"أضعف جدا من أن يكون طاغية".. ماذا قال أقرب رجال الملك فاروق عنه؟

الملك فاروق (يمين) خلال استقباله الملك السعودي عبد العزيز آل سعود (غيتي إيميجز)
الملك فاروق (يمين) خلال استقباله الملك السعودي عبد العزيز آل سعود (غيتي إيميجز)

القاهرة – في ذكرى تنازل الملك فاروق عن عرش مصر في 26 يوليو/تموز 1952، لا يزال الجدل يثور حول الملك وعصره، وهل أحبه المصريون حقا؟ ولا يمكن حسم هذا الجدل الذي احتدم حتى بين أقرب المقربين إليه في مذكراتهم، حيث تختلف فيها الروايات.

وكانت أهم هذه الشهادات من سكرتيره الصحفي كريم ثابت الذي دان الملك وانتقده، وسكرتيره الخاص حسين حسني الذي بدا أقرب إلى الموضوعية.

وتنازل الملك فاروق عن عرش مصر وغادر البلاد بعد حركة الجيش (الضباط الأحرار) في 23 يوليو/تموز 1952، والتي أطلقت على نفسها لاحقا اسم ثورة يوليو وأعلنت قيام الجمهورية في مصر.

وترأس الجمهورية الجديدة اللواء محمد نجيب قبل أن يعزله الجيش إثر خلاف حول طبيعة النظام الجديد ودور الجيش في الحياة السياسية، لتنتهي الأزمة بوصول جمال عبد الناصر إلى السلطة، علما بأن البعض يعتبره القائد الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار.

أضعف من أن يكون طاغية

في كتاب "فاروق كما عرفته" يقول كريم ثابت السكرتير الصحفي للملك فاروق، إن السجن أتاح له متسعا من الوقت للشروع في كتابة مذكراته، وقد رأى أن يبدأها بذكريات عن السنوات العشر التي لازم فيها الملك فاروق.

لكن منتقدين يقولون إن هذه المذكرات كتبها ثابت في سجون نظام عبد الناصر بأوامر من سجانيه حتى يشوه صورة الملك فاروق في مقابل الإفراج عنه، وبالتالي لا يمكن الحكم على مدى حيادية هذه المذكرات المنشورة عقب "ثورة يوليو" 1952.

في كتابه دان ثابت سلوك الملك، حيث وصفه بالحرص على أن يظهر كمن يعرف كل شيء، ويتحكم في كل أمر في القصر، كما تحدث عن غرور فاروق وسخريته ممن يجلس معه، وركز كثيرا على أخلاق الملك فقدمه كشخص تافه، كثير الشك، شغوف بإحاطة نفسه بجو من الغموض والسرية، يكره الجميع بداية من زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس حتى أقرب الناس إليه، ويخشى السفير الإنجليزي.

ويصفه ثابت في مقطع من الكتاب بأنه كان" ذا شذوذ، ذا نزعات وذا نزوات.. وكان غريب الأطوار والحركات والتصرفات.. وكان عنيدا وكان عناده يولد أحيانا مشكلات، وكان مستهترا ولكن ليس كاستهتار الطغاة، وكان يظلم في بعض الأوقات ولكن ظلمه لم يكن من نوع ظلم الطغاة، وكان مستبدا برأيه في كثير من المناسبات ولكن شتان بينه وبين استبداد الطغاة، فقد كان في الحقيقة أضعف جدا من أن يكون طاغية".

سنوات مع الملك فاروق

أما كتاب "سنوات مع الملك فاروق" لحسين حسني السكرتير الخاص للملك فاروق منذ عام 1930 حتى عزله وإخراجه من مصر، والذي أتمه الكاتب عام 1985، فجاء كأنه يرد على كل ما نسجته "ثورة يوليو" بصفة عامة وكريم ثابت بصفة خاصة من قصص حول الملك فاروق لتشويه صورته.

وكانت المدة الطويلة لوجود الكاتب بالقصر الملكي متصلا بالملك، تجعله يمتلك كنوزا تاريخية، من حيث الوقائع والأحداث، كما يذكر في صدر كتابه أنه يحكى بوصفه شاهدا لما وقع تحت حسه من أحداث، رآها بعينيه أو سمعها بأذنيه، فهو يضع كتابا هو من المصادر التاريخية وليس التاريخ ذاته.

ويقول المؤرخ المصري الراحل المستشار طارق البشري في مقدمة الكتاب، إن القصر الملكي في ذلك العهد‏ لم يكن كل رجاله من أمثال أحمد حسنين رئيس الديوان‏، ولا من أمثال كريم ثابت، ولكن كان فيه رجال وطنيون وشرفاء وعلماء، كانوا قلة ولم يتح لهم التأثير الفعال ولكن كانوا موجودين وحافظوا على نقائهم حتى النهاية، كما يصف كاتبه بأنه كان "شاهدا عدلا، لا يطمأن إلى صدق روايته فقط، ولكن يطمأن أيضا إلى سلامة تقريره الموضوعي".

فقدان الثقة فيمن حوله

يقول حسني إنه لم يعمد في كتابه إلى سرد التاريخ الكامل لعهد الملك فاروق‏،‏ بل على ما شاهده بنفسه‏،‏ أو اشترك في التفكير فيه‏،‏ أو وضع خطته أو الشروع في تنفيذه‏، مضيفا "لأنه ليس لي من غاية من وراء نشر هذه المذكرات سوى أداء واجب الإدلاء بشهادتي أمام محكمة التاريخ".

يتطرق الكاتب لعلاقة الملك فاروق المضطربة مع رئيس ديوانه أحمد حسنين وأمه الملكة نازلي، وكيف أثرت هذه العلاقة العاطفية بين أمه ومرشده ومعلمه عليه نفسيا، وجعلته يفقد الثقة في من حوله وفي قيم الأمانة والشرف، وجعلت "الآلام تمزق صدره والنيران تتأجج بين جوانحه"، وهو ما كان يدفعه لاتخاذ مواقف معاندة لمعارضيه كالطفل الذي يرفض الانصياع للأوامر التي لا توافق هواه.

ويقول الكاتب إن الملك أراد أن يبدأ حكمه معاديا للإنجليز، بدليل إبعاده كل من يدين بالولاء لهم في قصره، وأزال الامتيازات التي يحظى بها السفير البريطاني.

إدانة الوفد وتقدير ضباط القصر

وفي هذا الصدد يتوجه الكاتب بالإدانة إلى زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس وأنصاره، حين فرحوا وهللوا بتوليه منصب الوزارة واحتفالهم مع السفير البريطاني بعد إرغامه الملك على تكليف النحاس بالوزارة في 4 فبراير/شباط 1942، كما يدافع عن إذعان الملك لرغبة الإنجليز مرغما وعدم توقيع وثيقة التنازل عن العرش، ويقول إن ذلك كان حقنا لدماء المصريين الذين كانوا سينتفضون ضد المحتل لو فعلها.

كما يشير الكاتب إلى تقدير الملك لضباط قصره الذين أيدوا موقفه، حتى أنه حرص على تأدية صلاة الجمعة التالية معهم، وأنه ظل يدعو لمائدته من يراه من كبار أو صغار الضباط بعدها.

لم يكرهه المصريون

ويرى الكاتب أن المصريين لم يكرهوا الملك فاروق، بل شعروا بالإحباط من تصرفاته بعد إحباطهم من الأحزاب والحكومات المتتالية، بسبب بطانة السوء من حوله ومداومته على السهر في الملاهي ولعب القمار.

ويختتم حسني كتابه معتبرا أن التاريخ الصحيح للملك فاروق لم يكتب بعد، وأن الملك عاش فترة حكمه محاطا بالدسائس السياسية ممن خدموا في القصر والسياسيين والزعماء، في حين كان يرى الملك أن واجبه كملك أن يدافع عن مصالح شعبه، بل إنه حاول الاتصال بهتلر ويرجوه أن يجنب البلاد خسائر جسيمة للأهالي أو تدمير مرافق البلاد، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية التي جرت إحدى معاركها في الصحراء الغربية في مصر.

ويبرر الكاتب انحراف الملك عن الشأن العام بأن مستشاره السياسي علي ماهر باشا أبعده عن ذلك، وأما عن انحرافات سلوكه الشخصي فكانت بسبب توجيه رائده أحمد حسنين له في صغره أو الصدمات النفسية العنيفة التي تلقاها لاحقا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة