بعد خيبة الانتخابات الإقليمية.. حزب التجمع الوطني الفرنسي يعلن التعبئة والنفير العام

يقدّر مراقبون مقربون من اليمين الفرنسي المتطرف أن الهزيمة بالانتخابات الإقليمية مؤشر سلبي على فرص فوز مرشحته بالرئاسيات المقبلة

French far right leader Marine Le Pen reacts to the results of regional election, in Nanterre
زعيمة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبان حاولت تجاوز هزيمتها بالانتخابات الإقليمية وحشد أنصارها للرئاسية ( رويترز)

باريس – عقد حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني "المتطرف" مؤتمره 17 بمدينة بربينيان، جنوب غرب البلاد، لتقييم خسارته بالانتخابات الإقليمية، وإعادة تعبئة جمهوره دعما لترشيح زعيمته مارين لوبان للانتخابات الرئاسية العام المقبل.

وفي نتيجة متوقعة، وباعتبارها المرشحة الوحيدة، فازت لوبان بولاية رابعة على رأس الحزب، وبنسبة فاقت 98% من أصوات المنتسبين.

وستتخلى لوبان، التي تتزعم التجمع منذ عام 2011، عن منصبها مؤقتا في سبتمبر/أيلول المقبل، استعدادا لخوص الانتخابات الرئاسية المقررة بأبريل/نيسان 2022. على أن يخلفها في رئاسة الحزب بالنيابة المقرب منها جوردان برديلا الذي اختير "نائبا أول للرئيس".

وكان أعضاء التجمّع الوطني قد أدرجوا تعديلات على نظامه الداخلي، تتيح وجود رئاسة موقتة لمدة 12 شهراً.

تشكيك وانتقادات

وانعقد مؤتمر الحزب على وقع حملات التشكيك والانتقاد من قواعده، والاحتجاجات التي شهدتها مدينة بربينيان خلال اليوم الأول من انعقاد المؤتمر، يومي 3 و4 يوليو/تموز، بمشاركة مئات المتظاهرين الذين رفعوا لافتات كتب عليها "معا ضد اليمين المتطرف" بدعوة من جمعيات ومنظمات ونقابات وأحزاب اليسار.

وواجه المؤتمر، الذي ينعقد كل 3 سنوات، تحديات قوية في محاولته رص الصفوف والتعبئة العامة خاصة بعد الخسارة الكبرى التي مُني بها لعدم تمكنه من الفوز بأية منطقة بالدورة الثانية من الانتخابات الإقليمية التي جرت نهاية الأسبوع الماضي.

وقبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية، اعتبر مراقبون مقربون من اليمين المتطرف أن نتائجه في الإقليمية تعد مؤشرا سلبيا وبداية سيئة وغير مشجعة لحزب التجمع الوطني، وذلك رغم تأكيد زعيمته أن الانتخابات الإقليمية ستكون نقطة انطلاق لنجاحها عام 2022.

ووعيا منه بفداحة هذه الخسارة وتأثيرها على فرصها بالانتخابات الرئاسية المقبلة، قال فيليب أوليفييه مستشار لوبان في تصريحات إعلامية "لو تمكنا من الفوز بإحدى المناطق لكان الأمر أسهل".

ولكن المسؤول الثاني بالحزب والرئيس المستقبلي بالوكالة (برديلا) حاول التفاؤل من خلال خطاب التعبئة الذي انتهجه وقدمه السبت، حيث قال "لم يذهب كل شيء سدى، ما زال هناك طريق إلى النصر. لا يحق لنا أن نشكّك".

ولأن لوبان تدرك التحديات الداخلية كما الخارجية، فقد حاولت، في خطابها يوم الأحد، التوازن بشكل كبير في القضايا التي تناولتها. كما دفعت برسائل متفائلة إلى مناصريها ودغدغت مشاعرهم بالحديث عن ملفات حيوية كانعدام الأمن، الإرهاب، الإسلام السياسي، مشاكل الهجرة، العلمانية، الوحدة، الهوية الوطنية.

الجولة الثانية من الانتخابات الإقليمية بفرنسا والتي جرت في 27 حزيران/يونيو المنصرم ( رويترز)
الجولة الثانية من الانتخابات الإقليمية بفرنسا يوم 27 يونيو/حزيران المنصرم ( رويترز)

الانفتاح والقطع مع الماضي

وواصلت لوبان نفس السياسة، التي انتهجتها منذ وصولها إلى رأس الحزب، في تقديم التجمع الوطني على أنه حزب "مثل الآخرين" لتجنب شيطنة تسمية "اليمين المتطرف" التي تفقده الكثير من الناخبين.

وأكدت أن التجمع الوطني يريد "الانفتاح على القوى السياسية الأخرى". وهو نفس الخطاب الذي انتهجه المتحدث باسمها سيبستيان شونو حين قال "على الحزب أن ينفتح، لا أن ينكمش".

وواصلت لوبان سياسة التعبئة وخطاب رص الصفوف بعد حملة التشكيك التي طالت التجمع، على إثر الهزيمة المدوية في الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

وقالت في هذا السياق "يجب أن نقنع الفرنسيين بأهمية هذا الاجتماع.. نحن نناضل من أجل فرنسا ومن أجل الحرية. لن نستسلم أو نشك في قدراتنا".

وردا على ظاهرة العزوف عن التصويت بالانتخابات الإقليمية، حثّت لوبان قاعدتها الانتخابية على التحلي بالمسؤولية والحس المدني والتصويت لها بالانتخابات الرئاسية القادمة.

وقالت زعيمة التجمع الوطني "الامتناع عن التصويت ليس علامة على الاحتجاج، بل علامة تبخر مدني، إنه محو للمواطن" مضيفة أن "السترة الصفراء" التي تمتنع عن التصويت "تحقق فائزًا واحدًا فقط: ماكرون".

ووسط هتاف المئات من مناصريها، حاولت لوبان اللعب على حبل الانتماء والهوية و"الأمة الفرنسية النقية" وقالت "لا توجد أمة إذا لم تكن هناك هوية. الهوية هي من نحن وما يوحدنا. الشعور المتجدد بالانتماء هو أفضل حصن ضد الطائفية والفردية. لدينا الطموح لإعادة فرنسا إلى ما كانت عليه".

واستحضرت لوبان الموضوع المحبذ لأنصار اليمين، وهو الأمن. وشددت على ضرورة "أن تستعيد الدولة وظيفتها الأساسية، وهي تنظيم أمن الفرنسيين".

كما شددت في خطابها على مسألة الوحدة مؤكدة على أنه "لا قوة ولا مستقبل لفرنسا بدون وحدة". وأعلنت اعتزامها إقامة حكومة وحدة وطنية مشروعها "سلام أهلي يعيد للفرنسيين ثقتهم بأنفسهم في مواجهة الميول الانفصالية والعنصرية".

وعن تصورها للانتخابات الرئاسية المقبلة، قالت لوبان إنها "لن تكون مواجهة بين الناس، بل مواجهة أفكار ورؤية". وأضافت "أريد أن أكون المرشح، ثم رئيس الحلول الملموسة والإيجابية للحياة اليومية".

يرى مراقبون مقربون من التجمع اليميني قلة فرص لوبان بالفوز بالانتخابات الرئاسية أمام ماكرون (الفرنسية)

انقسامات داخل التجمع

مقابل الخطاب الحماسي التعبوي والإصرار على سياسة انفتاح التجمع على بقية الأحزاب ومكونات المجتمع السياسية، ترتفع أصوات داخل التجمع واليمين المتطرف عامة منتقدة إستراتيجية الحزب في تلميع صورته وجعله قوة مقبولة على الساحة السياسية.

وقد عمقت هذه الانتقادات الانقسامات في التجمع، خاصة بالانتخابات الإقليمية الأخيرة، حيث انتقدت بعض كوادره إقحام مرشحين من صفوف اليمين كرؤساء لقوائم انتخابية في بعض الدوائر الانتخابية.

وهو نفس الأمر الذي دفع رومان لوبيز، رئيس بلدية موساك (جنوب غرب) للتساؤل عن جدوى حضور مؤتمر إذا لم يناقش مسائل جوهرية. وقال "إذا تعلق الأمر بالجلوس والتصفيق بحرارة وإجراء سباق محموم عبر التغريدات، فمن الأفضل البقاء في المنزل".

ويعارض مؤسس الحزب جان ماري لوبان بقوة سياسة الانفتاح التي تحاول ابنته المضي فيها قدما، ويعتقد أنه يتعين استعادة "رجولته" و"إحياء" موضوعاته المفضلة وفي مقدمتها الهجرة وانعدام الأمن.

في حين يعتبر النائب بالبرلمان الأوروبي جيلبير كولارد الدعوة لـ "إزالة الشيطنة فخ". وهو ذاته موقف مناصري المرشح اليميني المتطرف المحتمل للانتخابات الرئاسية القادمة إريك زيمور، المعروف بمواقفه المتطرفة والخلافية، والذي يعتبر مارين "معتدلة للغاية".

المصدر : الجزيرة