طلاب اليمن يتحدون الحرب بالدراسة ويبعثون رسائل أمل

بينما الطالب بكر حمادي يستقبل أول أيام تجربته الدراسية بحماس كبير يرافقه حلمه أن يصبح طيارا، اشتكت والدته صعوبة توفير مستلزمات الدراسة جراء الوضع الاقتصادي المتدهور.

طلاب مدرسة الرواد بصنعاء (الجزيرة نت)

صنعاء – استقبلت المدارس اليمنية مطلع الأسبوع الجاري العام الدراسي الجديد بكل نشاط وحيوية وإصرار وتحد، بعد 6 سنوات من الحرب ووضع اقتصادي صعب أثر سلبا على أوضاع المعلمين الاجتماعية.

منذ الصباح الباكر، تعزف إيقاعات خطوات التلاميذ في الأحياء والشوارع نغمات الأمل وهم يتقاطرون صوب مدارسهم في مشهد يزيح أجواء اليأس المخيمة على البلد.

وأدى طلاب مدرسة الرواد بصنعاء تمارين طابور الصباح بنشاط وتفاؤل، وكأنهم يقولون "من هنا نسلك الطريق الآمن ليمن مستقر يلبي طموحات اليمنيين".

استقبل الطالب بكر حمادي أول أيام تجربته الدراسية بحماس كبير يرافقه حلمه في أن يصبح طيارا، وقد اصطحبته والدته إلى المدرسة آملة أن يكون مشعلا يضيء لها المستقبل.

الأسر اليمنية تشتكي من عدم قدرتها على توفير مستلزمات الدراسة (الجزيرة)

شكاوى

وتشكو والدة بدر صعوبة توفير مستلزمات الدراسة جراء الوضع الاقتصادي المتدهور غير أنهم تجاوزوا الأمر بفضل تكاتف أفراد الأسرة، تقول للجزيرة نت.

وتضيف أن عدة أسر لم تستطع توفير المستلزمات المدرسية من حقائب ودفاتر لأطفالها بسبب ضعف القدرة الشرائية لملايين اليمنيين، مقابل إصرار المجتمع على مقاومة هذه العثرات بكل مجهوداته.

كما تشكو غلاء رسوم المدارس الأهلية مما أضطر الكثير من الأهالي لتحويل أطفالهم إلى مدارس حكومية "تعاني من الازدحام وضيق الفصول الدراسية وتواضع تأهيلها الفني".

مدرسة حكومية بصنعاء (الجزيرة نت)

حماس وعزيمة

تجولنا في عدد من المدارس الحكومية والأهلية بصنعاء، فلاحظنا أن مشاعر الحماس لاستقبال العام الدراسي الجديد كانت تخالج الجميع رغم الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم التي يعيشها اليمن.

لم يخف الطالب علي (10 سنوات) شغفه بالدراسة وقد ارتدى زيه المدرسي المتبقي من العام الماضي متزينا بعلم اليمن على صدره، وأكد للجزيرة نت حبه للتحصيل العلمي وسعادته بلقاء أصدقائه.

ويعمل علي في الإجازة الصيفية مساعدا لوالده في السوق، وهما يؤمنان بأن مستقبل الطفل سيكون أفضل بالتعليم.

أما محمد فقرر أن يترك المدرسة من الصف الثامن ويستمر بعمله في أحد المحال التجارية لمساعدة أسرته بعد إصابة والده بمرض نفسي، متمنيا أن يعود لأن الوضع أجبره للبحث عن مصدر يكفل حياة كريمة له ولأخواته الثلاث، وهو حال مئات الطلاب الذين دفعتهم "اضطرارا" ظروف المعيشة القاسية إلى ميدان العمل.

ويرى حسن السقاف (معلم بمدرسة حكومية) أن سنوات الحرب خلفت قناعة لدى كثير من زملائه بأن استمرارهم في تأدية حصصهم التعليمية رغم انقطاع رواتبهم "واجب وطني في ظل المحنة".

وهو ينتظر من الجهات المعنية بذل جهود أكبر لتوفير مرتبات المعلمين واحتياجات المدارس الحكومية "حتى بالتعاون مع القطاع الخاص".

ويتحدث عن معاناة المعلمين الذين لجؤوا للعمل بالأعمال الحرة لتوفير مستلزمات الحياة، آملا في مساعدتهم ودعم العملية التعليمية لأهميتها في صناعة أجيال الغد والحفاظ على مستقبلهم.

معوقات ومبادرات

كما أشار عاملون بالقطاع التربوي إلى معوقات العملية التعليمية التي تتلخص في انقطاع الرواتب، عدم تأهيل بعض المدارس التي تضررت بفعل الحرب، الانعكاس السلبي للأزمة الاقتصادية على أولياء الأمور مما فتح نافذة لتسرب كثير من الطلاب إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم في توفير احتياجات المعيشة.

في الأثناء، برزت مبادرات مجتمعية تبعث الأمل من قبل مغتربين وميسورين لتوفير المستلزمات الدراسية للأسر الفقيرة والمحتاجة.

يرأس محمد ضيف الله (مغترب يمني بالولايات المتحدة) مبادرة لتوفير الحقائب المدرسية ومحتوياتها لمئات الطلاب بمحافظة إب.

ويوضح -للجزيرة نت- أن المبادرة نابعة من الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه بلده وجيرانه ومحيطه، وأنها لم تتوقف على توفير الاحتياجات المدرسية فحسب بل وفرت مرتبات رمزية لعشرات المعلمين في مدارس حكومية بمبلغ رمزي يصل 100 دولار لكل معلم خلال أشهر الدراسة.

ويدعو كل مقتدر بالداخل أو الخارج للإسهام في دعم العملية التعليمية باعتبارها "رهان المستقبل لصنع جيل واع يخلص البلد من المأزق الحالي".

دعم طارئ

وذكر تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أن 8.1 ملايين طفل يمني بحاجة لدعم تعليمي طارئ، في حين لا يزال مليونان آخران خارج المدارس بسبب الفقر والصراع ونقص الفرص التعليمية.

وأضاف تقرير اليونيسيف، عن تأثير النزاع على تعليم أطفال اليمن، أن أكثر من 171 ألف معلم ومعلمة (ثلثي العاملين بمجال التدريس) لم يتسلموا رواتبهم بشكل منتظم لمدة 4 سنوات مما دفعهم للتوقف عن التدريس من أجل إيجاد سبل أخرى لإعالة أسرهم.

وخلص إلى أن هذا يعرض قرابة 4 ملايين طفل إضافي لخطر فقدانهم فرص الحصول على التعليم، إضافة إلى معاناة أكثر من 523 ألف نازح في سن الدراسة صعوبة الحصول على التعليم بسبب عدم وجود مساحة كافية بالفصول الدراسية الحالية، بعد تضرر المدارس واستخدامها من قبل قوات مسلحة أو إقامة عائلات نازحة فيها.

مدرسة خاصة في ظل أوضاع اقتصادية وأمنية صعبة يعيشها اليمنيون (الجزيرة نت)

أمل ورسالة

من جهته، يعتبر محمود شرف الدين مدير إدارة الإعلام بالإدارة العامة للجودة بوزارة التربية والتعليم في صنعاء أن استمرار العملية التعليمية بهذه الظروف الصعبة تحد كبير، خصوصا في ظل تداعيات ما خلفه العدوان على اليمن من أضرار كبيرة تأثرت بها العملية التعليمية والمؤسسات التربوية.

وأكد -للجزيرة نت- أن استمرار العملية التعليمية يمثل أملا كبيرا بأن يصبح المستقبل أفضل، ورسالة في الوقت نفسه لكل أعداء اليمن "بأن اليمنيين سيتسلحون بالعلم والمعرفة متحدين استهداف المنشآت التعليمية".

وتحدث شرف الدين عن تداعيات الحرب على المعلم والمدارس وأهالي الطلاب، أبرزها تعرض مئات المدارس لقصف الطيران وتوقف صرف مرتبات المعلمين وموظفي الدولة منذ تحويل البنك المركزي إلى عدن.

ولمساعدة المعلمين وأولياء الأمور، أفاد أن وزارة التربية والتعليم أقرت هذا العام صرف مبلغ 30 ألف ريال شهريا لكل معلم (قرابة 50 دولارا) وألزمت المدارس الأهلية بعدم رفع الرسوم الدراسية لمواجهة ظاهرة التسرب المدرسي، وهو ما "يتطلب إستراتيجية شاملة تضمن الأمن المعيشي للمواطنين".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يتلقى كثير من الطلاب اليمنيين دروسهم في العراء، بعدما دمرت الحرب مدارسهم، وهو ما يعرضهم لمشاكل صحية عديدة مع حلول فصل الشتاء، وتقول منظمات دولية إن أكثر من 66% من المدارس اليمنية تضررت بفعل الحرب.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة