رئيس الفقراء المتهم باختلاس المليارات.. ولد عبد العزيز خامس رئيس موريتاني يُلقى به في السجن بعد مغادرة القصر

الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز (الأوروبية)
الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز (الأوروبية)

من المؤكد أن تاريخ 22 يونيو/حزيران سيبقى -وإلى الأبد- عالقا في ذهن الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز؛ ففيه نظمت الانتخابات التي أبعدته عن السلطة عام 2019، وفيه ألقي به في السجن للمرة الأولى منذ إحالته إلى القضاء بتهم الفساد والثراء غير المشروع.

يطل ولد عبد العزيز على مستقبل غامض ومفتوح على احتمالات كثيرة، وهو يقضي يومه الثالث في شقة اعتقال تابعة لإدارة الأمن، تمثل مرحلة "برزخية" بين الحرية المقيدة التي كان يتمتع بها، وبين الإحالة المتوقعة لأحد السجون الرسمية التابعة لوزارة العدل الموريتانية.

سيمضي ولد عبد العزيز احتياطيا نحو أسبوعين لدى إدارة الأمن، للتأكد من خلوه من فيروس كورونا، قبل أن يتم نقله إلى سجن خاص، وتتوقع مصادر إعلامية أن يكون خارج العاصمة نواكشوط.

وخارج العاصمة شيد ولد عبد العزيز -خلال عشرية حكمه- 3 سجون رئيسية هي سجن ألاك، وسجن أنبيكه، إضافة إلى سجن صلاح الدين في أقصى الشمال، وهو خاص ببعض المدانين في قضايا الإرهاب.

ولا يعتبر ولد عبد العزيز صديقا حميما للشرطة التي تحتفظ به حاليا كـ"وديعة قضائية"، فقد منع الاكتتاب والتوظيف داخل هذا القطاع طيلة 7 سنوات، أنشأ خلالها وحدة أمن الطرق التي تولى تأسيسها الجنرال مسغارو ولد سيدي الذي يقود قطاع الأمن حاليا، ويقع السجين ولد عبد العزيز تحت مسؤوليته.

من الرقابة القضائية إلى السجن

تأتي إحالة ولد عبد العزيز إلى السجن تتويجا لحالة التوتر التي تصاعدت في الآونة الأخيرة بينه وبين القضاء الذي وضعه قبل أشهر تحت الرقابة المشددة عوضا عن إحالته إلى السجن، ومنعه من مغادرة منزله إلا في حالات الضرورات الدينية والصحية، كما ألزمه بالتوقيع 3 مرات أسبوعيا لدى إدارة الأمن.

وسرعان ما تحولت مراسيم توقيع ولد عبد العزيز عند مركز الشرطة إلى مسيرة سياسية، حين قرر التوقف عن استخدام سيارته في رحلة التوقيع، والسير راجلا ذهابا وإيابا ولمسافة طويلة نسبيا رفقة عدد من أنصاره، وهو ما أثار حفيظة الأمن، وأدى لاحتكاكات بين بعض مرافقيه وعناصر الشرطة التي ترافق الرجل الخارج من السلطة لمواجهة تهم الاختلاس والثراء غير المشروع.

ولاحقا قرر الرئيس السابق الامتناع عن التوقيع لدى الشرطة، احتجاجا على ما يصفه بقمع أنصاره، ومنعهم من مرافقته، ليدخل الملف محطة جديدة من محطة التدافع بين القضاء والرئيس السابق المغاضب.

فقد قرر قاضي التحقيق -أول أمس الثلاثاء- إنهاء الرقابة القضائية على ولد عبد العزيز، وإحالته إلى السجن على ذمة التحقيق، ليكون بذلك خامس الرؤساء السجناء في موريتانيا منذ الإطاحة بأول رئيس حكم البلاد أواخر سبعينيات القرن الماضي.

خامس الرؤساء السجناء

عرف عن الرئيس السابق بأنه الرجل القوي الذي أطاح برئيسين هما معاوية ولد الطايع، والراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لكنه سيضيف الآن لقب السجين الخامس، بعد أن تخلص من ألقابه الكبيرة التي رافقته طيلة عشريته المنصرمة، مثل الرئيس المؤسس، ورئيس الفقراء، ورئيس العمل الإسلامي، ومحارب الفساد، وغيرها من الألقاب.

وقبل ولد عبد العزيز، أمضى الرئيس المؤسس وأول رئيس للبلاد بعد الاستقلال المختار ولد داداه، أكثر من سنة معتقلا بقلعة "ولاتة" في عمق الصحراء بأقصى الشرق الموريتاني، وفي ظروف غير إنسانية، قبل أن تضغط فرنسا من أجل الإفراج عنه لتمكينه من العلاج.

وقد صدر حكم من القضاء العسكري حينها بإدانة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه بالخيانة العظمى، وصدر الحكم عليه غيابيا بالسجن 50 سنة، ولم تكن من بين التهم الموجهة إليه أية تهمة تتعلق بالفساد واختلاس المال العام، فلا يزال عند الموريتانيين مثالا للرئيس الفقير الأمين.

وكان ولد داداه الوحيد الذي نال حكما قضائيا وإن كان عسكريا، أما الثلاثة الآخرون فقد سجنوا تحت سطوة الانقلابيين، قبل أن يفرج عنهم، وكان قائد الانقلابيين المصطفى ولد محمد السالك السجين الثاني، حيث أمضى عدة أشهر في قاعدة "إجريدة".

وأخيرا مكث الرجل القوي الرئيس الأسبق محمد خونه ولد هيدالة 4 سنوات في السجن بعد الإطاحة به على يد العقيد معاوية ولد الطايع في 12 ديسمبر/كانون الأول 1984.

أما سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، فقد مكث هو الآخر 4 أشهر في السجن عقب الإطاحة به في انقلاب قاده الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في السادس من أغسطس/آب 2008، وانتهى به المطاف جارا للمسجد، معتكفا في قرية ريفية، منعزلا عن السياسة وصراعاتها، قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى في 23 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

رئيس الفقراء في مواجهة تهم الفساد

تختلف بدايات ومآلات سجن الرؤساء السابقين عن حالة ولد عبد العزيز، فقد خرج الأربعة من القصر مباشرة إلى السجن، ولم يتهم أي منهم بفساد مالي ولا اختلاس للثروة، وكان سجنهم تتويجا لصراع مباشر على السلطة.

أما بالنسبة لولد عبد العزيز، فقد سلم السلطة لرئيس المنتخب، وغادر إلى تركيا للنزهة والاستجمام، ومنها إلى دول أوروبية بينها إسبانيا، قبل أن يعود إلى البلاد، ويبدأ تحريك ملف السياسة.

وخلال السنتين المنصرمتين، حاول ولد عبد العزيز شغل مساحة مهمة من المشهد السياسي، وذلك من خلال سعيه للسيطرة على أحزاب سياسية بينها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية (الحاكم)، كما وجهت له اتهامات من أوساط غير رسمية أيضا بمحاولة تدبير انقلاب عسكري خلال العرض العسكري بعيد الاستقلال في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.

ويختلف ولد عبد العزيز أيضا في مسار ملفه الذي بدأ عبر لجنة تحقيق برلمانية استمر عملها نحو 6 أشهر، وخلصت إلى اتهامه وعدد من كبار معاونيه بالتورط في قضايا فساد كبرى، قبل أن يحال الملف إلى القضاء، وتبدأ رحلة المتاعب.

كما يختلف ولد عبد العزيز عن سابقيه من الرؤساء السجناء، حيث إنهم جميعا رؤساء فقراء لم يجمعوا ثروة خلال وجودهم في السلطة، أما هو فيعتبر -وفقا لما يتسرب في الإعلام ويتحدث عنه الساسة- من أغنى أثرياء موريتانيا، حيث صادر القضاء حتى الآن نحو 40 مليار أوقية (حوالي 113 مليون دولار أميركي)، من النقود والعقارات والشاحنات يعود أغلبها إلى الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وجزء منها لصهره محمد ولد امصبوع.

وكما اختلفت البدايات، فإن المآلات أيضا ستكون مختلفة، فحجم التهم الكبيرة والأموال المصادرة والأدلة التي يقول خصومه إنها دامغة تدفع إلى التوقع بأن ولد عبد العزيز قد يكون أطول الرؤساء الخمسة إقامة في السجن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

منتصف الستين من العمر، ومنتصف الطريق إلى السجن، يقف الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز بين سلطة غادرها وأموال هائلة بدأت تخرج عنفا من مخابئها، وفق ما يقول خصومه، وما أكثرهم هذه الأيام.

20/8/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة