استقدام اليهود لفلسطين.. صراع خفي على هوية ومستقبل إسرائيل

يشهد المجتمع الإسرائيلي تركيبة ديمغرافية شائكة وصراعات دينية تهدد وجوده. في حين تفقد الحوافز المادية والدينية قيمتها في تشجيع هجرة اليهود إلى إسرائيل.

توجه للاستغناء عن استقدام اليهود الحريديم المتشددين دينيا (الجزيرة)
توجه للاستغناء عن استقدام اليهود الحريديم المتشددين دينيا (الجزيرة)

القدس المحتلة – إلى معايير ديمغرافية (سكانية) ودينية استندت الوكالة اليهودية في تنظيمها حملات الهجرة من أنحاء العالم إلى فلسطين خلال العقود الأخيرة.

وتعتمد الوكالة مجددا على أبحاث ودراسات تتعلق بحجم السكان بين البحر والنهر (فلسطين التاريخية) وبالزواج المختلط لليهود، ومساحة التيارات العلمانية أو الدينية المتشددة، وأيضا التيارات اليهودية المنفتحة على المسيحية.

وحددت دراسة إسرائيلية لمعهد "السياسة القومية" في جامعة "التخنيون" العبرية بحيفا، ملامح السياسات التي على الحكومات الإسرائيلية اعتمادها لاستقدام اليهود إلى فلسطين، بالتركيز على "عائلات النُخب من اليهود" من البرازيل ودول أميركا اللاتينية.

ويدور الحديث، حسب باحثي المعهد، عن عائلات يهودية شابة بمؤهلات علمية عالية في الطب وعلوم التكنولوجيا و"هاي تيك" (High Tech)، كما أنها مرتبطة بإسرائيل، وغير منغمسة في زواج مختلط من باقي الدول، وتحافظ على خصائص الجاليات اليهودية.

يأتي توقيت الكشف عن الدراسة بشأن الهجرة في سياق نظرة "الصهيونية الدينية" لاستعمار فلسطين من جديد في ظل 3 أحداث كبيرة ومفصلية، أولها تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بتناقضاتها الأيديولوجية، وهي انعكاس للحالة الديمغرافية والصراعات الفكرية والسياسية المحتدمة بأوسط اليهود.

وتأتي أيضا في سياق محاولات إعادة ترتيب الأوراق بالشرق الأوسط مع تصاعد دور بعض الدول الكبرى وتركيا وإيران على حساب حضور ونفوذ إسرائيل التي تتجه لتعزيز حلفها مع الأنظمة العربية من خلال "اتفاقية أبراهام". إلى جانب الحدث الأخير المتمثل في عملية "سيف القدس" التي خلقت حالة جديدة للردع أو الهجوم الفلسطيني.

الحاخام إلياهو كوفمان المحسوب على تيار "الحريديم": الصهيونية تريد إنتاج شعب يهودي جديد (الجزيرة)

علماني وديني

ويرى الحاخام إلياهو كوفمان المحسوب على الحريديم (تيار المتدينين المتزمتين)، أن توصيات الدراسة الجديدة بشأن استقدام "اليهود النُخب" تأتي لمحاربة الطابع الديني والتوراتي في المجتمع الإسرائيلي، وأيضا في سياق جوهر الصراع الأساسي في فلسطين التاريخية، حيث يقطن بين البحر والنهر 14 مليونا من الفلسطينيين واليهود، منهم مليونان من "فلسطينيي 48" الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

يقول كوفمان للجزيرة نت إن الدراسة تعكس التوجه الإسرائيلي العام نحو خلق حالة جديدة من اليهود. "يريدون شعبا يهوديا جديدا.. شعبا شابا صهيونيا، علمانيا، غير متشدد دينيا، فكما هو واضح يوجد نقص في عدد اليهود في ما بين البحر والنهر".

ويشير الحاخام إلى وجود أكثر من 1.5 مليون شخص تم استقدامهم منذ تسعينيات القرن الماضي وهم ليسوا يهودا في الأصل، إلى جانب 500 ألف يقطنون إسرائيل دون أن يتم تصنيفهم تحت أي ديانة.

وعن أسباب اختيار البرازيل واليهود من أميركا اللاتينية، يقول كوفمان "نتحدث عن جاليات بغالبيتها علمانية منفتحة ومتحررة وغير متجذرة بالتوراة رغم حفاظها على هويتها اليهودية، بخلاف اندماج اليهود في مجتمعات أوروبا وروسيا وزواجهم المختلط هناك، إلى جانب وجود طوائف متشددة دينيا لا تؤمن بالصهيونية".

جذب وهجرة

ويعتقد كوفمان أن الحوافز سواء كانت المالية، حيث يتم إغراق العائلات اليهودية المهاجرة بالهبات والإعفاءات الضريبية والسكن المجاني والامتيازات لسنوات طويلة، أو حتى العقائدية الصهيونية التي يروج لها في سبيل استقدام اليهود، تفقد نجاعتها وقيمتها.

وتظهر الأبحاث الإسرائيلية عودة 100 ألف يهودي من أصول ألمانية إلى موطنهم بعد استقدامهم بحملات الهجرة اليهودية، وكذلك حوالي 50 ألفا من ذوي الأصول الفرنسية.

ومن بين اليهود في البلاد يوجد 600 ألف يحملون الجنسية البرتغالية، علاوة على مئات الآلاف من أصول روسية ومن شرق أوروبا استقدموا وهم ليسوا يهودا.

ويضيف الحاخام كوفمان "خلال 70 سنة هاجر من البلاد مليونَا يهودي، كما أن 1.5 مليون إسرائيلي يقطنون أميركا". علاوة على أن "جميع اليهود الأميركيين ممن هاجروا لفلسطين يرفضون التنازل عن الجنسية الأميركية، إذ أظهرت تجارب الماضي أنه في المخاطر الوجودية يغادر هؤلاء كل إلى موطنه الأصلي".

الباحث في المجتمع الإسرائيلي صالح لطفي: معايير الهجرة تعكس دوامة الصراعات الداخلية بين اليهود بإسرائيل (الجزيرة)

الديمغرافيا والجغرافيا

ويعتقد الباحث في القضايا الاجتماعية والسياسية الدكتور صالح لطفي أن الدراسة وما ورد بها من توصيات باستقدام "اليهود النخب"، تعكس دوامة الصراعات الداخلية بين اليهود في البلاد، وتحدّيات الديمغرافيا والجغرافيا التي يواجهها المشروع الصهيوني في فلسطين التاريخية.

ويقول لطفي للجزيرة نت إنها تعكس أيضا عمق الأزمة التي تعيشها إسرائيل فيما يتعلق بالتركيبة السكانية والشرائح المجتمعية لليهود، وعمق الهوة بين العلمانيين والمتدينين، وخلل الديمغرافيا بين تركيبات الطوائف اليهودية سواء من أصول شرقية (السفراديم) أو ذات الأصول غربية (الأشكناز).

ويرى الباحث بالمجتمع الإسرائيلي أن الصراع بين العلمانية والطوائف الدينية سواء الحريدية المناهضة للصهيونية والتي تحتكم لتعاليم التوراة، أو الصهيونية الدينية التي تجمع ما بين التوراة والصهيونية والحداثة والعلمانية، يعكس جوهر الصراع الخفي الداخلي بين اليهود، والذي تتكتم عليه الدولة العبرية.

تغوّل ديني لليهود الحريديم في إسرائيل وصراع مع العلمانيين (الجزيرة)

تيارات وصراعات

ويعتقد لطفي أنه لا يمكن عزل نتائج وتوصيات الدراسة باستقدام "عائلات النخب من اليهود" عن الحالة الشعبوية التي تكرّست خلال حكم رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، وهي السياسة التي ساهمت في تراجع الطبقة الوسطى الإسرائيلية من ناحية اجتماعية وثقافية لصالح حالة من الشعبوية شكّلت العمود الفقري للانتخابات الإسرائيلية وعكست الصورة الحقيقية للمجتمع اليهودي.

وأضاف الباحث أن "موضوع الشعبوية في إسرائيل، الذي تناولته الكثير من الأبحاث المحلية والعالمية، بمثابة ناقوس خطر يحذر من انهيار إسرائيل بالمفهوم الوجودي والبشري".

ويتم الاستناد إلى هذه الحالة في المطالبة باستقدام "اليهود النخب"، أي النخب الاقتصادية والاجتماعية والدينية، في حملات الهجرة المستقبلية للحد من حالة الشعبوية، كما يقول لطفي.

وبعيدا عن الشعبوية التي خلقها نتنياهو، يشهد المجتمع الإسرائيلي الذي يحمل في طياته مجتمعات يهودية متناقضة، حالة معقدة وتركيبة اجتماعية شائكة وصراعات دينية بين التيارات اليهودية.

يرى لطفي أن "هناك تغوّلا دينيا للحريديم الذين يتجهون لفرض تعاليم التوراة، وصراعا مع التيار العلماني، وأيضا الصهيونية الدينية التي تمزج الحريدية والتعاليم التوراتية مع الإبقاء على الصهيونية محورها الأساسي".

هواجس وتحذيرات

ويقدر الباحث بالمجتمع الإسرائيلي أن حالة الخوف على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية تجذّرت في العقد الأخير بسبب صراع الجغرافيا والديمغرافيا بين البحر والنهر، ووجود أغلبية سكانية عربية في فلسطين التاريخية، وعليه "سنشهد مستقبلا حملات استقدام عائلات النخب من اليهود لمواجهة الوجود الفلسطيني".

ومقابل ذلك، يقول لطفي "تظهر البيانات عدم إقبال الشبان الفلسطينيين على الهجرة رغم السياسات الاستعمارية التي تمارس ضدهم، مقابل هجرة يهودية سلبية من فلسطين التاريخية، خصوصا في صفوف العلمانيين منهم، الذين يعودون لبلدانهم الأصلية بأوروبا وأميركا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شكّلت مئات المشاهد المصورة للفلسطينيين خلال العدوان الإسرائيلي على غزة كسراً للأسطورة الإسرائيلية “الجيش الذي لا يقهر”، وانتهاء لحقبة الخوف من إسرائيل

2/6/2021

قال نائب الكنيست الإسرائيلي سامي أبو شحادة إن ما يسمى بالحكومة الإسرائيلية الجديدة التي دعمت مسيرة الأعلام هي “عقلية ونفسية مريضة تريد أن تعذب وتنكل وتهين وتستفز الشعب الآخر”.

16/6/2021
المزيد من أخبار
الأكثر قراءة