اقتلاع الأشجار بمصر يثير الجدل.. البيئة أم تطوير البنية التحتية؟

لجنة الطاقة والبيئة بالبرلمان وافقت على اتفاق قرض مع البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية بشأن مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى بقيمة 200 مليون دولار

اقتلاع الأشجار في أحد أحياء القاهرة (مواقع التواصل)

القاهرة – نصيب المواطن المصري من المساحات الخضراء 1.2 متر مربع فقط، في حين أن المتوسط العالمي يجب ألا يقل عن 15 مترا، وهي نسبة متدنية للغاية ولها تبعات صحية وبيئية خطيرة، حسب تحقيق صحفي نشره موقع صحيفة الأهرام (حكومي) في 25 مايو/أيار الماضي.

كما كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) عن أن المساحات الخضراء الموجودة بالفعل في مصر أقل من 10% من المساحات الواجب توافرها لعدد السكان الحالي.

تلك الإحصائية المتدنية زادت من الجدل حول استمرار الحكومة في اقتلاع الأشجار خاصة في العاصمة القاهرة، من أجل إنشاء محاور مرورية وجسور وطرق جديدة، لحل مشاكل الازدحام المروري وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وبدأ مخطط تطوير الطرق الجديد قبل أكثر من عامين، وتضمن إزالة العديد من الأشجار في أحياء عدة، مثل مصر الجديدة ومدينة نصر، مرورا بحي المعادي العريق، وإزالة حديقة عرب المحمدي بأكملها وسط القاهرة الشهر الماضي.

وأصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نهاية عام 2019 قرارا ببناء عدد من الجسور وتوسعة محاور الطرق في مصر الجديدة، للحد من الاختناقات المرورية وتيسير الحركة داخل شرق القاهرة، مما تتطلب إزالة آلاف الأشجار القديمة في الحي الراقي، وهو ما أثار غضب السكان الذين تعودوا على طبيعة المكان، في حين رحب به آخرون لما سببه من إنهاء لمعاناتهم المرورية اليومية.

مزاد لقطع الأشجار

محافظة الغربية (وسط الدلتا) شمال القاهرة طرحت أكثر من 1500 شجرة للبيع في مزاد عام من خلال صفحتها على فيسبوك، بداية أغسطس/آب الجاري، من بينها 895 شجرة كافور في نطاق مركز ومدينة طنطا وأشجار أخرى متنوعة.

أثار الإعلان انتقادات وغضب البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبروه استمرارا لمسلسل اقتلاع الأشجار المعمرة والقديمة، وتشويه المنظر الحضاري للعديد من الطرق والأحياء بدون داع.

وإثر ذلك، تقدّم المحامي أحمد الصعيدي ببلاغ للنائب العام ضد مسؤولي المحافظة، وقال في تصريحات صحفية إن الإعلان "مخالف للمادتين 162 و367 من قانون العقوبات، اللتين تمنعان أي جهة خاصة أو رسمية من قطع الأشجار بدون تراخيص، بعد دراسات تقييم الأثر البيئي لذلك، كما أنه مخالف للمادة الثانية من قانون الإرهاب التي تجرم إلحاق الضرر بالبيئة أو الموارد الطبيعية".

والشهر الماضي، انتقد أهالي حي المعادي جنوبي القاهرة -أكثر أحياء القاهرة تشجيرا- قرار الحكومة بإزالة المشاتل الزراعية واختراق الحي لإقامة محور مروري جديد.

وأطلق السكان حملة جمع توقيعات لوقف خطة تنفيذ محور الجزائر (مروري)، حيث يقول القائمون على الحملة إن من شأن هذا الطريق تغيير طبيعة المكان وهويته ونسيجه العمراني وطبيعته الخضراء الهادئة، وتمزيق الحي إلى نصفين.

وطالبت جمعية محبي الأشجار -إحدى أقدم الجمعيات البيئية العامة في مصر كما تصف نفسها- إعادة النظر في مسار المحور ومراعاة النسيج العمراني للحي، والمناطق ذات البعد التاريخي والثقافي؛ لأن من شأنه أيضا أن يتلف الطبيعة الخضراء الهادئة به، بل ويدمر ثروته الشجرية المعمرة.

في المقابل، تقول الحكومة إن المحور ضروري لتسهيل حركة المرور، وأنها ستحافظ على الأشجار المعمرة والمشاتل النباتية بنقلها لمكان آخر قريب.

مبادرات حكومية بديلة

موقف الدولة من المساحات الخضراء أصبح محل تساؤل وغموض، وفق تصريحات الكاتب المهتم بالتراث المعماري ميشيل حنا، مضيفا لموقع مدى مصر (مستقل) عقب إزالة أشجار حديقة "عرب المحمدي" بالقاهرة، أنه في الوقت الذي تتبنى فيه السلطة مبادرة "اتحضر للأخضر" تتكرر وقائع إزالة الأشجار وتجريف المساحات الخضراء في أماكن متعددة بالتزامن.

وأطلقت الحكومة المصرية مطلع عام 2020 مبادرة للتوعية بأهمية التشجير تحت عنوان "اتحضر للأخضر"، في إطار الإستراتيجية القومية للتنمية المستدامة 2030، وقررت تخصيص يوم 27 من يناير/كانون الثاني من كل عام للاحتفال بيوم البيئة الوطني، وفق وزارة البيئة.

كما قررت الحكومة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إطلاق حملة قومية للتشجير تستهدف زراعة مليون شجرة و2700 فدان حدائق في المرحلة الأولى، بهدف تعويض المردود البيئي للأشجار التي يتم إزالتها، سواء نتيجة السلوك الفردي للأشخاص أو لتنفيذ مشروعات المنفعة العامة للدولة.

تكلفة التلوث

ويبلغ التلوث مداه في القاهرة التي تعج بأكثر من 20 مليون نسمة، وفقا لتقدير المجلس القومي للسكان في مايو/أيار 2020، وتصل التكلفة الاقتصادية لتلوث هواء القاهرة وحدها 1.4% من الناتج الإجمالي لمصر، حسب البنك الدولي.

ونقل موقع صحيفة أخبار اليوم (حكومي) عن المديرة الإقليمية للبنك الدولي لمصر واليمن وجيبوتي، مارينا ويس، قولها إن "البنك الدولي يدعم جهود التنمية في مصر، التي تهدف إلى ضمان أن تكون بيئة البلاد مواتية لرفاهة المواطنين".

لكن الحكومة المصرية تقول إنها تبذل جهودا مضنية من أجل تحسين البيئة.

وقالت وزيرة البيئة المصرية ياسمين فؤاد في أبريل/نيسان الماضي إن لجنة الطاقة والبيئة بالبرلمان وافقت على اتفاق قرض مع البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية بشأن مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى بقيمة 200 مليون دولار.

وأشارت إلى أن هذا القرض يأتي في إطار الخطة الطموحة لتطوير قطاع البيئة في مصر، والحد من انبعاثات ملوثات الهواء والاحتباس الحراري وتحسين إدارة المخلفات الصلبة، بما يحافظ على صحة المواطن وصون الموارد الطبيعية.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي