبعد مرور 6 أيام على سيطرة طالبان على العاصمة كابل، ما زال الجزء العسكري خاضع لسيطرة القوات الأميركية والأفغانية.

وتمكنت القوات الأميركية من طرد الأفغان من داخل المطار، ولكن التوتر والفوضى سيدا الموقف في المداخل الشرقية والشمالية. وتسيّر طالبان دوريات لإبعاد المحتشدين، ولكن يتوجه مئات الأفغان يوميا إلى مخيمات نصبتها القوات البريطانية والتركية والأميركية قرب المطار بهدف التسجيل للمغادرة والتحقق من هويتهم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Taliban patrols Herat city- - HERAT, AFGHANISTAN - AUGUST 18: Taliban patrol in Herat city after took control in Herat, Afghanistan, on August 18, 2021 as Taliban take control of Afghanistan after 20 years.

لم يتوقع أحد على الأرجح التفكك السريع لقوات الأمن والدفاع الوطنية الأفغانية، بيد أن علامات الصعود العسكري لطالبان، وأوجه الخلل الحرِجة للقوات الأفغانية ظهرت على السطح على مدار السنوات القليلة الماضية.

Published On 20/8/2021
A member of Taliban stands outside Hamid Karzai International Airport in Kabul

مع سيطرة حركة طالبان على الأراضي الأفغانية واستيلائها على العاصمة كابل بدأت مرحلة جديدة في مسيرة الحركة، حيث تحولت من جماعة مسلحة مقاتلة إلى جماعة من المتوقع أن تستلم زمام الحكم في أفغانستان.

Published On 20/8/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة