خفايا لافتة ومثيرة.. هكذا فتح خلاف بيلاروسي أوروبي أبواب الهجرة أمام العراقيين

أعداد العراقيين المهاجرين إلى ليتوانيا المحاذية لبيلاروسيا ازدادت بشكل كبير منذ بداية العام 2021 الجاري مقارنة بالعام الماضي

ليتوانيا شددت مراقبتها للحدود مع بيلاروسيا (غيتي)
ليتوانيا شددت مراقبتها للحدود مع بيلاروسيا (غيتي)

أثارت موجة جديدة من هجرة العراقيين إلى أوروبا -عبر تسهيلات قدمتها بيلاروسيا لهم تحت عنوان "سائح يبحث عن الهجرة"- قلق ليتوانيا ودفعت وزير خارجيتها للقيام بزيارة إلى بغداد لطلب وقف تدفق المهاجرين. وتفتح هذه الزيارة وموجة الهجرة ملف اللجوء المستمر للشباب العراقي نحو الهروب من قساوة الظروف والمعاناة التي يرزحون تحت ظلها في بلدهم دون أمل يلوح في الأفق.

الهروب إلى المجهول

بعد محاولات عدة، لم يتمكن غزوان (35عاما) -وهو اسم مستعار لشاب عراقي- من الوصول إلى أحد البلدان الأوروبية عبر تركيا، واليوم يتوجه إلى بيلاروسيا، لتحقيق حلمه في مغادرة العراق والتخلص من ظروف المعيشة الصعبة التي يمر بها البلد.

إلا أن الوصول إلى بيلاروسيا -التي يبدو أنها اتخذت إجراءات سهّلت بموجبها هجرة العراقيين- يتطلب التواصل مع بعض المهربين وأن يوفر لنفسه الظروف الملائمة بهجرة آمنة نحو أوروبا. يقول غزوان إن البقاء في العراق بات مستحيلا وسط انعدام أي أمل، مشيرا إلى أنه تواصل مع مهربين هناك تمكنوا من إيصال صديقه إلى ليتوانيا المحاذية لبلاروسيا ومنها إلى أوروبا، وطالبوه بمبلغ مالي (3 آلاف دولار) مقابل انتظاره في المطار، ونقله إلى الحدود ومنها إلى ليتوانيا. ورغم كل المخاطر التي تنتظره؛ فإن غزوان مصرّ على الهروب من جحيم العراق.

ويقول غزوان "لمرات عدة حاولت الهجرة إلى تركيا لكن لم يحالفني الحظ واليوم سمعت عن فرصة جديدة عبر بلاروسيا ولن أضيعها ومهما كانت المخاطر سأذهب دون رجعة وسط انعدام الأمل هنا، ما الذي يبقيني هنا في العراق؟".

وقد شهدت الرحلات إلى بيلاروسيا إقبالا واسعا مؤخرا، وهو ما دفع بالخطوط الجوية العراقية إلى تسيير 4 رحلات جوية أسبوعية في أكبر طائراتها تحت مسمى السياحة، فيما خفضت بيلاروسيا -من جانب آخر- قيمة الحصول على تأشيرة دخولها لتبلغ 20 دولارا فقط.

مجبل العامر يؤكد أن سحب الجواز لا يمنع المسافرين من الهجرة (الجزيرة)

أصحاب الشركات السياحية أفادوا أن إجراء سحب جواز سفر العراقي -عند وصوله لمنافذ بيلاروسيا- لا يمنع هجرتهم، وفق قول مجبل العامر، وهو أحد العاملين في شركة سياحية في بغداد.

ويشير مجبل إلى حجز متزايد للسفر إلى بيلاروسيا مؤخرا، مشيرا إلى وجود تلك الحالة ولجوء الشباب للهجرة بعد وصولهم للمطار، مؤكدا أن شركته تعمد إلى سحب الجواز عند وصول السائح العراقي هناك، لكن هذا الإجراء لن يمنعهم من الهجرة.

ويوضح "نحن في شركتنا نعمد إلى اتخاذ كل الإجراءات القانونية الملائمة ومن أبرزها سحب الجواز، لكن هذه الظاهرة موجودة وحدثت مع آخرين، سحب الجواز لا يمنع المسافرين من الهجرة فهم أصلا يعمدون إلى إخفاء جوازاتهم أو تمزيقها عند الوصول إلى الحدود الأوروبية".

حرس الحدود الليتواني أثناء إيقاف مهاجرين غير شرعيين على الحدود مع بيلاروسيا (رويترز)

أوراق ضغط

إن أعداد العراقيين المهاجرين إلى ليتوانيا -المحاذية لبيلاروسيا- ازداد قرابة 100% منذ بداية العام 2021 الجاري مقارنة بالعام الماضي.

وبحسب تقرير -نشرته صحيفة "واشنطن بوست" (Washington Post)- فإن السلطات في بيلاروسيا تستخدم ورقة طالبي اللجوء -ومعظمهم عراقيون- كـ "سلاح" من أجل الضغط على أوروبا وإغراقها بالمهاجرين، مبينة أن بيلاروسيا توقفت عن مراقبة حدودها مع ليتوانيا التي أقامت مخيمات للمهاجرين الواصلين لأراضيها ويتوقع أن يصل مزيد منهم بحلول الشتاء.

ووفق أرقام أوردها أرنولدا أبرامافيسيوس -نائب وزير الداخلية الليتواني- فقد وصل 74 طالب لجوء فقط إلى ليتوانيا خلال عام 2020، لكن العدد ارتفع لـ 636 منذ بداية هذا العام، 448 منهم وصلوا في يونيو/حزيران الماضي.

زيارة عاجلة

إن ارتفاع معدلات الهجرة عبر بيلاروسيا دفعت ليتوانيا إلى اتخاذ إجراءات مشددة على حدودها تمثلت بإغلاق الحدود بالأسلاك الشائكة وزيادة نقاط التفتيش والدوريات، وإرسال وزير خارجيتها غابريليوس لاندسبيرغيس إلى بغداد للطلب من الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف تدفق المهاجرين عبر بيلاروسيا، وذلك بعد إخفاق لقائه بوزير الخارجية العراقي -قبل أسبوعين ببروكسل- في تحقيق هذا الهدف.

لاندسبيرغيس ذكر -خلال مؤتمر جمعه مع نظيره العراقي فؤاد حسين في بغداد الخميس الماضي- أن جيران ليتوانيا -ويقصد هنا بيلاروسيا- يستخدمون المهاجرين وأغلبهم من العراقيين للضغط على أوروبا، مبينا أن هناك عملية كذب وخداع للعراقيين، فالوعود والمخططات التي تعدهم بالوصول إلى أوروبا تنتهي في غابات ليتوانيا، وإعادتهم إلى بلدهم. وأكد أن الحكومة العراقية متعاونة مع بلاده لوقف تدفق المهاجرين.

من جهته، قال الوزير العراقي إن بلاده شكلت لجنة عالية المستوى برئاسة وكيل وزير الخارجية وعضوية الوزارات المعنية ومنها الهجرة والمهجرين؛ لبحث ما عرضه الوزير الليتواني في وجود مخطط وعصابات للتجارة بالبشر تدفع العراقيين إلى تعريض حياتهم للخطر والتغرير بهم.

وشدد على أن الدستور العراقي يسمح لأي شخص بالسفر والهجرة، لكن الحكومة لن تقبل بتنظيم عمليات سفر معينة تحت مسميات مزيفة لإرسال العراقيين نحو المجهول، مشيرا إلى وجود عصابات تهريب واتجار بالبشر متعاونة مع جهات داخل العراق، وأكد أن الحكومة لن تتوانى عن اتخاذ ما هو مناسب في حال ثبوت وجود مسائل مخالفة للقانون.

جهاكير: العراق لا يستطيع التدخل في قرار المواطن بالسفر والانتقال إلى دول أخرى (الجزيرة)

وتؤكد وزارة الهجرة العراقية قانونية السفر إلى أي من بلدان العالم، وهو ما يمنعها من أي تحرك لمنع تلك الهجرة عبر بيلاروسيا طالما أن خروج الشباب قانونيا وبهدف السياحة.

ويوضح مدير عام شؤون فروع الوزارة علي عباس جهاكير -للجزيرة نت- بأن الهجرة في العراق ليست بالجديدة، وأنها ازدادت بعد عام 2014 وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث العراق وتداعيات هذا الأمر، مبينا أن الدولة والوزارة لا تستطيع التدخل في قرار المواطن بالسفر والانتقال إلى دول أخرى.

أحلام وردية متفاوتة

يحلم أغلب الشباب العراقي بالهجرة ويتحملون المخاطر واحتمالات مواجهة الموت للوصول إلى أوروبا، لكن -حتى بعد وصولهم- لا يجد الكثير منهم ما كان يأمله، وقد يضطر البعض للعودة خالي الوفاض بعد سنوات من العيش في المخيمات للحصول على إقامة لجوء.

أوس ضياء (36 عاما) وصل إلى النمسا قبل 6 سنوات بعد معاناة طويلة والنجاة من الموت غرقا في البحر، وتحمل كل الظروف القاسية في المخيمات ليصل إلى مرحلة اليأس والتفكير بالعودة إلى العراق بعد عدم حصوله على الإقامة والحياة التي كان ينتظرها، مبينا "أنه تواصل مع مهربين عراقيين وأفغان، وهرب من تركيا إلى اليونان ومنها إلى ألمانيا وثم النمسا.

ويتابع حديثه عن رحلة لجوئه فيقول "لا أنسى توقف المركب في وسط البحر لنضطر للسباحة 5 ساعات حتى جاء خفر السواحل اليوناني وأخرجنا وبعد كل تلك المعاناة أبقوني في مخيم، ولم يوافقوا على منحي الإقامة وهو ما يدفعني إلى العودة لمواجهة مصير مجهول من جديد في بلدي".

البرزنجي يعتبر فكرة العودة إلى العراق بمثابة انتحار (الجزيرة)

في الجانب الآخر، يجد أحمد البرزنجي (33عاما) -وهو من محافظة بابل جنوب بغداد- أنّ فكرة العودة إلى العراق انتحار، فبعد هجرته عام 2015 ووصوله هولندا، يرى أنه قد بدأ حياة جديدة وحصل على الإقامة ولا يفكر يوما بالعودة إلى العراق والتفكير مجددا بانقطاع التيار الكهربائي أو البحث عن فرصة عمل. ويقول إن "الحياة هنا مختلفة، يوجد حقوق فعلية للإنسان، ولا أرى الفاسدين ولا أرى أهلي يشعرون بالتعاسة لعدم حصولي على عمل، لن أعود إلى العراق وأجعل أبنائي يعيشون ما عشته أنا فيه".

ولا توجد إحصائية رسمية عن أعداد العراقيين الذين هاجروا من البلد عقب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، لكن بعض الإحصائيات الصادرة من الجهات المعنية في العراق تقدر العدد بمئات الآلاف. ومع فتح أبواب الهجرة مجددا إلى بيلاروسيا تعود أحلام الهجرة الدائمة للشباب العراقيين لتلوح في الأفق مجددا، فالمحاولة -رغم خطورتها وعدم ضمان نتائجها- تمثل لديهم بصيص أمل وبديلا عن ظروف الحياة وغياب الفرص في العراق، أما ورقة استغلال أحلام العراقيين بالهجرة فثمنها دائما شباب عراقي يائس ومصير مجهول.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة