بعد الأحداث الأخيرة.. هل يعود الإعلام العمومي التونسي إلى مربع الموالاة؟

أحالت رئاسة الجمهورية، مؤخرا، مدونيْن إلى القضاء العسكري. وسُجن أحدهما بسبب مدونات نشرها في فبراير/شباط الفائت، ما فسره البعض بعودة سعيّد إلى ممارسات بن علي

تخوف في تونس من عودة صحافة الرأي الواحد (رويترز)

تونس – أقال الرئيس التونسي قيس سعيّد الأربعاء المدير العام للتلفزيون الرسمي محمد لسعد الداهش، بعد أن منعت إدارته نائبة نقيب الصحفيين التونسيين أميرة محمد وناشطا حقوقيا، من دخول مبنى التلفزيون للمشاركة في برنامج حواري.

وعلّل الداهش هذا المنع بأنه ينفذ تعليمات من الجيش. وهو ما فندته رئاسة الجمهورية، بعد أن أثار الصحفيون التونسيون جدلا واسعا، وطالبوا بضرورة المحافظة على مكسب حرية الصحافة والإعلام.

جاءت حادثة منع الصحفية والحقوقي من دخول مبنى التلفزيون وسط خشية الصحفيين والنشطاء على حرية الصحافة والإعلام في تونس، والتي تُعد من أهم مكاسب ثورة يناير 2011، خاصة بعد الاعتداءات الأخيرة التي طالت الصحفيين ومكاتب القنوات الأجنبية من قبل عناصر الأمن، في أعقاب الإجراءات الاستثنائية التي قررها الرئيس قيس سعيد الأحد الماضي.

تونسي يتظاهر أمام مقر البرلمان الذي تم تجميد عمله ضمن الإجراءات التي قررها الرئيس سعيد الأحد (الأوروبية)

"بروباغندا" وليست صحافة

وكان التونسيون قد احتفوا بتحرر الإعلام والصحافة بعد الثورة، وتحول الإعلام الحكومي، الذي عُرف كبوق للنظام السابق، ليصبح إعلاما عموميا يضم قناتين رسميتين، و9 إذاعات موزعة على كامل البلاد، ووكالة "تونس أفريقيا للأنباء"، وجريدة الصحافة.

ورغم الحرية التي تمتعت بها وسائل الإعلام العمومي في تونس بعد الثورة، فإنها افتقرت إلى "التسيير الصحيح"، كما صرحت سيدة همامي رئيسة جمعية الصحفيين الشبان، للجزيرة نت.

وقالت الهمامي إن التلفزيون الرسمي يجب أن ينأى عن الموالاة لطرف على حساب آخر، وأن يكون على مستوى تطلعات المواطن التونسي في نقل المعلومة.

واستنكرت الصحفية الهمامي عدم تغطية القناة الوطنية للأحداث منذ بدايتها، قائلة "لم يكن التلفزيون العمومي في المستوى المطلوب أيام 25 و26 و27 يوليو/تموز، ولم يغط ما حصل مباشرة من عين المكان، خاصة صبيحة يوم 26 يوليو/تموز، رغم إمكانياته وكفاءة العاملين فيه. مما يعني أن الخلل تسييري، أو متعلق بتناقضات، أو ضغوطات سياسية".

وبالنسبة للصحفية، "الأدهى من غياب التغطية في البداية، أن القناة تحولت من النقيض إلى النقيض، وشرعت في تمرير خطاب الرئيس، وإعادته مرارا وتكرارا. وهو أمر خطير جدا، خاصة أن الحوارات تقلصت، ووصل الأمر حد منع الضيوف من دخول التلفزيون، وسط الحديث عن منع الحوارات السياسية".

وعلّقت الصحفية والباحثة تونسية عائشة غربي على تسمية برنامج سياسي جديد على التلفزيون الرسمي التونسي "تونس ما بعد 25″، بأنه موجّه ومنحاز. خاصة أنه جاء بعد يومين فقط من قرارات الرئيس، "وكأنه جزم على أن هناك اختلافا كبيرا بين تونس قبل 25 يوليو، وبعده". ووصفت غربي هذا السلوك بـ" الأقرب إلى "البروباغندا" وليست الصحافة".

لا للعودة إلى الوراء

وانتقد صحفيون ورواد مواقع التواصل الاجتماعي غياب التغطية الإعلامية من قبل التلفزيون العمومي، خاصة إبان قرارات الرئيس سعيد، حيث اقتصر البث على إعادة المسلسلات القديمة والوثائقيات.

تقول الصحفية التونسية زينة البكري إن المواطن يريد متابعة آخر التطورات في البلاد من القناة الوطنية "لكن للأسف اضطر الجميع لمتابع الأخبار من القنوات الأجنبية".

وأضافت "فجأة، أصبحت نشاطات الرئيس وتصريحاته وأوامره تتصدر النشرات، ولم نرَ برنامجا سياسيا يرصد جميع الآراء، من بينها تلك الرافضة للقرارات. كما لم نشاهد الأحزاب الكبرى الحاكمة حاضرة في برامج القناة".

ودعت البكري إلى مراجعة سريعة لتوجهات التلفزيون الرسمي "كي لا نعود إلى الوراء"، كما قالت.

وفي تقدير الصحفية جهاد كلبوسي، هناك مخاوف حقيقية وجادة من العودة إلى مربع التضييق على حرية التعبير، وهي "المكسب الذي لم يأتِ صدفة، بل نتيجة تضحيات لسنوات طويلة".

وقالت كلبوسي للجزيرة نت "لا يمكن أن ننسى أنه بالأمس القريب جدا أحالت رئاسة الجمهورية مدونين تونسيين إلى القضاء العسكري، وتم سجن أحدهم بسبب مدونات نشرها في فبراير/شباط الماضي، ما فسّره البعض بعودة سعيّد إلى ممارسات بن علي".

و"لا تبشر الضبابية واللامبالاة التي تتعامل بها مؤسسة رئاسة الجمهورية مع الإعلام المحلي منذ 2019، بخير، رغم الدعوات إلى تعديل سياستها الإعلامية، واحترام حق التونسي في المعلومة"، حسب تقدير الصحفية كلبوسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هل كان المواطن العربي أيام الاستبداد شبعان؟ وهل كان جيبه عامرا؟ وهل كان مستواه المعيشي جيدا، هذا علاوة على قمعه وكبته وكتم أنفاسه؟ الجواب: لا طبعا، كنتم أيها الشعوب جوعى ومقهورين فوق ذلك..

نشرت واشنطن بوست مقالا يرى كاتبه أن على الشعب التونسي أن يدرك أن التجربة أثبتت أن الأنظمة المستبدة يمكنها تحقيق مستوى من الاستقرار والتقدم على المدى القصير، لكنها لا تستطيع حل المشاكل العميقة للبلد.

28/7/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة