مشاهد مروعة ومستشفيات عجزت عن معالجة الحروق.. انفجار عكار يعيد صور مأساة مرفأ بيروت

غاضبون أضرموا النيران في منزل صاحب الأرض مكان وقوع الانفجار في بلدة التليل (الجزيرة)

بيروت– داخل أروقة مستشفى السلام في طرابلس شمال لبنان، يتنقل أحد العسكريين اللبنانيين بحثًا عن شقيقه، ليجده في نهاية المطاف مصابًا بحروقٍ بليغة، كذلك (طه الخوجى)، الذي كان يدور حائرا وقلقا بين غرف الجرحى، بحثًا عن شقيقه الذي ما زال مفقودا، نتيجة انفجار ببلدة التليل في عكار، شمالي لبنان.

وحتى مساء أمس الأحد كانت حصيلة ضحايا الانفجار 28 قتيلاً وأكثر من 80 جريحا، بين مدنيين وعسكريين، سقطوا إثر انفجار صهريج للوقود في التليل، وكان يحتوي على أكثر من 30 ألف لتر من المحروقات، وفق التقديرات الأولية.

وطال الانفجار الدامي عائلة سورية أيضا، ففي طوارئ المستشفى، كان يجلس اللاجئ ياسر محمد مع شقيقته التي كان يواسيها بعد أن هربت من ريف حمص إلى لبنان قبل 10 سنوات، ليقضي اثنان من أبنائها، وهما محمد (27 عاما) وأحمد (26 عاما)، متأثرين بحروق بليغة أصيبا بها.

قال ياسر للجزيرة نت إنهم لم يستوعبوا بعد ملابسات الفاجعة، "لكن الموت يطاردنا"، مشيرًا إلى أن هذين الشابين كانا يعملان في عكار، من دون أن يعرف سبب وجودهما بمكان الحادث.

بكاء وحزن على الضحايا والجرحى داخل مستشفى السلام في طرابلس التي نقل إليها المصابون (الجزيرة)

غموض الانفجار

وحتى الآن، تحوم الملابسات حول الفاجعة، وسط تقاذف للاتهامات السياسية، ولا سيما أن الانفجار وقع بعد أن ألقى الجيش القبض على هذه الكمية المخزنة من المحروقات، فيما توافد عشرات المواطنين سعيًا للحصول على حصة من الوقود الذي شح من الأسواق.

ويتناقل أهالي المنطقة روايتين: الأولى، أن أحد الشبان أقدم على رمي فتيل مشتعل بعد مناوشات حصلت بين المتجمعين حول الصهريج، والثانية، أن أحد الأشخاص، أطلق رصاصة على الصهريج فانفجر.

وحتى الآن، يواصل الجيش تحقيقاته لجمع الأدلة ومعرفة حيثيات ما تسبب بالانفجار، بتوجيه من قيادته ومجلس الدفاع الأعلى، كما ألقت مخابرات الجيش القبض على صاحب الأرض ونجله، بعد أن أقدم محتجون على إضرام النار في منزله وممتلكاته، مكان تخزين كمية المحروقات، ووجهت إليه أصابع الاتهام بالتورط في عمليات تهريب المحروقات إلى سوريا.

في التليل

وتقع بلدة التليل الجردية في أقاصي عكار، على مسافة قريبة من المناطق الحدودية التي تفصل شمال لبنان عن سوريا، والتي تعد منفذًا كبيرًا لنشاط قنوات التهريب غير الشرعية بين البلدين.

وطوال الطريق نحوها، بدا لافتًا إغلاق محطات الوقود، ويقابله حركة كبيرة لتجار المحروقات غير النظاميين، الذي يملؤون أرصفة الطرق بغالونات البنزين، من أجل بيعها للمواطنين بأضعاف سعرها الرسمي.

ووصف كثيرون الانفجار بـ"المجزرة"، فبدت البلدة خالية من المارة، واتشحت بالحزن، وتجمهر شبانها حول مسرح الحادث، لأن من قتلوا أو جرحوا إما من رفاقهم أو أقربائهم.

وفيما يطالب الجميع بالعدالة والكشف عن هوية المتورطين بالانفجار، ومحاسبة من خزّن هذه الكمية من المحروقات بمنطقة مأهولة، قال الشاب علي محمد للجزيرة نت "نحن كل يوم مهددون بالموت، وأصبح جل طموحنا الحصول على البنزين، وصرنا نستشهد في سبيله".

قوات من الجيش والأمن تواصل التحقيق في مسرح الانفجار (الجزيرة)

استثمار سياسي

وواقع الحال، لم تمضِ ساعات قليلة لتتوالى البيانات المضادة وتراشق الاتهامات بين فريقي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري، خصوصا أن لكل من تيار "الوطني الحر" و"المستقبل" نوابا في عكار. وتمحور مضمونها، على تحميل كل طرف الآخر مسؤولية الانفجار، وتبادلا اتهامات مبطنة حول التورط بعمليات التهريب إلى سوريا، بالمنطقة هناك.

كما شهد عدد من شوارع بيروت، تحركات أمام منازل بعض السياسيين، تضامنًا مع ضحايا الانفجار.

وهنا، يعتبر مهند الحاج علي، كاتب وباحث في معهد كارنيغي، أن ردود الأفعال السياسية على الجريمة، انعكاس للتفكك الحاصل بالدولة، ويوافقه على ذلك الباحث والمحلل الاقتصادي منير يونس، معتبرًا أن ما يجرى يعكس اضطراب النظام العام وانفلاته من أي ضوابط.

ويرى الحاج علي، أن ما يحصل ميدانيا، وما يتبعه من ردود أفعال سياسية، يعكس ترهل الأمن في لبنان، وفقدان القوى الأمنية والجيش قدرتهما تدريجيًا، على فرض سيطرتهما على كامل الأراضي، بسبب استشراء الفوضى.

وانفجار عكار، يكشف وفق الحاج علي، أن معظم مناطق لبنان، وخصوصًا بالأطراف، أصبحت خاضعة لسيطرة الأحزاب السياسية وقوى الأمر الواقع، لفرض النظام الذي يناسبها خارج منظومة الدولة.

وقال للجزيرة نت، إن عمليات التهريب إلى سوريا، عززت نفوذ الأحزاب والتيارات الطامحة لتحقيق الأرباح وتمويل مشاريعها واستقطاب شبان المناطق المحرومة كي يكونوا رهن شبكاتهم، مقابل استفادتهم منها، ماديا وسلطويا.

وإذا كان انفجار مرفأ بيروت ذروة الفشل السياسي والأمني في 4 أغسطس/آب 2020، فإن انفجار عكار في 15 أغسطس/آب 2021، يحدد النمط المقبل للحوادث المحتملة، وفق الحاج علي، لأن البلاد دخلت دوامة الفوضى والعنف، وصارت مرشحة على شتى درجاتها، صعودًا وهبوطًا.

ويعتبر الحاج علي أن الإمساك بالحدود صعب، وليس أولوية السلطة، لأن الأقطاب السياسية مستفيدة منه، أو عبر وسطائها بالأطراف.

وعليه، نشأت شبكات رابحة من الوضع الراهن، ومن ازدواجية الأزمة، فخلقت اقتصادًا رديفًا، سواء عبر التهريب، أو عبر السوق السوداء بالداخل لشتى السلع الأساسية، و"بالتالي من الصعب على أي حكومة مقبلة أن تواجه واقعًا مركبًا كهذا"، بحسب الحاج علي.

ويرجح مع اتساع التفلت، أن يتصاعد ما يشبه مليشيات السلطة، وأن "يصبح الأمن كسلعة، على المواطن أن يشتريها، إذا ما ارتكزت كل الجهود على لجم سريع للانهيار".

انعكاسات جانبية

وكشف انفجار عكار جانبًا آخر من الأزمة، والنقص الحاد بشتى الأدوية والمستلزمات الطبية، إذ أفادت بعض المستشفيات بصعوبة توفير أدوية وعلاجات للحروق.

وتفاقمت معاناة اللبنانيين عقب إعلان مصرف لبنان رفع الدعم عن المحروقات، وما تبعه من تخبط سياسي حيال القرار، كما حذرت بعض المستشفيات والمؤسسات من إقفال أبوابها نظرًا لصعوبة توفير مادة المازوت، فيما يعيش لبنان أيامًا مظلمة، نتيجة انقطاع تيار مؤسسة كهرباء لبنان لأكثر من 20 ساعة يوميا.

وهنا، يعتبر منير يونس أن تهريب المحروقات وتخزينها وبيعها بالسوق السوداء، مقابل عجز المواطن الحصول على المادة بطريقة شرعية، ثبّت غياب مفهوم الدولة، وسط فراغ كبير بالحكم.

وذكر أن كل الدول التي اعتمدت سياسة دعم السلع الأساسية فشلت، لأنها شرعت أبواب التهريب وسوء الاستخدام، فيما المنظمات الدولية صارت تنصح بالدعم النقدي.

وقال المحلل الاقتصادي للجزيرة نت، إن الأسر الأكثر فقرًا، كان يمكن دعمها بمليار دولار نقدًا، بدل هدر 6 مليارات سنويًا لصالح التجار والمهربين والمحتكرين من دون أن يحصل الفقراء على حصتهم من الدعم.

وحذّر يونس من استمرار بعض اللبنانيين بتخزين المحروقات، لأنه أشبه بـ"قنابل موقوتة" بين السكان، إضافة إلى مخاطر عمل عشرات محطات الوقود غير المرخصة والتي تحظى بغطاء سياسي.

وإذا لم تتخذ السلطة إجراءات احترازية، يعني أن لبنان "دخل زمن تفجير المواطنين، من نيترات الأمونيوم إلى الوقود، وربما تظهر مواد أخرى لكوارث غير محسوبة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كلف مجلس الدفاع الأعلى في لبنان الجيش والأمن بفرض الرقابة على مصادر الطاقة وتنظيم توزيعها، بعد مقتل 28 شخصا وإصابة نحو 80 آخرين جراء انفجار خزان وقود بمنطقة عكار شمالي البلاد.

Published On 15/8/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة