أزمة سد النهضة تراوح مكانها.. مصر تلقي بورقة الهجرة غير الشرعية

أديس أبابا تستعد للملء الثاني لسد النهضة وسط اعتراضات القاهرة والخرطوم (رويترز)

القاهرة – مع تصاعد أزمة سد النهضة الإثيوبي وخلال الأشهر الأخيرة، بدا واضحا أن القاهرة تحاول على لسان مسؤوليها رسم سيناريوهات تحذيرية أمام المجتمع الدولي، باعتبارها آثارًا مترتبة على أزمة السد، من ضمنها تهديد استقرار وأمن منطقة القرن الأفريقي وانعكاس ذلك على الاستقرار الدولي.

آخر تلك التحذيرات، أطلقها وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي، الذي توقع موجة كبيرة من الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية نتيجة تداعيات نقص المياه في بلده، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة مهمة لجذب الاهتمام الدولي، فيما اعتبره آخرون نوعا من الابتزاز غير المقبول، فضلا عن تضاربه مع تصريحات مصرية سابقة قللت من تأثيرات السد.

وأثناء مؤتمر نظمته وزارة البيئة الألمانية الجمعة الماضية، قال وزير الري المصري إن نقص مليار متر مكعب من المياه في بلده سيتسبب في فقدان 200 ألف أسرة لمصدر رزقهم في قطاع الزراعة، مما يعني تضرر نحو مليون مواطن، علما بأن قطاع الزراعة في مصر يعمل به نحو 40 مليون مواطن، حسب تصريحات الوزير.

بطالة وهجرة وإرهاب

وأضاف عبد العاطي أن أي نقص في الموارد المائية سيكون له انعكاسات سلبية ضخمة على نسبة كبيرة من سكان مصر، محذرا من عدم الاستقرار المجتمعي جراء ارتفاع نسب البطالة، وهو ما سيؤدي إلى موجة كبيرة من الهجرة غير الشرعية للدول الأوروبية وغيرها، أو انضمام الشباب إلى جماعات إرهابية.

وتطالب القاهرة باتفاق قانوني عادل وملزم لملء وتشغيل السد الإثيوبي، بما يضمن عدم المساس بحصتها من مياه نهر النيل التي تبلغ 55 مليار متر مكعب سنويا.

وقدرت دراسة حديثة -أعدتها جامعة جنوب كاليفورنيا بالتعاون مع جامعة كورنيل ووكالة الفضاء الأميركية "ناسا"- متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بنحو 31 مليار متر مكعب سنويا بسبب سد النهضة.

وتوقعت الدراسة التي حملت عنوان "عجز المياه في مصر وسياسات التخفيف المقترحة لسيناريوهات ملء سد النهضة الإثيوبي"، تراجع الرقعة الزراعية بنسبة قد تصل إلى 72% من إجمالي المساحة الزراعية الحالية بمصر، في حال عدم معالجة العجز المائي والوصول لاتفاق لخطة التخزين.

تحذيرات سابقة

التحذير من موجات هجرة محتملة إلى أوروبا لم يكن جديدا من نوعه في ظل احتقان أزمة السد، غير أنه الأول من حيث مخاطبة مسؤولين أوروبيين بشكل مباشر.

في مارس/آذار الماضي، صرح وزير الري بأن زراعة 200 ألف فدان تحتاج مليار متر مكعب من المياه، مما يعني تشغيل 200 ألف مزارع، "والمزارع الواحد لديه أسرة مكونة من 5 أفراد، أي سوف يتم التأثير على مليون مواطن" حسب قوله.

وأضاف الوزير في تصريحات متلفزة، أن نقص المياه سيجعل المزارعين أفقر شريحة في المجتمع المصري، مما سيدفعهم إلى الهجرة غير شرعية ويصبحون فريسة سهلة للجماعات المتطرفة.

وعلى نفس خط التحذير، وجه السفير المصري لدى الولايات المتحدة معتز زهران رسالة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن يطالبها بالتدخل لإنقاذ المفاوضات، والتوسط للوصول إلى حل سلمي يمنع الاضطرابات في المنطقة، على حد قوله.

وطالب زهران في مقالا نشرته مجلة "فورين أفيرز"، في أبريل/نيسان الماضي، بتدخل الشركاء الدوليين بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لدعم عملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، محذرا من آثار ضارة تزعزع استقرار المنطقة وتصل إلى الحلفاء في الغرب، حال إصرار الجانب الإثيوبي على التصرف الأحادي.

وتوقع السفير أن "يؤدي الفشل في حل مشكلة سد النهضة إلى تسريع الآثار المدمرة لتغير المناخ في المنطقة، وإطلاق موجة من الهجرة غير الشرعية إلى الغرب، وفتح الباب أمام صراعات جديدة، وصعود للإرهاب في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا".

وخلال الفترة الماضية، حاول إعلاميون مقربون من السلطة الترويج لسيناريو الهجرة غير الشرعية، فقال المذيع نشأت الديهي، إن أوروبا العجوز لن تتحمل وصول 10 ملايين لاجىء مصري وسوداني إليها جراء عدم إيجاد حل لأزمة سد النهضة.

وتابع الديهي "نحن لا نهدد ولا نتسول موقفا من الاتحاد الأوروبي، ولكننا نحذر".

موقف محايد

في المقابل، لم تفعل أوروبا حيال أزمة سد النهضة أكثر من المطالبة بضرورة التوصل إلى اتفاق بين الأطراف، قبل شروع أديس أبابا في الملء الثاني للسد والمزمع أن يبدأ الشهر الجاري.

وقال مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى إثيوبيا والسودان بيكا هافيستان، إنه من المهم التوصل على الأقل لاتفاق ولو بشكل انتقالي حول الملء الثاني.

وأضاف هافيستان، في تصريحات صحفية الشهر الماضي، أن الاتحاد الأوروبي يؤمن بقدرته مع الاتحاد الأفريقي على مساعدة الأطراف الثلاثة للوصول إلى حل في القضية القائمة بينهم.

وتحركت القاهرة -بالاتفاق مع السودان- إلى مجلس الأمن الدولي، حيث طالبت وزارة الخارجية المصرية بعقد جلسة طارئة حول أزمة سد النهضة.

ورغم أن مجلس الأمن حدد الخميس المقبل موعدا لعقد جلسة حول السد، الرئيس الدوري للمجلس -الفرنسي نيكولا دو ريفيير- استبق ما ستسفر عنه الجلسة، قائلا إن مجلس الأمن ليس لديه الكثير الذي يمكنه القيام به في أزمة سد النهضة بين السودان ومصر وإثيوبيا.

وهو ما دفع وزير الخارجية المصرية سامح شكري، للقول إن القاهرة تتوقع من مجلس الأمن جهدا إضافيا لدفع الأطراف لاستئناف مفاوضات سد النهضة، معتبرا أن هناك مصالح متضاربة داخل المجلس، وأن بعض أعضائه يترددون في مناقشة قضايا المياه.

ورقة ضغط

الهجرة غير الشرعية هي ورقة في غاية الأهمية، من وجهة نظر القيادي بحزب الحرية والعدالة عز الدين الكومي، "لكنها تحتاج إلى من يوظفها التوظيف الصحيح، كما فعلت تركيا مع أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا قبل أعوام قليلة" حسب قوله للجزيرة نت.

لكن القاهرة لن تستطيع استخدام هذه الورقة لأنها سبق وأن استخدمتها بالفعل، وفق رأي الكومي، الذي أوضح أن النظام الحالي قايض الغرب بأن يغض الطرف عن الانتهاكات الحقوقية بحق المعارضين المصريين مقابل حماية الحدود الجنوبية للبحر المتوسط.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي بالفعل لا يحرك ساكنا أمام الانتهاكات في الملف الحقوقي داخل مصر، بل ويستقبل السيسي في العواصم الأوروبية "باعتباره محارب الصحراء للهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب المزعوم" حسب قوله.

وفي أبريل/نيسان الماضي، صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مقابلة مع صحيفة "دي فيلت" الألمانية أن بلاده تمنع منذ سبتمبر/أيلول 2016 المهاجرين من التسلل إلى أوروبا بشكل غير قانوني.

ابتزاز وتضارب

بدوره يقول الوكيل الأسبق للجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان جمال حشمت، إن التحذير المصري ابتزاز للقارة العجوز، وهو ما اعتبره دلالة على الفشل التام في إدارة الملفات السياسية، خاصة ملف سد النهضة.

وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر حشمت أن "ما يحدث قمة الأداء الفاشل الذي يجعل الشعب تحت ضغط الهجرة لضيق العيش في بلده، بسبب سياسات انتقائية تمييزية فرقت الشعب بين غنى فاحش وفقر مدقع".

واستبعد البرلماني السابق أن تستمع أوروبا إلى التحذير المصري، لافتا إلى اشتراك شركات أوروبية في بناء سد النهضة.

من جهته، قال نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي زهدي الشامي، إن تصريحات وزير الري تمثل تضاربا مع تصريحاته السابقة، وتصريحات وزير الخارجية سامح شكري، حيث تم التقليل سابقا من أضرار سد النهضة على المصريين.

وعبر صفحته بالفيسبوك، قال الشامي إن تصريحات الوزير بدت للأجانب نوعا من الابتزاز والتخويف غير المقبول وغير المقنع، مضيفا لكن ماذا عن مستمعيه من المصريين، إذ لا يبدو أنه فكر للحظة في تأثير تصريحه غير المسؤول عليهم، ألا يبدو تصريحه لهم نوعا من إعلان الهزيمة الفعلية والاستسلام أمام النظام الإثيوبي؟

تولّ أنت جميع أمرك

تحت عنوان "ما نحتاجه من أوروبا في سد النهضة"، أشار رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية عماد الدين حسين، إلى الموقف القوي والداعم والمتفهم من جانب بعض الدول الأوروبية تجاه مصر في قضية السد الإثيوبي، لكنه أردف "لكن ظني الشخصي أن مجمل المواقف ليس قويا بما فيه الكفاية، بحيث يقنع إثيوبيا بأن إصرارها على السير قدما في التحدي والتعنت سيكلفها الكثير دوليا".

وأوضح حسين وهو من مؤيدي السلطة، أن القاهرة لا تريد من أوروبا والعالم بأسره أن يحارب معاركنا الخاصة، داعيا في الوقت نفسه إلى ما وصفها مواقف حاسمة وعادلة في الصراعات شديدة الخطورة.

واستطرد "أوروبا أو غيرها قد لا يعنيها كثيرا سد النهضة، وبعض دولها قد تشجع إثيوبيا، لكن المؤكد أن التعنت الإثيوبي قد يقود إلى تفجر الأوضاع بصورة دراماتيكية سيدفع جزءا من ثمنها الأوروبيون أنفسهم".

وحكى رئيس تحرير الشروق عن جلسة جمعته وعدد من الإعلاميين المصريين، قبل أسبوعين، مع سفير الاتحاد الأوروبى في مصر، كريستيان بيرغر، حيث التزم الأخير بردود دبلوماسية تخص أسئلة حول سد النهضة.

ونقل حسين رد بيرغر على سؤال حول مدى إدراك أوروبا لمخاطر تدفق ملايين المصريين إلى أوروبا واندلاع صراعات طائفية وعرقية حال تفجر الصراع بسبب السد، "أوروبا مهتمة جدا بالقضية وتواصل جهودها، وعينت مبعوثا لهذا الأمر، ودخولها لهذه القضية جاء في مرحلة تالية بعد الولايات المتحدة التي قادت ورعت المفاوضات قبل عامين وعينت مؤخرا جيفرى فيلتمان مبعوثا".

ويبدو أن الكاتب المصري خرج من لقاء سفير الاتحاد الأوروبي بإجابة ضمنية تقول إن القارة العجوز لن تفعل شيئا لحل الأزمة حيث اختتم مقاله قائلا "حينما خرجت من منزل السفير بعد التقاط الصور التذكارية، تذكرت بيت الشعر الذي يقول، ما حك جلدك غير ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

من جلسة مفتوحة لمجلس الأمن بشأن الاتفاق النووي الإيراني - المصدر مجلس الأمن

قال مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة نيكولاس دي ريفيير إن مجلس الأمن الدولي سيجتمع على الأرجح الأسبوع المقبل، لبحث النزاع بين السودان ومصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق.

Published On 1/7/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة