في ذكرى ميلاده.. مهدي عاكف "أول مرشد سابق للإخوان"

مهدي عاكف ولد في 1928 عام تأسيس جماعة الإخوان المسلمين (مواقع التواصل)
مهدي عاكف ولد في 1928 عام تأسيس جماعة الإخوان المسلمين (مواقع التواصل)

القاهرة- بعد أشهر من ولادة إحدى أكبر الجماعات الإسلامية حول العالم، كان القدر يشكل ملامح رجل عاصر فتيًا مخاض التأسيس، فعايش المحن الكبرى، مبحرًا في سفينة تسعى لتخطي الأمواج العاتية إلى شاطئ التمكين.

وبعد عقود من جولات السياسة وثورات الشعوب لاح الحلم القديم "السلطة للإخوان والأستاذية في الطريق" لكن "السفينة" ارتطمت بأمواج تمرد وشيطنة صرعت ركابها بين منفي ومطارد وسجين وقتيل، وكان من بينهم ذلك الرجل الذي احتل مكانا فريدا في صفوف الجماعة وقيادتها.

إنه محمد مهدي عاكف، الذي وُلد في مثل هذا اليوم 12 يوليو/تموز 1928، بإحدى قرى محافظة الدقهلية، وهو المرشد العام السابق للإخوان المسلمين، الذي عاصر مراحل الجماعة من النشأة حتى محنتها الكبرى في السنوات الأخيرة.

يعرف عاكف بـ "سجين كل العصور" وقد رحل متأثرًا بمرضه في محبسه بأحد سجون القاهرة في 22 سبتمبر/أيلول 2017، وهو سابع مرشد عام للجماعة، كما أنه أول من حمل لقب "مرشد سابق" وهو على قيد الحياة، عندما اختار ترك المنصب الذي تولاه عام 2004 خلفا لمأمون الهضيبي، ليكتفي بفترة واحدة ويترك القيادة لخليفته محمد بديع المحبوس حاليا والذي تولى المنصب منذ بداية 2010.

في حي السكاكيني

كان ميلاده هو العام نفسه الذي أُسست فيه جماعة الإخوان، وبسواعده المفتولة، شب عاكف في زمن كانت تعاني فيه بلاده تداعيات جدل الانتماء وهل يكون قوميا أو دينيا، فانغمس حين بلغ ربيعه 12 بين يدي الرعيل الأول، ومقبلاً على رسائل مؤسس الجماعة حسن البنا.

ومن المنصورة إلى القاهرة، انتقل عاكف حيث الحي الشعبي بمنطقة السكاكيني، منكبًا على شهادة التوجيهية (الثانوية العامة) إلى أن التحق بالمعهد العالي للتربية الرياضية، حتى تخرج منه عام 1950، ليعمل لاحقًا مدرسًا للرياضة البدنية.

ذاع صيته حين ترأس معسكرات جامعة عين شمس بالقاهرة (إبراهيم سابقًا) بعد أن التحق بكلية الحقوق، فكان من قادة التنظيم الخاص بالإخوان الأعوام التي سبقت ثورة يوليو/تموز 1952 التي أطاحت بالنظام الملكي وأسست الجمهورية.

ووفق أدبيات الإخوان، فإن "النظام الخاص" أسس كنظام عسكري سري عام 1940 لمحاربة الإنجليز في مصر والصهيونية في فلسطين.

تهريب وإعدام ثم مؤبد

تدرج عاكف في المناصب الداخلية في جماعة الإخوان، حيث ترأس عام 1954 قسم الطلبة الذي كان يشرف عليه البنا بنفسه، وهو ذات العام الذي صدر فيه حكم بحل الجماعة وإعلان القبض على قياداتها.

وكانت تهمته في ذلك الحين، تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد قادة الجيش المصري ومن أعلام الإخوان، والذي كان ملاحقا آنذاك عندما بدأ جمال عبد الناصر في التخلص من خصومه ومنافسيه حتى من داخل مجلس قيادة الثورة.

ففي أواخر 1953، قرر مجلس قيادة الثورة إحالة عبد الرؤوف إلى المعاش، وبعد شهر تقريبًا قرر اعتقاله، كما عُقد له مجلس عسكري لمحاكمته، لوجود شكوك في أجهزة الحكم آنذاك بأن أمورا تعد لقلب نظام الحكم، يدبرها بعض كبار وصغار ضباط الجيش الذين ينتمون للإخوان المسلمين بالاتفاق مع قادة الجماعة.

وأثناء محاكمة عبد الرؤوف تمكن شقيقه بمساعدة الإخوان من تهريبه من السجن، وفق تقارير إعلامية، قبل أن يتمكن الأول من مغادرة مصر، ليعود مرة أخرى في عهد السادات عام 1972.

وفي محكمة عسكرية أطلق عليها رفاق عبد الناصر "محكمة الشعب" وكان قضاتها هم الضباط جمال سالم وحسين الشافعي وأنور السادات، صدر الحكم بإعدام عاكف قبل أن يخفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، خلافًا لعشرات الأحكام الأخرى التي طالت قيادات وأعضاء آخرين.

ووفق معلومات تاريخية متطابقة، تعود موجة الاعتقالات والمحاكمات ضد قيادات الإخوان، بداية عهد عبد الناصر، بدعوى تعرض الأخير لمحاولة اغتيال في الحادث المعروف بـ "المنشية" بالإسكندرية، والذي حملته السلطات وقتها للإخوان، وهي ما نفته الجماعة في أكثر من مناسبة.

والغريب أن عاكف عاد بعد نصف قرن، ليستضيف الشافعي -أحد أعضاء المحكمة التي أصدرته بحقه حكمًا بالإعدام- في سرادق عزاء أقامته جماعة الإخوان لتأبين المجاهد الفلسطيني أحمد ياسين، وأجلسه على مقربة منه، وفق الباحث المصري محمد عفان.

ورغم دخول عاكف السجن مرات عدة في العصر الملكي، فإن فترات حبسه تلك امتازت بالقصر، في حين ظل سجينًا طوال عهد عبد الناصر لمدة 20 عامًا بداية من 1954 حتى عام 1974.

وبعد عام واحد من إطلاق سراحه، تزوج من شقيقة محمود عزت الذي تولى السنوات الأخيرة منصب القائم بأعمال مرشد الإخوان حتى شهور مضت، قبيل اعتقاله من قبل السلطات.

جولات مكوكية

عام 1975 شد عاكف الرحال إلى الخارج، حين عمل في السعودية مستشارًا للندوة العالمية للشباب الإسلامي ومسؤولاً عن مخيماتها ومؤتمراتها الدولية، ليستقر عام 1980 في مدينة ميونخ الألمانية مديرًا للمركز الإسلامي بها.

وعن فكرة التنظيم الدولي للإخوان، دوَّن عاكف في مذكراته "كانت بداية تنفيذ خطتي التي وضعتها في السجن لنشر الدعوة في أنحاء العالم (..) واعتقد أن معظم القيادات الإسلامية الحالية الموجود بعضها في الحكم وبعضها يقود جماعات إسلامية كانت نتيجة لهذه المعسكرات الإسلامية الراقية".

بعد سنوات مكوكية عاشها المرشد السابق بين عواصم العالم المختلفة، كان لعام 1987 زخم خاص في حياته، ففيه عاد لمصر، وتولى قسم الشباب والطلاب من جديد داخل الجماعة، قبيل اختياره عضوًا بمكتب الإرشاد، كما كان واحدا من 35 عضوا مثلوا كتلة الإخوان في البرلمان العام ذاته.

يقول عاكف عن أولى تجاربه البرلمانية "كنت أرى أن الإخوان حققوا نجاحا في هذه الدورة لأنهم كانوا دائماً يتكلمون في المصالح العامة ومراقبة الحكومة كهدف أساسي للمجلس".

ومنتصف تسعينيات القرن الماضي، أتت رياح النظام بما لا يشتهيه عاكف والإخوان، إذ مثل وقتها هو ونحو 80 آخرين من قيادات الجماعة أمام المحكمة العسكرية في قضية اشتهرت إعلاميا باسم "التنظيم الدولي للإخوان ومحاولة قلب نظام الحكم" ليحكم عليه بالحبس 3 سنوات.

لكن عاكف قال في مذكراته إن التوتر مع نظام الرئيس حسني مبارك، في ذلك الوقت، كان يعود إلى فوضى الانتخابات البرلمانية وتزويرها، إضافة إلى قضية تدشين حزب باسم "الوسط" وهو فكرة أطلقها مجموعة من شباب الإخوان.

إرهاصات التغيير

عام 2004 خلف عاكف (مرشد الإخوان) الهضيبي، ليصبح المرشد السابع للجماعة، مشيرًا في مذكراته إلى أنه فوجئ باختياره من قبل أعضاء مكتب الإرشاد، وأنه أبلغهم بترك المنصب بمجرد وصوله سن الثمانين (كان عمره آنذاك 76 عامًا) لكن ظروفًا قاسية دفعته لإكمال فترته (6 سنوات) ليعلن الرجل مطلع عام 2010 ترك المنصب في سابقة تاريخية، حيث بقي أسلافه على رأس الجماعة حتى وفاتهم.

كانت ولاية عاكف شاهدة على إرهاصات التغيير في مصر، والتي توجت بثورة يناير/ كانون الثاني 2011، والإطاحة بمبارك ونظامه.

ففي عام 2005 شارك الإخوان في حراك شعبي طالب بالإصلاح السياسي، ثم دعموا مظاهرات أبريل/نيسان 2008 (باكورة الاحتجاجات الواسعة). وبرلمانيًا احتل مرشحو الجماعة في إنجاز غير مسبوق 20% من مقاعد مجلس الشعب (النواب حاليًا).

ومع ارتفاع أسهم الإخوان بعد ثورة 25 يناير، لم يغب الرجل كليًا عن المشهد بل ظل رمزًا إسلاميًا وسياسيًا فاعلاً، وكان من بين من رفضوا الدفع بمرشح إخواني في انتخابات الرئاسة، لكنه بحسب تصريحات له "نزل على شورى الجماعة".

المحنة الكبرى

وكان عاكف على رأس المقبوض عليهم في حملة الاعتقالات الواسعة التي طالت قادة الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي المنتمي للجماعة، صيف 2013.

وفي إحدى جلسات محاكمته منتصف 2014 خرج ملتحفًا عمامته في مشهد شبهه فيه محبوه بالقائد الليبي الراحل عمر المختار، في وقت لاحق أصيب عام 2017 في محبسه بالسرطان، قبل أن يُودَع بالعناية المركزة في أحد مستشفيات القاهرة.

عاكف الذي حصل على براءة من تهم وجهت إليه بـ "إهانة القضاء" رحل عن الدنيا في 22 سبتمبر/أيلول 2017، قبل صدور الحكم النهائي بحقه في القضية المعروفة بـ "أحداث مكتب الإرشاد" على خلفية تهم -نفاها- بالقتل والتحريض على العنف.

وعقب وفاته، كشف محاميه عبد المنعم عبد المقصود، في تصريحات صحفية، أن الراحل كان "أوصى بعدم إقامة سرادق عزاء له، وبأن يتم تشييعه من مسجد قرب منزله في منطقة التجمع الخامس بالقاهرة".

لكن أسبابًا أمنيًة حالت بين الوصية وتنفيذها، إذ اقتصرت جنازته على عدد قليل من أسرته ممن شيعوه إلى مقابر يطلق عليها مقابر مرشدي الإخوان السابقين، شرقي القاهرة.

لكن العديد من المسلمين أدوا صلاة الغائب على عاكف في عدد من عواصم ومدن العالم، ليرحل عاكف في صمت تاركًا وراءه رواية مبتورة لرجل قاد كبرى الجماعات الإسلامية في العالم فترات فارقة من تاريخ مصر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أعلنت أسرة المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين مهدي عاكف وفاته في محبسه بمصر، بعد تدهور حالته الصحية عن 89 عاما، وسط أنباء عن منع السلطات المصرية تشييع جنازته.

22/9/2017

رغم أنه توفي على مشارف التسعين فإن رحيل مرشد الإخوان السابق محمد مهدي عاكف إثر تدهور صحته في معتقله خلف ردود فعل واسعة بلغت بالسلطات المصرية حد منع الصلاة عليه حاضرا أو غائبا. تقرير: وليد العطار تاريخ البث: 30/9/2017

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة