أطلق مشروعا للسياحة الجوية.. هل ينجح الجيش اللبناني باستثمار موارده مع تصاعد الانهيار في البلاد؟

بيروت – تحت شعار "لبنان من فوق"، أطلق الجيش اللبناني مشروع "الرحلات الجوية السياحية" المخصصة للمدنيين، ومن المفترض أن يبدأ غدا الخميس الأول من يوليو/تموز 2021.

وأوضحت قيادة الجيش على موقعها الرسمي أن هذا المشروع عبارة عن رحلة سياحية مدتها 15 دقيقة، على متن مروحية من نوع "رافن" (Raven)، مؤكدة أن عدد الأشخاص المسموح به في الرحلة الواحدة هو 3 أفراد، وتشمل الفئات العمرية فوق 3 سنوات، على أن يكون الحجز مسبقا والدفع نقدا بالمراكز المحددة.

وتبلغ كلفة الرحلة 150 دولارا، وستنطلق من منطقة عمشيت في قضاء جبيل، من قاعدة رياق الجوية، على أن يتم التقيد بمعايير الرعاية والسلامة.

خلفيات المشروع

يهدف المشروع إلى توفير عائدات مالية للمؤسسة العسكرية التي تعيش تداعيات الانهيار، مما أدى إلى شح كبير في ميزانيتها، بعد أن خسرت الليرة أكثر من 95% من قيمتها، إذ لامست أخيرا بالسوق السوداء سقف 18 ألف ليرة مقابل الدولار (سعر الصرف الرسمي 1507 ليرات)، فتدهورت القدرة الشرائية للبنانيين، بمن فيهم العسكريين، الذين أثر هذا الانهيار على قيمة رواتبهم.

ومع بلوغ الأزمة ذروتها إثر الرفع التدريجي لدعم الاستيراد الذي توفره الحكومة عبر مصرف لبنان المركزي، ارتفع سعر المحروقات وحده نحو 35%، وانسحب على مختلف المواد الأساسية والصحية، التي يشكو اللبنانيون من نقصها الحاد بالأسواق.

وأثار إعلان الجيش مشروعه الجديد سجالا بين مؤيدين ومعارضين له، خصوصا أن البلاد تعاني من شح كبير في الدولار، وترزح تحت مخاطر تهدد الأمن الاجتماعي والصحي والغذائي.

غير أن مصدرا عسكريا رسميا في الجيش اللبناني، يوضح للجزيرة نت أبعاد هذا المشروع، ويقول إنه يسعى لتحقيق هدفين: الأول، تشجيع السياحة الداخلية الجوية بواسطة مروحيات الجيش، بما يتانسب مع قدرة اللبنانيين، والثاني، تحقيق موارد مالية للمؤسسة العسكرية، تُصرف على تأهيل طائراتها وصيانة القواعد الجوية التي تحتاجها.

ويشير المصدر إلى أن الأسعار ستكون مناسبة وتشجيعية، وأن الجيش سيعلن قريبا على موقعه الرسمي عن آلية الدفع، مع معلومات تفصيلية ستكون بمتناول اللبنانيين.

جذب السياح

ويُذكّر المصدر بأن هذا المشروع معتمد في عدد من الدول، مثل مصر وبعض الدول الأوروبية، ويؤكد أن الهدف منه جذب السياح الأجانب في موسم الصيف، مما يسهم في تعزيز مصادر الإيرادات.

ويضيف المصدر أن الجيش يسعى للاستثمار في موارده، لتوفير دخل مادي إضافي له، "لأن مؤسسة الجيش رائدة بالاستثمار والابتكار"، ويقول إن الجيش يعول على هذا المشروع كثيرا، وإن حجم عائداته سيكون مقرونا بمدى إقبال الناس عليه، من لبنانيين مقيمين ومغتربين وأجانب.

ومن حسنات إطلاق الرحلات السياحية الجوية، وفق المصدر نفسه، أنها ليست استثمارا بموارد خارجية، وإنما بموارد داخلية، خدمة للسياحة، في حين ستصرف العائدات على توفير وصيانة المعدات وتأهيل القواعد الجوية.

وقال إن "المشروع لا يفرض شروطا على المشاركين بالجولات السياحية، سوى الإمضاء على تعهد شخصي حول السلامة الصحية للمشاركين على متن مروحية آمنة تحلق على علو منخفض ومتوسط".

ويدرك المصدر أن استفحال الأزمة أثّر على الجنود الذين يعانون من تدهور أوضاعهم الاقتصادية؛ لذا، قد تعمل المؤسسة على إطلاق مشاريع جديدة توفر عائدات إضافية لعناصرها، جنبا إلى جنب بعض المشاريع الصغيرة "التي توفر مردودا متواضعا باستثمار الأراضي الزراعية والأراضي التابعة للدولة بمحيط المراكز العسكرية، وثمة نية لتطويرها، إذ تتم زراعتها لصالح المطابخ العسكرية".

الحفاظ على الجيش

ويحظى الجيش اللبناني في الآونة الأخيرة، باهتمام استثنائي -محليا ودوليا- بناء على قاعدة أنه من آخر المؤسسات الرسمية الضامنة لحفظ أمن اللبنانيين، ولوجود الدولة التي تعاني معظم مؤسساتها من الشلل والانهيار.

وقد أثارت الأزمة بلبنان -التي طالت تداعياتها المؤسسة العسكرية- قلقا دوليا استدعى في منتصف يونيو/حزيران الجاري عقد مؤتمرٍ دولي افتراضي لدعم الجيش، بدعوة من فرنسا ومشاركة مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان، التي تضم أبرز دول الاتحاد الأوروبي وأميركا والصين وروسيا وعددا من الدول العربية، واتفق المجتمعون على تقديم مساعدات عاجلة للجيش، بناء على لائحة المطالب التي رفعها قائد الجيش العماد جوزيف عون.

ومع استمرار الأزمة السياسية وعدم تشكيل حكومة منذ نحو 9 أشهر، سبق أن وجه العماد عون انتقادات للسلطة السياسية مخاطبا إياها بقوله "إلى أين نحن ذاهبون؟"، محذرا من أن "العسكريين يعانون ويجوعون مثلهم مثل بقية الشعب".

ويشير العميد المتقاعد إلياس حنا، إلى أن دعم الجيش راهنًا يعد أولوية لجميع اللبنانيين، واصفًا مشروع الرحلات الجوية بـ"المتقدّم"، الذي كان يمكن إطلاقه حتى قبل الأزمة الاقتصادية، نظرًا لأهميته للبنان الذي يتمتع ببيئة سياحية جاذبة.

ويأسف حنا على امتداد الأزمة إلى المؤسسة العسكرية إلى حد هدّد الجنود حتى في غذائهم حسب قوله "بعد أن حذفت اللحوم من وجباتهم، واقتصرت على 75% من حاجاتهم الغذائية".

وقال العميد المتقاعد للجزيرة نت، إن على الجيش البحث عن سبل إضافية للاستثمار في موارده، شريطة ألا تؤثر على مهماته الأساسية؛ وفي طليعتها حفظ الأمن والتصدي للإرهاب والاعتداءات الإسرائيلية "لأن تعزيز الثقة به وبقدراته أولوية للجميع، وإلا ستتعاظم المخاطر التي تواجه البلاد".

أزمات الجيش

في المقابل، يرى مراقبون أن الجيش يعاني في الأساس من أزمات عدّة في تركيبته، تجلت تداعياتها مع اشتداد الأزمة. وهذا ما يخلص إليه الباحث في "الدولية للمعلومات"، محمد شمس الدين، معتبرا أن الجيش فوّت على نفسه فرص توفير موارد مالية أو تحسين إدارة موازنته، كتوسيع نطاق زراعة الأراضي التي يشغلها ومن شأنها أن تدر ملايين الدولارات، أو بناء مشغل للبزات العسكرية ومستلزماتها، أو بناء فرنٍ في ظل حاجته اليومية إلى ما بين 20 إلى 30 ألف ربطة خبز وغيرها من المشاريع.

ويعتبر محمد شمس الدين في حديث للجزيرة نت، أن الأجدى كان تقليص العدد الكبير للقوى الأمنية والعسكرية، البالغة نحو 120 ألف عنصر، من ضمنهم نحو 400 عميد و80 ألف جندي بالجيش، وهو عدد كبير -حسب رأيه- مقارنة مع حجم لبنان الصغير وعدد سكانه.

ويضرب شمس الدين مثالا على ذلك بموازنة وزارة الدفاع الوطني في عام 2020 -آخر موازنة إذ لم تقر بعد موازنة عام 2021- التي تبلغ 2896 مليارات ليرة، أي ما كان يوازي آنذاك مليارا و920 ملايين دولار، وتشكل 15.8% من إجمالي نفقات الدولة، وتتوزع بشكل أساسي على الرواتب والأجور وملحقاتها (2008 مليارات ليرة)، منها نفقات سرية (15.3 مليار ليرة)، ودورات في الخارج (10.5 مليار ليرة)، ونفقات استشفاء (222 مليارات ليرة)، ومنح اجتماعية وتعويضات عائلية (76 مليار ليرة)، ومنح مدرسية (108 مليارات ليرة)، ورواتب وأجور في المديرية العامة للإدارة (17 مليار ليرة).

لذا، يستبعد شمس الدين أن تكون المشاريع التي يطلقها الجيش، أو ينوي إطلاقها لاحقًا، قادرة على توفير موارد مالية تشكل فارقًا في ميزانيته، خصوصا أن لبنان صار بعمق الانهيار الذي يهدد مختلف قطاعاته بالمخاطر.

المصدر : الجزيرة