وسط تحذيرات مخيفة.. لهذا يداهم الخطر أهم بقعة مائية جنوب العراق

مساحة الأهوار تبلغ ما يقارب 40 ألف كيلومتر مربع، ولا تحظى بالاهتمام الحكومي رغم دخولها لائحة التراث العالمي.

لحظة استرخاء الجواميس قرب المياه في الأهوار (الجزيرة)
لحظة استرخاء الجواميس قرب المياه في الأهوار (الجزيرة)

ذي قار- عادة ما يتجمع أصحاب الزوارق (أو ما يعرف بالمشحوف) قرب مرسى نصب الشهيد وسط مدينة الجبايش (90 كيلومترا شرق الناصرية في محافظة ذي قار جنوب العراق) لاستقبال السائحين، أو بعض العوائل التي تأتي من المحافظات العراقية الأخرى، لا سيما في مثل هذه الأوقات من السنة، حيث المياه الوفيرة ودرجات الحرارة المعتدلة، التي تسمح بالدخول إلى عمق الأهوار ومشاهدة الحياة هناك.

لكن الأمر تغير بالنسبة لسكان الأهوار، الذين بدأت مخاوفهم تزداد كل يوم بفعل انخفاض مناسيب المياه وتراجع السياحة، والخشية من أن تزداد ملوحة المياه وتقتل الأسماك وحيوان الجاموس، مثلما حصل في سنوات الجفاف الماضية؛ مما دفع أصحاب الزوارق الذين يعملون أيضا في الصيد إلى الاهتمام بحيواناتهم ومتابعة تصاريف المياه، والبحث عن حلول ممكنة لهم.

لم يدم انتعاش سكان الأهوار من المياه، التي غمرت مناطقهم بعد سنوات من الجفاف التي شهدتها بين عامي 2015-2018، والتي خسرت فيها تلك المناطق أعدادا كبيرة من الجاموس والأسماك؛ لكن مصيرهم مع الجفاف لا ينتهي، فالتحذيرات هذه المرة تبدو مخيفة أكثر من أي وقت مضى.

جانب من جفاف الأهوار (منطقة الفهود) القريبة على الجبايش (الجزيرة)

تراجع المياه

حتى هذا الأسبوع وصلت مناسيب مياه الأهوار إلى أقل من 130 سنتيمترا، وما تزال تشهد انخفاضا متسارعا بدرجة مخيفة، وكل التصريحات المطمئنة لوزارة الموارد المائية هي غير حقيقية، وبعيدة عن أرض الواقع، فهي عاجزة عن إيجاد حل، والأيام المقبلة ستكون صعبة على سكان الأهوار، كما يقول رعد الأسدي، رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية والناشط البيئي .

ويضيف الأسدي -خلال حديثه للجزيرة نت- أن مناسيب الأهوار خلال العام الماضي كانت جيدة، وقبل العام الماضي وصلت إلى أكثر من 190 سنتيمترا، وها نحن نشاهد الانخفاض الذي يحدث، ونحن لم ندخل فصل الصيف بشكل رسمي؛ أي وقت الذروة في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب.

رعد الأسدي: انخفاض المناسيب في هذا الوقت تشكل خطرا على التنوع الإحيائي وعلى السكان (الجزيرة)

هذه المناسيب في هذا الوقت المبكر كما يقول الأسدي تشكل خطرا على التنوع الإحيائي وعلى السكان، إضافة لقرب موسم زراعة الشلب والمحاصيل الصيفية، التي تستهلك الكثير من المياه، كذلك تجاوزات أصحاب بحيرات الأسماك، والتجاوزات على الحصص المائية من قبل المحافظات الأخرى مع خطر مياه المبازل على نهر الفرات، والتي تسبب في ارتفاع الملوحة.

ويؤكد حيدر الصالحي، وهو مواطن من سكان الأهوار في قضاء الفهود (جنوب شرق الناصرية)، بأن مناسيب المياه بدأت تنعكس سلبا على مجمل الحياة في مناطق الأهوار، الأمر الذي شكل قلقا كبيرا لدى سكان مناطق الفهود والجبايش، حيث شهدت تزايدا بطلب الرحيل والهجرة باتجاه محافظات أخرى.

الحكومة لم تهتم بمشاكل الأهوار، وأصبح هذ الملف كما يقول الصالحي للجزيرة نت، يدخل ضمن المزايدات الحكومية، ولم يستفد سكان الأهوار من دخولها لائحة التراث العالمي، كل ما هنالك مجرد تصريحات إعلامية لا غير، وهناك تحرك وهجرة إلى مدن النجف وكربلاء والبصرة بحثا عن المياه ومصدر الرزق.

نهر بدا عليه الجفاف في منطقة الفهود  (الجزيرة)

تطمينات ومخاوف

ورغم المخاوف الشديدة، التي أطلقها الناشطون بمجال البيئة، حول خطر جفاف الأهوار؛ إلا أن مدير الموارد المائية في ذي قار، غزوان عبد الأمير، أكد خلال حديثه للجزيرة نت على أن الانخفاض قد حصل في الأيام الماضية بسبب أن الإطلاقات المائية كانت لمياه الشرب وبعض الاستخدامات الأخرى.

ويؤكد عبد الأمير على أنه رغم انخفاض التصاريف الواردة للمحافظة، لا تقل حصة الأهوار عن 70% من الكميات الواردة، وتصاريف نهر الفرات هذه الأيام تجاوزت الحصة المقررة ضمن الخطة السنوية لتشغيله بمقدار 35%، حيث ستشهد الأيام المقبلة عودة المناسيب إلى ما كانت عليه قبل الانخفاض الأخير.

ويتهم النائب عن لجنة الزراعة والمياه والأهوار، عبد الأمير الدبي، وزارة الخارجية العراقية بعدم اتخاذ أي إجراء مناسب تجاه التجاوزات التركية على حصة العراق من المياه، كما أنه من حق البلد مطالبة المجتمع الدولي بشأن الحصة التي تصل لتلك المناطق.

ويضيف الدبي خلال حديثه للجزيرة نت، أن لجنته طالبت الحكومة في مخاطبات رسمية وفي أكثر من مناسبة بضرورة التحرك بشأن المياه؛ لكنها لم تهتم لهذا الملف ومنشغلة بالمشهد السياسي، ولجنة الأهوار تتابع هذا الموضوع بحذر شديد.

أحد سكان الأهوار يسحب الحليب من الجاموس في منطقة الجبايش (الجزيرة)

محنة مربي الجاموس

كل المؤشرات ترجح أن هذه السنة سنة جفاف فعلية، وبدأت المناسيب في الانخفاض بشكل كبير، لا ضمن الحدود الإقليمية للعراق فقط، وإنما من شمال سوريا وحتى الأهوار العراقية، فقد شهد انخفاض الفرات في حدود سوريا بحوالي 5 أمتار و20 سنتيمترا، كما يؤكد الناشط بمجال البيئة ورئيس منظمة طبيعة العراق في ذي قار جاسم الأسدي للجزيرة نت.

جاسم الأسدي: انخفاض مناسيب نهر الفرات سيكون مؤثرا، وسيرافقه زيادة في ملوحة المياه (الجزيرة)

مناسيب نهر الفرات وهو المغذي لكل من الأهوار الوسطى وهور الحمّار في ذي قار قد انخفض فعليا كما يقول الأسدي، وقد خسرنا منذ بداية السنة وحتى اليوم حوالي 43 سنتيمترا، كما خسرنا في شهر يونيو/حزيران فقط حوالي 14 سنتيمترا؛ أي قبل ذروة الصيف.

ويوضح الأسدي أن الانخفاض سيكون مؤثرا، وسيرافقه زيادة في ملوحة المياه، ففي نهر الفرات عند مدينة الجبايش، تم تسجيل 2900 جزء بالمليون من الأملاح، في حين أن نوعية المياه الصالحة للشرب وفق القياسات العراقية هي 1200 جزء بالمليون، وهذا يمثل حجم الكارثة التي ستحل بالأهوار.

منطقة مهجورة في قلب الأهوار (الجزيرة)

الجاموس كما يكشف الأسدي لا يستطيع الاعتماد على مياه ملوحتها تزيد على 5 آلاف جزء بالمليون؛ لأنه يصاب ببعض الأمراض، ومنها العمى عند 6 آلاف جزء بالمليون، وهذا يعني أن مستقبل سكان الأهوار، الذين يربون الجاموس سيكون عسيرا مثلما حصل في أعوام 2015 و2018 حينما خسر مربو الجاموس من 15% إلى 20% من قطعانهم، وقد يخسرون المزيد هذا العام.

في 7 يونيو/حزيران 2021، أكد مركز إنعاش الأهوار في وزارة الموارد المائية أن وضع الأهوار جيد ولا يدعو للقلق، حيث إن حصتها من الخزين الذي تطلقه الوزارة محفوظة، رغم بعض التجاوزات التي يتم العمل على رفعها.

وتبلغ مساحة الأهوار في مناطق جنوب العراق ما يقارب 40 ألف كيلومتر مربع، حيث تمتد على محافظات ميسان والبصرة وذي قار، ورغم دخولها في لائحة التراث العالمي في 2016 لم تحظ الأهوار بالاهتمام الحكومي الكافي حتى الآن، ويخشى السكان باستمرار من الجفاف.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة