باتت أيقونة لمقاومة الاستيطان.. هكذا تبدع قرية "بيتا" الفلسطينية طرقا للنضال

تُعرف بلدة بيتا بكونها إحدى القرى الفلسطينية المناضلة ضد الاستيطان منذ ثمانينيات القرن الماضي، وقتل على أرضها وأصيب العديد من المستوطنين أيضا، وباتت اليوم أيقونة لمقاومة الاستيطان يبدع شبابها طرقا جديدة للمقاومة.

صورة من مواجهات بلدة بيتا جنوبي نابلس (الجزيرة)
صورة من مواجهات بلدة بيتا جنوبي نابلس (الجزيرة)

بيتا/ نابلس– لم يلبث الشاب محمد حميدان بعد مشاركته في فعاليات المقاومة الشعبية بجبل العُرمة فوق أراضي بلدته بيتا قبل أقل من عام، حتى انخرط مجددا في التصدي لمخططات الاحتلال الإسرائيلي بالاستيطان في جبل صبيح جنوبًا.

وأضحى حميدان (23 عاما) واحدا من مئات النشطاء ببلدة بيتا جنوبي نابلس بالضفة الغربية الذين يواجهون يوميا محاولات الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية تحويل بؤرة أسموها "أفيتار" إلى مستوطنة راسخة فوق أراضيهم. ومن جيل إلى آخر، يزداد إصرار أهالي البلدة المعروفة بتاريخها في مقاومة الاستيطان، فلقد أخذوا على عاتقهم صدّ المستوطنين عن أرضهم بالقوة ولو تساقطوا شهيدا تلو الآخر.

وبعنف شديد يقمع الاحتلال المحتجين في جبل صبيح، كي لا يتكرر مشهد جبل العُرمة حيث أفشلت مقاومة أبناء بيتا محاولات الاستيطان فوقه. فعلى مدار الشهر الماضي، استخدم الجنود الإسرائيليون الرصاص الحي فقتلوا الشاب عيسى برهم وكان أول شهيد قضى دفاعا عن الجبل في مايو/أيار الماضي، إضافة إلى مئات الجرحى.

يقول حميدان إن الاحتلال ظن أنه بالقتل والاعتقال سيرعب شبان القرية الذين ازدادوا إصرارا على المواجهة، ورفعوا شعار "سنزيلها خاوة" (بالقوة) في إشارة إلى المستوطنة.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت "نفخر بالمقاومة، والتحرير ليس صعبا إذا ما وجدت الإرادة، وإذا تغيرت مقولة: إن اليهود يفعلون ما يشاؤون، ففي الحقيقة هم يخافون من كل شيء".

تجميع الإطارات لإحراقها خلال المواجهات في بيتا جنوبي نابلس (الجزيرة)

وحدات المقاومة

على أرض الواقع، يدير "البيتاويون" حربا مع العدو، إذ يُقسِّمون أنفسهم إلى وحدات ومجموعات منظمة، ويتناوبون على ذلك ليل نهار، مستلهمين تجربتهم من المقاومة على حدود غزة.

وفي البلدة، اشتهرت "وحدة الكاوشوك" (الإطارات)، ومهمتها تبدأ من ساعات ما بعد الظهر وقبيل الفعاليات المسائية، وتعمل على تجميع الإطارات وحرقها لخلق ستار من الدخان الأسود الكثيف يغطي على تحرك الشبان ويخنق المستوطنين، وعلى غرارها تعمل وحدة "البالونات الحارقة".

أما وحدة "المقاليع" (المقلاع أداة مصنوعة يدويا من المطاط والحبال)، فمهمتها رشق الجنود بالحجارة من مسافة بعيدة، ومثلها وحدة "المولتوف" المسؤولة عن تجهيز وإلقاء الزجاجات الحارقة.

في حين تقوم وحدة الإعلام بمتابعة الأحداث ميدانيا ونقلها عبر وسائل التواصل المختلفة، تعمل وحدة الرصد والمتابعة على مراقبة الجيش والمستوطنين لحظة بلحظة وإمداد المقاومين بأحدث المعلومات عنهم.

وفي المواجهة الأخيرة، اشتهرت أيضا وحدة "الجندي المجهول" وتضم الأطقم الطبية التي تسعف المصابين. ووحدة الدعم اللوجستي، التي تمدّ المقاومين بالطعام والشراب في الجبل، وتساهم النساء برفد هذه الوحدة بكل احتياجاتها، في وقت تعمل فيه "وحدة التحدي" على إدارة المواجهات في الميدان.

وفي الأيام الأخيرة، اشتهرت وحدة "الإرباك الليلي" التي تفننت في تخويف المستوطنين والجنود وإزعاجهم سواء بإشعال النيران في محيط المستوطنة ليلا، أو توجيه وهج الليزر وكشّافات المصابيح باتجاهها. وفي الميدان يزور شيوخ البلدة ووعاظها المرابطين ويمدونهم بالعزيمة ويحثونهم على الثبات والدفاع عن أرضهم.

إشعال الإطارات في بلدة بيتا ومقاومة الاحتلال (الجزيرة)

وزيادة في الترهيب، أطلقت وحدة الإرباك مجسمات لصواريخ "تشبه صواريخ المقاومة بغزة" وخطت عليها أسماء شهداء القرية وعبارة "ارحلوا قبل فوات الأوان"، ورافقتها مكبرات الصوت بالتكبير والتهليل.

وكتبت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية -في عددها الصادر اليوم الاثنين- أن "الكفاح المستمر" لأهالي بيتا مستوحى مما تفعله المقاومة على حدود غزة. وبعد ليلة حافلة "بالإرباك الليلي"، كتب الإعلام العبري أن ما بدأته حماس على حدود غزة يحدث الآن بالقرب من بؤرة " أفيتار" الاستيطانية حيث يحتج سكان بيتا على إقامتها، وذلك بدعم من السلطة الفلسطينية.

ونقل الإعلام العبري عن مصدر محلي في بيتا أنه "يتعين على إسرائيل أن تعد 14 ألف رصاصة لقتل جميع سكان بيتا إذا كانت تعتزم السيطرة على الجبل".

شبان خلال المرابطة فوق جبل العرمة في بيتا قبل عدة أشهر رفضا للاستيطان عليه (الجزيرة)

عصية على الكسر

أصبحت بيتا نموذجا للنضال في الضفة الغربية، واقترن اسمها بأحداث الشيخ جراح وسلوان بالقدس وغزة، فأضحت بؤرة حدث لا تقل أهمية عن غيرها. وخلال جولة للجزيرة نت، لاحظنا فراغ المقاهي العامة وصالات الرياضة، فالكل منشغل بمهمات نضالية. بينما تحولت جدران المنازل إلى لوحات فنية للشهداء، وأخرى خُطت بشعارات تمجدهم وتدعو للسير على خطاهم.

وتاريخيا كانت بيتا عصية على الاحتلال، فمنذ حاول الاحتلال عام 1988 تشييد أول مستوطنة في جبل العُرمة شرقي البلدة، انتفض الأهالي واستشهد 3 منهم وقُتل مستوطنان، وعندما أعيدت الكرة قبل عام ونصف تصدوا له أيضا واستشهد شابان.

ويذكر الأهالي كيف هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين بهدم البلدة "بيتا بيتا"، وبالفعل هدم نحو 30 منزلا ونفى 5 من أبنائها واعتقل العشرات وقسَّمها جغرافيا إلى "عليا وسفلى"، لكنها ازدادت قوة وتوحدًا.

وأقيمت مستوطنة جبل صبيح خلال أقل من شهر مطلع مايو/أيار الماضي "كأول مستوطنة" في بيتا بعد 5 محاولات فاشلة طوال أكثر من 30 عاما. وتهدد المستوطنة بقطع تواصل القرية ومصادرة أراضيها، فهي تجثم فوق 20 دونما (الدونم ألف متر مربع) وتحتل الجبل بأكمله.

صور الشهداء على الجدران في بلدة بيتا (الجزيرة)

تقاطر الشهداء

يقول الناشط الإعلامي في البلدة براء حسين للجزيرة نت إن قمع الاحتلال يتراجع كلما كان الضغط الإعلامي أكبر.

وخلال الأحداث المتصاعدة منذ بداية الشهر الماضي، قتل الجيش الإسرائيلي 4 من أبناء البلدة وجرح حوالي 500 مواطن غالبيتهم من الشباب، وأصيب بعضهم بكسور مثل حال الشاب "جميل" الذي كان يسير متأبطا عكازيه ويستعد للانضمام لفعاليات المواجهة.

تقول الناشطة النسوية غادة أبو حمدان إن الأمهات في بيتا صرن يودعن أبناءهن صبيحة كل يوم "ويحرضنهم على النضال والثبات في الميدان"، كما أن غالبيتهن يشاركن بالدعم اللوجستي عبر إمداد المقاومين بالطعام والشراب على الجبل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة