بين الرفض والقبول.. مشروع قانون بتعليق الحصانات في قضية انفجار مرفأ بيروت

عبّرت معظم القوى، شكليا، عن موافقتها على مبدأ رفع الحصانات، غير أن بعضها، وفي طليعتهم التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل، يرفض تعديل الدستور بالجزئية المتعلقة برفع الحصانة عن رئيس البلاد

تمر الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب (رويترز)
تمر الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب (رويترز)

بيروت – على مسافة أيام من الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب، يعكس أداء القوى السياسية إرباكا ملحوظا، وفق كثيرين، ويتسلح معظمها بحصانات دستورية، تبدو عائقا أمام مسار التحقيق المحلي، الذي من المفترض أن يكشف ملابسات انفجار دموي شكل منعطفا انحداريا في تاريخ البلاد.

تعليق الحصانات

واقترح رئيس كتلة تيار المستقبل البرلمانية سعد الحريري، مشروعا يقضي بتعليق كل المواد الدستورية والقانونية التي تمنح حصانة لرئيس الجمهورية، ولرئيس الحكومة والوزراء والنواب والقضاة والموظفين (بالقطاع الرسمي) وحتى المحامين.

وكان القاضي طارق بيطار، طالب مطلع يوليو/تموز، برفع الحصانة عن 3 نواب (وزراء سابقين)، هم علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق، للتحقيق معهم بقضية الانفجار، لكن البرلمان استمهل قبل اتخاذ قراره، طالبا إيضاحات ومستندات تبرر مضمون طلبه.

وحينها، طلب بيطار الإذن للتحقيق مع مدير الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، و5 قادة أمنيين وعسكريين، بينهم قائد الجيش السابق جان قهوجي؛ فرفض وزير الداخلية بحكومة تصريف الأعمال محمد فهمي منحه إذن ملاحقة اللواء ابراهيم.

يرى سياسيون أن اقتراح الحريري جاء بلحظة صراع سياسي بينه وبين فريق رئيس الجمهورية ويصعب تنفيذه دستوريا (الأناضول)

ويأتي اقتراح الحريري بعد إقدام عدد من النواب والكتل البرلمانية، إضافة لـ "المستقبل"، وكتل الثنائي حركة أمل وحزب الله، وتيار المردة وبعض المستقلين، على جمع تواقيع تطالب بإذن ملاحقة النواب حصرا أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

ولقيت العريضة تنديدا شعبيا واسعا، ووصفها البعض بـ "عريضة النيترات"، لكونها تشكل مهربا من العدالة، فأعلن بعض النواب سحب تواقيعهم، مما دفع مراقبين لقراءة مشروع الحريري بمسارين:

أولا: امتصاص ردود فعل الرأي العام وإعطاء النقاش طابعا دستوريا.

ثانيا: الكشف عن ورقة جديدة بمعركته مع رئيس الجمهورية ميشال عون، والمطالبة برفع الحصانة عنه، لأن اقتراحه يأتي بعد أيام من إعلان اعتذاره عن تأليف الحكومة، وتكليف نجيب ميقاتي خلفا له.

فما خلفية اقتراح تعليق الحصانات؟

يفيد مطلعون على موقف الحريري للجزيرة نت، أن الأولوية برفع الحصانة عن رئيس الجمهورية، كي يكون جميع القوى السياسية والطائفية سواسية تحت القانون، و"إلا فلتبق الاستثناءات على كل المسؤولين الذين منحهم الدستور الحصانات".

لكن نائب كتلة المستقبل سمير الجسر -عضو بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء ووزير ومحامي سابقا ويعد خبيرا دستوريا- يوضح للجزيرة نت، أن مضمون اقتراح الحريري يعني تعليق الحصانات استثنائيا، وليس بالمطلق، ومعها الامتيازات القضائية الممنوحة للمسؤولين والأمنيين والموظفين والقضاة والمحامين.

"إذ ليس طبيعيا أن تحاكم أطراف القضية أمام 3 جهات وفقا لموقعها -المجلس الأعلى والمحاكم الخاصة والقضاء العدلي- في حين وحدة القضية تستوجب إخضاع الجميع لنفس المحاكمات منعا لتضارب الأحكام".

معارضة فريق عون

وعقب الاقتراح، بدأ نواب "المستقبل" جولتهم على الكتل البرلمانية لنيل موافقتهم عليه. وفي حين عبّرت معظم القوى، شكليا، عن موافقتها على مبدأ رفع الحصانات، غير أن بعضها، وفي طليعتهم التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل -أكبر تكتل مسيحي بالبرلمان-، يرفض تعديل الدستور بالجزئية المتعلقة برفع الحصانة عن رئيس البلاد.

وهنا، تعتبر المحامية وعضو المكتب السياسي بالتيار الوطني الحر مي خريش، أن اقتراح الحريري ناتج عن أزمته السياسية بعد اعتذاره.

وتعبر للجزيرة نت، عن رفض تيارها المضي بشعار "كلن يعني كلن" بقضية المرفأ، خصوصا إذا طالت رئاسة الجمهورية، وبصرف النظر عن الشخصية التي تشغل المنصب، "لأن حصانته مطلقة إلا بالخيانة العظمى، وقد أقسم أمام البرلمان، ونرفض طرح رفع الحصانة عنه، لأنه مساس بهيبة الموقع، تحقيقا لمآرب البعض السياسية".

عوائق دستورية

وفي السياق، يلفت مدعي عام التمييز السابق القاضي حاتم ماضي، أن أي تعليق للحصانات يستوجب تعديلا دستوريا يبادر لطرحه مجموعة من النواب على الهيئة العامة بالبرلمان، خلال دورة انعقاده العادية، ولا يُشرّع إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

ويضيف إليه النائب والوزير السابق بطرس حرب -كان محاميا وهو خبير دستوري- عائقا آخر، وهو أن تعديل الدستور يتطلب وجود حكومة لتعدّ المشروع بناء على طلب أكثرية ثلثي البرلمان، قبل التصويت عليه.

ويقول القاضي ماضي للجزيرة نت، إن رفع الحصانة عن رئيس الجمهورية لن يكون قابلا للتطبيق، كما أن تعليق الحصانات عن النواب والوزراء والقضاة والعسكر وغيرهم من الموظفين، يحتاج لمسار أشهر وربما سنوات، لأن تعديل الدستور عملية شاقة، وليس من السهل التوافق عليها، و"المطلوب تسهيل مهمة القاضي بيطار، برفع الحصانة عمن يطلب استجوابهم، وإلا سيبقى عالقا عند عقبات سياسية تؤخر إصدار القرار الظني".

ويبدو أن ثمة خلافا حول حصانة الوزراء، بين فريق يعتبر أن محاكمتهم تجوز أمام القضاء العادي، وآخر يحصرها بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء الوزراء، وتتألف تركيبته من 7 نواب و8 قضاة، ويستدعي إحالة أي اتهام إليه موافقة أكثرية ثلثي البرلمان.

ويستعيد النائب سمير الجسر الكتاب الأخير الذي أرسله قاضي التحقيق السابق فادي صوان للبرلمان، قبل تنحيه، أن محاكمة الوزراء من صلاحية المجلس الأعلى.

ويذكر أن المادة 71 من الدستور، تنص بصورة مطلقة "يحاكم رئيس الحكومة والوزراء أمام المجلس الأعلى"، أي تسري على جميع أنواع الجرائم والمخالفات ولدى الاخلال بواجباتهم الوظيفة؛ ويستغرب عدم اعطاء القاضي بيطار ملخصا عن مضمون استناده للشبهات التي يلاحق النواب على إثرها، لرفع الحصانة عنه.

وقال إن المادة 91 من قانون النظام الداخلي للبرلمان، تقر بحقه أن يطلب خلاصة عن الملف الذي يُشتبه فيه حول نائب ما.

ذريعة الحصانات

يعود بطرس حرب للعام 2000، مذكرا بأن محكمة التمييز حينها، كأعلى هيئة قضائية، أصدرت قرارا يعتبر أن الأفعال الجرمية التي يرتكبها الوزير، وجب إخضاعها للقضاء العدلي وليس للمجلس الأعلى. و"رغم صدور هذا القرار المهم بتاريخ القضاء اللبناني، يتقاعس بعض القضاة عن أداء مهامهم، خوفا من الطبقة السياسية أو لتقاطع المصالح معها".

ويشير الوزير السابق، للجزيرة نت، إلى أن الدستور أعطى رئيس الجمهورية حصانة خاصة لا تعفيه من تطبيق القوانين ومن الملاحقة للإخلال بواجباته أو ارتكاب خيانة عظمى للبلاد، وإنما تنفذ محاكمته حصرا أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، بعد تصويت ثلثي البرلمان.

والمشكلة، بحسب حرب، أن هذا المجلس لم يجتمع ولو لمرة واحدة، منذ تاريخ وضع الدستور عام 1927، ولم يصل إليه ملف واحد يتهم أي مسؤول، "ما يجعله بحكم غير الموجود".

ويرى أن اقتراح الحريري جاء بلحظة صراع سياسي بينه وبين فريق رئيس الجمهورية، ويصعب تنفيذه دستوريا.

وقال حرب إن رفع الحصانات يجب أن يكون مطلقا وليس مؤقتا، كي لا تبقى درعا للإفلات من الملاحقة والعقاب؛ واصفا تريث البرلمان عن رفع الحصانة على النواب بالخطأ الجسيم، خصوصا أن المستهدفين يحاولون التذرع بحصانتين، كوزراء ونواب.

ويصف حرب حصانة الوزراء بالبدعة، وحصانة النواب بالنسبية، والتي تسقط جميعها لدى ضرورة استجوابهم عند وقوع أفعال جرمية، كي يتمكن المحقق العدلي المضي بملفه، لكن "يبدو أن بعض القوى السياسية لا ترغب باستكمال تحقيقاته بجريمة العصر، وبالنتيجة ستكون أمام الرأي العام مجبرة على رفع الحصانات".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بين الانفجار والحريق شهر وأيام. قد لا تكون المواد المشتعلة بخطورة نترات الأمونيوم، لكن تلاحق الصدمات كفيل بأن يفشي حالة من الهلع والرعب بين اللبنانيين، وأن يحفز في نفوسهم الأسئلة التي ينبغي أن تطرح.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة