مصر.. قرارات جديدة لإنصاف المتقدمين للعمل بالقضاء أم لإحكام السيطرة على التعيينات؟

الرئيس عبد الفتاح السيسي (يسار) خلال لقاء سابق مع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي (يسار) خلال لقاء سابق مع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء (الصفحة الرسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية)

يتلفظ المحامي أثناء مرافعته أمام النيابة بما لا يعجب وكيل النيابة، فيتطور الأمر لملاسنات بين الاثنين، ثم إلى مشادات ربما تصل لاشتباك، يتدخل فيه أحيانا زملاء المحامي ضد وكيل النيابة المحمي برجال الشرطة وبحكم الأمر الواقع.

سيناريو يحدث من آن لآخر في ربوع مصر حسب ما تنشره الصحف من وقائع ربما هي فقط ما يطفو على السطح من توتر العلاقة بين طرفي المنظومة القضائية، والغاطس منها أكثر وأعنف.

هذا التوتر المستمر بين الطائفتين ترجع جذوره إلى الإحساس المتعاظم لدى المحامين بالمظلومية من جراء كون المحامي ووكيل النيابة من خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون، غير أن الواسطة وحدها أجلست هذا على كرسي النيابة بامتيازات شتى، وأوقفت ذلك أمامه مجردا من كل ميزة باستثناء أتعابه من مهنته، حسب محام تحدث للجزيرة نت، رافضا ذكر اسمه.

ويضيف المحامي أنه "خلال السنوات القليلة الفائتة، وفي إحدى وقائع المشادات غير المنشورة، وجد زميل نفسه أمام وكيل نيابة كان من نفس الدفعة التي جاء المحامي ضمن أوائلها المتفوقين، في حين كان وكيل النيابة في ذيل الدفعة من حيث نتائجه الدراسية، ووقعت مشادة بينهما إثر قيام المحامي بتصحيح معلومات قانونية، مما اعتبره وكيل النيابة تقليلا منه، ليرد المحامي بتذكير وكيل النيابة بتفوقه عليه أثناء الدراسة.

ورأى المحامي في قرارات صدرت مؤخرا من المجلس الأعلى للقضاء لتنظيم الالتحاق بالهيئات القضائية "أمرا شكليا"، مؤكدا أنه لن ترسخ العدالة إلا شفافية ونزاهة الاختيار بين المتقدمين، حسب وصفه.

وأصدر المجلس الأعلى للقضاء عدة قرارات عقب اجتماع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتعلق بإصلاحات في القضاء، عدّها مراقبون إصلاحا شجاعا، حيث تعلق أحدها بعدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية، اعتبارا من خريجي دفعة عام 2018 بالنسبة لمجلس الدولة والنيابة العامة، ومن خريجي دفعة 2013 بالنسبة لهيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.

كما شملت القرارات التي صدرت قبل أيام النص على إمداد هيئة قضايا الدولة بأسباب عدم قبول طالب التعيين في الوظائف القضائية لتقديمها إلى جهة القضاء في الدعاوى المنظورة بهذا الشأن.

واعتبر مراقبون أن القرار يحاول إصلاح آليات التعيين بالهيئات القضائية، عقب انتقادات للتعيينات الأخيرة بالنيابة العامة، واتهامات متكررة باعتماد الواسطة والمحسوبية للوصول إلى كرسي القضاء.

شبهات التعيينات

يقول صحفي مختص في الشأن القضائي إن الدفعات الأخيرة للنيابات شابتها شبهات عدة؛ فأبناء قضاة ونافذين بالدولة حصلوا على التعيين بالنيابة وبعضهم لا يستحقها، مما يخل بمبدأ العدالة، حسب تقديره.

ورفض الصحفي ذكر اسمه، مبررا ذلك بالخشية مما جرى لمحرر صحفي بجريدة الفجر القاهرية أحيل قبل سنوات للنيابة بتهمة "خدش رونق القضاء"، بعدما نشر أسماء ووقائع لتعيين أبناء قضاة وشخصيات نافذة بغير استحقاق.

وأضاف "كيف لمن حصل على موقعه بالظلم أن يحقق العدل؟ بالطبع سينحاز في قراراته وأحكامه لكل من يحصل على حق ليس حقه، لأنه يشعر في قرارة نفسه بأنه والمتهم متشابهان في الظروف والنتائج".

واعتبر أن قرار عدم تكرار أسماء المعينين هدفه تنظيمي لمنع حصول الخريج الواحد على أكثر من فرصة، ثم المفاضلة بينها وترك الأخرى، وهو ما قد يضيع الفرصة على آخرين، حيث يتقدم الخريج لأكثر من جهة، ويمكن أن يُعين في أكثر من واحدة ثم يترك وظيفة في جهة قضائية ليحصل على واحدة في جهة أخرى.

ولفتت تقارير صحفية إلى تعيين أبناء وأقارب 120 قاضيا ومستشارا بالهيئات القضائية بنسبة 35% من إجمالي التعيينات.

وكشفت نتيجة "كشف الهيئة" لتعيينات النيابة العامة من خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون دفعة 2017، والمعلن نتيجتها أبريل/نيسان الماضي عن العديد من المفاجآت في طريقة تعيينات الوظائف القضائية، حيث أظهرت النتيجة أن 136 قاضيا ومستشارا بمختلف الهيئات القضائية، قاموا بتعيين أبنائهم وأقاربهم في سلك النيابة العامة بنسبة 35% من إجمالي من تم اختيارهم.

وكان الرئيس الراحل محمد مرسي أصدر قرارات تحدد التعيينات بناء على تقديرات التخرج، غير أن الدفعة التي جرى قبولها أيامه لم يتم تنفيذ قرارات تعيينها عقب عزل الرئيس مرسي بواسطة الجيش صيف 2013.

استعراض إعلامي

في هذا السياق، يرى الرئيس السابق لمحكمة سوهاج المستشار محمد سليمان في قرار إمداد هيئة قضايا الدولة بأسباب عدم قبول التعيين في الوظائف القضائية خطوة غير ذات جدوى في مسار إحقاق العدالة بين المتقدمين للعمل بالهيئات القضائية.

وفي حديثه للجزيرة نت، أوضح سليمان أن القرار من المفترض أن يكون تحت بصر القضاء ليراقبه ويفصل في مدى مشروعية تلك الأسباب التي بني عليها قرار استبعاد المتقدم، ولكن هذا الأمر يتطلب أن يكون هناك قضاء بعيد عن أروقة السياسة وأهوائها، وهو أمر مفتقد إلى حد كبير منذ انقلاب عام 2013.

وأكد أن هذا القرار لا يكفي ولا يضمن العدالة بالضرورة في ظل حالة الهيمنة الموجودة من السلطة التنفيذية على القضائية، ولا يعدو إلا أن يكون من قبيل الاستعراض الإعلامي، حسب وصفه.

وقلّل سليمان من شأن اعتبار تدخل هيئات قضايا الدولة في تعيين القضاة عدوانا على استقلال القضاء، مضيفا أن قضايا الدولة تنوب عن النيابة الإدارية ومجلس الدولة في الحضور أمام المحاكم، حيث تعتبر بمثابة محامي الحكومة، وهي في هذا السياق لا تتدخل، بل تقدم للمحكمة سبب القرار.

قرارات منصفة

في المقابل، قال رئيس هيئة قضايا الدولة المستشار أبو بكر الصديق عامر إن المستبعدين من التعيين في الهيئة لهم أحقية الطعن على قرارات الاستبعاد أمام المحكمة المختصة، موضحا أن قضايا الدولة تباشر الطعن عن الجهات كلها أمام المحكمة، حسب القانون والدستور.

وخلال مداخلة هاتفية بإحدى الفضائيات المصرية، أضاف عامر أن قرار إمداد هيئة قضايا الدولة بأسباب عدم قبول التعيين في الوظائف القضائية يحقق الشفافية المطلقة.

ونفى عامر وجود مجاملة لأحد في اختيارات المتقدمين للهيئات القضائية، مؤكدا أن قرار عدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات القضائية يسهم في تعيين عدد أكبر.

بدورها، أشادت عضوة لجنة الإعلام بمجلس النواب النائبة أمل سلامة بالقرارات ووصفتها بالتاريخية، وقالت -في بيان صحفي الخميس- إن القرارات تحقق الشفافية الكاملة في التعيينات ومعرفة أسباب استبعاد طالبي التعيين في الوظائف القضائية، وعدم تكرار أسماء المقبولين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثار الحكم ببراءة نهى الإمام -وكيلة النيابة الإدارية والشهيرة بـ “سيدة المحكمة”- في واقعة تعديها على ضابط شرطة في أغسطس/آب الماضي؛ عاصفة من التفاعل في مواقع التواصل الاجتماعي بمصر.

16/4/2021

"امتطاء القضاء".. هكذا حول السيسي منصة العدالة إلى مسرح للعرائس

منذ تولي الجنرال السيسي رئاسة مصر، أصدرت الدوائر القضائية أحكاما قضائية عديدة بالإعدام والحبس لمدد طويلة توازي أعمار أمم كاملة، حيث بدت تلك الأحكام كأنها أحكام انتقامية، فماذا حدث للقضاء المصري؟

18/11/2020

استهزأ رواد التواصل الاجتماعي من القضاء المصري، على خلفية حبسه صحفيا فضح جانبا من جوانب “الفساد” القضائي بحجة “سخيفة” تحت اسم خدش الرونق العام.

10/5/2017
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة