انقسامات تونسية حول تأويل قيس سعيّد للمادة 80 من الدستور

في الحالة التونسية الآن، الأسئلة أكثر من الأجوبة. فما البديل عن البرلمان والحكومة؟ وما الثمن الذي ستعود به الشرعية للمؤسسات المنحلة والمجمّدة؟

الرئيس التونسي قيس سعيد يترأس اجتماعا طارئا للقيادات العسكرية والأمنية (الجزيرة)
الرئيس التونسي قيس سعيد يترأس اجتماعا طارئا للقيادات العسكرية والأمنية (الجزيرة)

تونس – في خطوة مفاجئة، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، في خطاب متلفز مساء الأحد، تفعيل الفصل (المادة) 80 من الدستور، وإنهاء مهام رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان 30 يوما، ورفع الحصانة عن نوابه، وتوليه السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يعيّنها رئيس الجمهورية.

وتمثّل المادة (80) من الدستور نقطة خلاف بين الأطراف السياسية وأساتذة القانون الدستوري، الذين انقسموا بين مؤيد لتأويل سعيّد لمضمونها، وبين معارض له.

 

 

وتتكون هذه المادة من 3 فقرات، تنص الأولى على أن "لرئيس الجمهورية، في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب، وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن التدابير في بيان إلى الشعب".

وبحسب الفقر الثانية "يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويعدّ البرلمان في حالة انعقاد دائم طوال هذه المدة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل البرلمان كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة".

أما الفقرة الثالثة فتقول "بعد مضي 30 يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس البرلمان، أو 30 من أعضائه، البت في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه".

كما تقضي الفقرة ذاتها بأن "المحكمة تصرّح بقرارها علانية في أجل أقصاه 15 يوما، ويُنهَى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها، ويوجّه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب".

إزاء ذلك، تحدّث أستاذ القانون الدستوري عبد الرازق المختار عن مدى دستورية تأويل رئيس الجمهورية للفصل 80 من عدمه، وتبعات قراراته، وبدائل الحكومة المنحلّة والبرلمان المجمد لمواجهة هذه الإجراءات.

تونسيون يعتصمون أمام البرلمان الذي أعلن تجميده (الجزيرة)

دستوري أم لا؟

واعتبر المختار، في حديث للجزيرة نت، أن تأويل رئيس الجمهورية غير دستوري، لغياب شرط وجود المحكمة الدستورية. ورأى أن "ما يسمى الرئيس المؤوِل" قدّم للتونسيين ما يسمى "الأمر الواقع الدستوري".

وشدد على خطورة غياب المحكمة كضمانة رقابية "على ما يسمى القنبلة النووية الدستورية، وهو الفصل (80) مما يعني أننا أمام إجراءات استعمل فيها رئيس الجمهورية مطلق الصلاحيات دون رقابة".

وقال المختار إن هذا الفصل من الدستور قائم على مجموعة من العناصر الواضحة لتفعيله، وهي عدم حل الحكومة، وحالة الانعقاد الدائم للبرلمان، والتعاون والاستشارة بين مختلف المؤسسات، وعدم إمكانية توجيه لائحة لوم للحكومة ككل.

واعتبر الخبير الدستوري أن ما قام به سعيد هو إعادة هندسة للسلطات بجمع السلطة القضائية في شخصه، وإعلان نفسه رئيسا للنيابة العمومية، وتجميد "وهو مصطلح غير دستوري" البرلمان، وتعيين "وهو أمر خطير جدا" وزير أول (رئيس وزراء).

وبرأيه كانت هذه "معطيات تعبر على أننا إزاء إعادة رسم كامل للمشهد الدستوري المؤسساتي، دون استعمال الإجراءات المخولة لذلك، وهي تعديل الدستور".

أستاذ القانون الدستوري عبد المجيد العبدلي (الجزيرة)

مرتبط بنصوص أخرى

بالمقابل، يرى أستاذ القانون الدستوري عبد المجيد العبدلي أن الدستور لا يتكون فقط من الفصل (80) بل من عدة مواد أخرى مترابطة تدخل في إطار القسم المخصص لرئيس الجمهورية.

ويضيف للجزيرة نت أن (80) مرتبط بالفصل (72) الذي يخص رئيس الجمهورية، وينصّ على أن "يضمن رئيس الدولة استقلال الدولة واستمراريتها". كما يتخذ رئيس الجمهورية في الفصول الأخرى التدابير الاستثنائية لحماية الدولة من المخاطر الداخلية والخارجية.

وبحسب العبدلي "عندما نقرأ الفصل 80 منعزلا عن بقية المواد، وكأننا فصّلنا الدستور على المقاس" لكن برأيه فإن "كافة الشروط متوفرة لاتخاذ قيس سعيّد مثل هذه القرارات، فماذا يعني أن نسجل يوميا 300 حالة وفاة بكورونا، والبلاد منهارة والدولة في حد ذاتها مهددة".

ما تبعات قرارات سعيّد؟

يرى الخبير الدستوري المختار أن تونس ستدخل في صراع بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي عليها (القضائية) أن تتخذ موقفا مما يحدث كسلطة المجلس الأعلى للقضاء.

وباعتقاده، ستشهد البلاد اصطفافا مختلفا للقوى السياسية بين من هو في صف الرئيس وبين من هو معارض له. إضافة إلى تدخل الفاعلين المحليين من منظمات وطنية، والفاعلين الدوليين، مشددا على أنه لا يدعو إلى تدخل دولي.

أما العبدلي فيرجح أن يحنّ سعيّد للنظام الرئاسي في وقت يقر الدستور نظاما برلمانيا. كما أن الرئيس لم يقم بحل البرلمان بل جمده، والتجميد دائما مؤقت.

وحسب تقديره، سيُلجأ إما إلى حل البرلمان، وهذا غير وارد، أو استمرار تجميده. علما بأنه سيدخل بطبيعته في عطلته البرلمانية مطلع أغسطس/آب.

ووصف العبدلي وضع البلاد الحالي بالمتدهور والمزري جدا. وقال إن المؤسسات الدستورية بعد 2011 "لا تستجيب لحل شاف لوضع البلاد، لهذا هناك إمكانية لدخولنا في تجاذبات أخطر من ذلك".

ما الحلول المتاحة؟

ووفق المختار، فإن تونس دخلت مرحلة "الإلكترون الحر" مما يعني التحرك دون أي منطق واضح، وفيه كل السيناريوهات متوقعة كل لحظة، وبتشابك غريب بين مختلف العناصر والمتدخّلين.

ولذلك، يتساءل "الشرعية ستعود مهما طال الزمن، ولكن بأي ثمن؟".

بدوره، يرى العبدلي أنه ليس أمام البرلمان المجمد والحكومة المنحلة أي خيار. قائلا "بتصوري أن الرئيس يخطئ إذا كان له حنين إلى النظام الرئاسي. وأستبعد ذلك لأن الدستور لا يسمح له بذلك، وفي الحالة التونسية الأسئلة أكثر من الأجوبة".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة