تداعيات خطيرة.. سيناريو افتراضي يشرح أبعاد ضرب سد النهضة

سد النهضة الإثيوبي يهدد حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل (الجزيرة)
سد النهضة الإثيوبي يهدد حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل (الجزيرة)

القاهرة- تترقب مصر والسودان وإثيوبيا ما ستسفر عنه جلسة مجلس الأمن الدولي مساء اليوم الخميس، لمناقشة أزمة سد النهضة بناء على طلب دولتي المصب، وتعد الجلسة الثانية من نوعها بعد جلسة عقدت قبل أيام وانتهت بحث أطراف الأزمة على الحوار تحت قيادة الاتحاد الأفريقي.

ومع إعلان إثيوبيا الاثنين الماضي بدء الملء الثاني لبحيرة سد النهضة تزايد الحديث عن الخيار العسكري، خاصة في ظل قتامة التوقعات حول ما ستسفر عنه الجلسة الأمنية الأممية.

وطوال الأشهر الماضية ظل الخيار العسكري مطروحا للنقاش كأحد الخيارات الممكنة أو غير الممكنة لحل أزمة السد الإثيوبي بين المحللين السياسيين والخبراء العسكريين في وسائل الإعلام التقليدية، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وترسم الجزيرة نت في نقاط محددة سيناريو افتراضيا لما بعد الضربة العسكرية لسد النهضة إن حدثت، والنتائج المتوقعة لها عسكريا وفنيا ودوليا وعلى المستوى الأفريقي.

إلى ماذا يستند متوقعو الضربة العسكرية؟

في الحقيقة بدا من تطورات الأعوام الماضية -خصوصا منذ توقيع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيسي السودان وإثيوبيا على اتفاق إعلان المبادئ عام 2015- أن مصر متمسكة بخيار التفاوض، وظل هذا قائما رغم أن الجولات المتتالية للمفاوضات لم تؤد إلى شيء.

وبعد قيام إثيوبيا في العام الماضي بالملء الأول لبحيرة السد ظلت مصر متمسكة بخيار التفاوض ومحاولة حشد ضغط دولي على إثيوبيا، لكن أصواتا مصرية -خصوصا في الإعلام القريب من السلطة- بدأت من آن إلى آخر تلوح بالخيار العسكري كورقة أخيرة لمصر.

لكن الأيام الأخيرة شهدت تطورات وتصريحات تدعم أنصار سيناريو قرب التحرك العسكري، ومن أبرز هذه التصريحات:

  • اليوم الخميس، قال وزير الدفاع المصري الفريق أول محمد زكي إن القوات المسلحة بما تمتلكه من فرد مقاتل وقدرات قتالية وأسلحة متطورة في التخصصات كافة قادرة على ردع كل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر ومقدرات الشعب المصري العظيم.
  •  قبل يومين، حذر المتحدث العسكري من اختبار رد فعل القوات المسلحة في ظل قدراتها العالية للردع.
  •  السبت الماضي وخلال تقديمه حفل افتتاح قاعدة ٣ يوليو البحرية (شمال البلاد) قال العميد ياسر وهبة: لسنا دعاة حروب أو صراعات ولكننا إذا فرض علينا القتال دفاعا عن حقوقنا فنحن أهله.
  •  خلال مأدبة غداء بعد حفل افتتاح قاعدة ٣ يوليو البحرية، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه لا يجوز التفاوض مع إثيوبيا بشأن قضية سد النهضة إلى ما لا نهاية. وسبق للسيسي أن أكد قبل أسابيع أن قضية المياه خط أحمر للمصريين، مضيفا "من يريد التجريب فليجرب".

أولا: ساحة العمليات

خبيران عسكريان أكدا أنه لا حل أمام مصر إلا ضرب السد، إضافة إلى نجاح العملية.

الخبير العسكري والإستراتيجي المصري العميد متقاعد صفوت الزيات أكد في تصريحات لفضائية الجزيرة مباشر أن:

  •  الضربة العسكرية للسد باتت في حيز الضرورة القصوى، وهي ليست للعدوان.
  •  مصر تمتلك خيارين: الأول من خلال العمل عبر المسافات البعيدة انطلاقا من قاعدة برنيس (جنوبي مصر) التي تبعد مسافة 1400 كلم عن سد النهضة.
  • والآخر يتمثل في وجود تسهيلات جوية تقترب من الحدود السودانية، مما يزيد القدرة العسكرية بنسبة 80%، انطلاقا من قاعدة مروى (شمال) وغيرها.
  • من الأفضل استخدام الأراضي السودانية، خاصة أن السد على مقربة من الحدود السودانية، مما يتيح للمقاتلات المصرية الطيران المنخفض والمناورة والوجود في أوقات قليلة من منطقة الهدف.
  • من الأفضل أن توجه الضربة إلى أدوات أجهزة الإنشاء وكل ما هو فوق السطح، إضافة إلى قطاعات في المحور الأوسط للسد، ولدى مصر صواريخ تحملها المقاتلات قادرة على تنفيذ ذلك.
  •  تستطيع مصر ضرب السد دون تعاون سوداني طالما كان الأمر قاصرا على استهداف أعمال المنشآت الجارية.
  • الرد الإثيوبي: لدى أديس أبابا مقاتلات قادرة على الوصول إلى منطقة السد العالي (جنوبي مصر)، لكن المنظومة الدفاعية الجوية المصرية قادرة على الحماية والرد خلافا لضعف القدرات الإثيوبية.
  • الولايات المتحدة قد تطبق على مصر عقوبات بموجب قانون "كاتسا" (الذي يعاقب الدول التي تتعاون مع خصوم واشنطن) بعد أن منعتها من الحصول على مقاتلات ذات ذراع طويلة، في إشارة إلى استخدام مقاتلات "سوخوي-35" الروسية.

أما الخبير العسكري والإستراتيجي الأردني فايز الدويري فركز في حديثه للجزيرة نت على النقاط التالية:

  • لا يرى في الأفق عملا عسكريا، واحتمالاته لا تزيد على 3%، إلا أنه أكد قدرة القاهرة على التنفيذ بمفردها، في ضربة عسكرية محسوبة، وبالتركيز على سلاح الجو.
  • يمكن لطائرات "رافال" و"سوخوي-35″ الانطلاق من قاعدة برنيس، لتدمير محطات الكهرباء دون ضرب السد نفسه، والعودة إلى القاعدة دون الحاجة لمساندة السودان.
  • المقاتلات المصرية قادرة على حمل أطنان من المتفجرات إذا خففت صواريخها لصالح إمدادات الوقود.
  • في حالة أكبر يمكن ضرب السد المساند (السرج) لسد النهضة.
  • قدرات إثيوبيا الصاروخية لا مجال للحديث عن قوتها، لكن على القاهرة حساب المخاطر الناجمة.

ثانيا: التداعيات الفنية والهيدروليكية والبيئية

وحول تداعيات العمل العسكري من الناحية الفنية، طرح الأكاديمي المصري محمد حافظ أستاذ هندسة السدود والموانئ في حديثه للجزيرة نت النقاط التالية:

  •  مصر قادرة من الناحية الفنية على تحويل السد الخرساني إلى تراب وليس فقط إعطابه.
  • نظرا لطبيعة موقع السد ومسار التحرك العسكري البعيد فإن الضربة لن تكون "نزهة"، بل حرب طويلة الأمد.
  • في حالة عدم ضرب السد (الخرساني) والحفاظ عليه حتى لا يسبب غرق سد الروصيرص السوداني (يبعد حوالي 20 كلم عن سد النهضة) عندئذ يكون الكلام تحديدا عن ضرب محطات الكهرباء.
  • ضرب محطات الكهرباء يمثل هدفا ثمينا كافيا لتعطيل السد قرابة 5 سنوات.
  • تضمين العملية العسكرية تدمير سد السرج يمثل ضربة مؤلمة بشدة لإثيوبيا دون تعرض سد الروصيرص أو السودان لأي مخاطر.
  • من المستبعد لجوء إثيوبيا لتهديدات حقبة السبعينيات بتحويل مجرى النهر ليكون المصب في البحر الأحمر.
  • من الناحية الفنية البحتة النيل الأزرق ينحدر باتجاه الشمال الغربي نحو الحدود السودانية، وتغيير هذا الانحدار ليصب في البحر الأحمر يحتاج إعادة تشكيل طبوغرافيا الكون، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله.
  • قبل التفكير في أي عمل عسكري لا بد من تأمين السدود السودانية أولا ثم السد العالي.
  • اكتمال الملء الثاني يعني ضمنيا تخزين قرابة 7.5 مليارات متر مكعب أمام سد النهضة، وفي حال تعرض هيكله لعملية عسكرية فنصف هذا المخزون سيتراكم ببحيرة سد الروصيرص على مدار 6 ساعات من لحظة الانهيار.
  •  قدرة فتحات سد الروصيرص لا تزيد على 45 مليون متر مكعب في الساعة الواحدة، وستأتيه تدفقات تعادل قرابة 500 مليون متر مكعب في الساعة، أي أكثر من 10 أضعاف قدراته على التصريف.
  • عندئذ سوف تغمر المياه جوانب سد الروصيرص الترابية وتمحوها من على وجه الأرض وكأنه لم يكن.
  • ثم يضاف مخزون بحيرة الروصيرص فوق مخزون سد النهضة، فيغرق أهالي المدن والقرى الواقعة على شاطئ النيل الأزرق بموجة لن يقل ارتفاعها عن 10 أمتار ولفترة تتراوح بين 3 و5 ساعات إلى حين انخفاض المنسوب تدريجيا.

ثالثا: ردود الفعل الدولية

عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق تحدث للجزيرة نت مؤكدا على النقاط التالية:

  • الضربة العسكرية لسد النهضة واردة، وإثيوبيا هي من تفرض العمل العسكري، حيث لم تترك متسعا من البدائل سوى اللجوء إليه.
  • إذا لم يتم ضرب السد وإنقاذ مصر فسيفقد النظام السياسي والرئيس المصري شرعيتهما.
  • المجتمع المصري معرض للهلاك، وأيا كانت الآثار المترتبة على العمل العسكري كالعقوبات الدولية فلن تكون كنتائج اختفاء مصر من على الخريطة.
  • مصر ستدافع عن بقائها طبقا لمبدأ الدفاع الشرعي عن النفس بعد أن طرقت كل الأبواب.
  •  نأخذ تهديد السيسي لمن ينال من حقوق مصر المائية مأخذ الجدية.
  • الاعتداء على الحق المصري في مياه النيل يفتح الباب لفشل مصري في القارة الأفريقية.
  •  التسوية السياسية انتهت بعد "تواطؤ" الاتحاد الأفريقي لصالح إثيوبيا.

ويتفق الأكاديمي والباحث المصري في العلوم السياسية محمد الزواوي مع كثير مما طرحه السفير عبد الله الأشعل، حيث أكد في حديثه للجزيرة نت على النقاط التالية:

  • أتوقع ألا تقوم مصر بضربة شاملة تدميرية للسد مباشرة، ولكن توجيه ضربات جراحية لأهداف منتقاة في جسم السد، لإجبار أديس أبابا على الرجوع إلى التفاوض.
  • هذه المرة ستكون القاهرة في موقع قوة، ولا سيما إذا ما اتخذت مصر كل المسارات القانونية وأبلغت الدول الكبرى بتحركاتها بصورة مسبقة.
  • خيار إذعان إثيوبيا للمطالب المصرية سلميا يظل الأفضل للجميع.
  • تداعيات الضربة العسكرية على مصر تكاد لا تذكر.
  •  إثيوبيا دولة هشة، وجيشها أثبت فشله الذريع في حروب الداخل، فضلا عن حروب الخارج، والتاريخ أثبت أنها تستخدم المليشيات المحلية للمناطق الفدرالية، وأنها سيئة التسليح والتدريب والتجهيز.
  • لن يستطيع الجيش الإثيوبي توجيه أي ضربات انتقامية ناجعة لمصر أو السودان سوى تحريك مليشياته -ولا سيما في منطقة الأمهرة- لإحداث مناوشات مع السودان.
  • مصر لديها منظومة من أقوى الدفاعات الجوية في العالم بالجمع بين الأسلحة الغربية والشرقية، ومن ثم لا تستطيع إثيوبيا الوصول إلى أهداف حيوية مصرية.
  • تظل هناك إمكانية قيام إثيوبيا بعمليات تخريبية ضد الأهداف المصرية الهشة -سواء سفارات أو قنصليات- على غرار عمليات التنظيمات الجهادية عن طريق مليشياتها التي لا تعترف بها في الأغلب وتقول إنها خارجة عن سلطة الدولة كما حدث في منطقة الفشقة السودانية مرارا وتكرارا.
  •  وفي حالة قيامها بتلك الإجراءات سيؤدي ذلك إلى مزيد من عزلة النظام الإثيوبي، في ظل ارتكابه انتهاكات وجرائم حرب ضد التيغراي، ومواجهته انتقادات متصاعدة من المنظمات الحقوقية الدولية.
  • في حال أثبتت مصر حدوث ضرر جسيم ضدها لا يمكن تلافيه فإن ذلك يعطيها حق الدفاع الشرعي عن النفس طبقا للقانون الدولي، ومن ثم يجعلها تخرج من احتمالية فرض عقوبات عليها.
  • علاقة مصر بالدول الصديقة لن تتأثر بعد عمل عسكري ضد السد إذا ما عملت القاهرة على الحفاظ على مصالح تلك الدول واستثماراتها، سواء العربية أو الأجنبية.

رابعا: الموقف في أفريقيا

في ما يخص الجانب الأفريقي، شدد الباحث النيجيري المختص بالشؤون الأفريقية حكيم نجم الدين في حديثه للجزيرة نت على النقاط التالية:

  •  ضرب السد لن يتم بجدية، لأن تدميره -سواء بغارة جوية مصرية أو من قبل جنود ومرتزقة- سيعني تلقائيا اندلاع مواجهة عسكرية في منطقة مضطربة أصلا.
  • ضرب السد سيؤثر في المناطق المجاورة له الواقعة في بني شنقول-جومز على بعد 15 كيلومترا فقط من الحدود مع السودان.
  • بالنسبة لموقف الاتحاد الأفريقي: من المحتمل وجود اصطفاف لعدة دول أفريقية -خاصة من جنوب الصحراء- وراء إثيوبيا.
  • لكن وضع الحكومة الإثيوبية لا يبشر في الوقت الحالي بخير، بسبب أزماتها مع بعض الأقاليم، بما فيها تيغراي، ولخلافها مع بعض جيرانها، بما فيها السودان.
  •  لا تزال العديد من الدول الأفريقية غير مقتنعة بوجهة نظر مصر حول قضية السد، بل تعتبره مشروعا حاسما لأجندة إثيوبيا التنموية رغم التأكيد على ضرورة الحل السلمي.
  •  من الخطأ اعتبار سكوت العديد من هذه الدول على أنها تصطف وراء مصر أو أنها لم تتخذ موقفا معينا.
  •  إثيوبيا أحرزت تقدما كبيرا في الترويج للقضية على أنها أفريقية، وبالتالي يجب حلها عبر الآليات الأفريقية، وأن بيان جامعة الدول العربية وجر مصر القضية إلى مجلس الأمن الدولي يشيران إلى تجاهل مصر حقوق الدول الأخرى في حوض النيل.
  •  الرد الإثيوبي المحتمل: بالنظر إلى إمكانية استغلال الاشتباكات في بعض المناطق السودانية وتجارب إثيوبيا في توسيع قدراتها القتالية قد يكون السودان أكثر المتضررين من الضرب، بسبب اتجاه الفيضان شمالا نتيجة التدمير.
  •  أما عن الداخل الإثيوبي فلا يزال معظم الإثيوبيين يعتزون بمشروع السد رغم خلافاتهم، وبالتالي قد يؤدي ضربه إلى توحيد الصفوف الداخلية.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا صوت يعلو فوق صوت “سد النهضة” بمصر منذ إعلان إثيوبيا بدء الملء الثاني للسد، ولليوم الثاني على التوالي تصدرت الأزمة وسائل الإعلام المصري التي استضافت عددا كبيرا من الخبراء بحثا عن مخرج لهذه المعضلة.

7/7/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة